8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المصالحة المبتدئة بين الوطنيّتين والشرعيّتين اللبنانية والفلسطينية

في الأسبوعين الماضيين، وفي خضمّ المعركة التي يخوضها الجيش ضدّ إرهاب النظام السوري عبر عصابة "فتح الإسلام" في مخيّم نهر البارد، وضدّ محاولات فتح جبهة ثانية في مخيّم عين الحلوة، كان ثمّة فرصة لطي صفحة من التأزّم في العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية ولتحقيق مصالحة تاريخية بينَ الشعبين والقضيّتين.. والدولتين في لبنان وفلسطين.
أما التأزّم في العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية، فأسبابه معروفة في التاريخ الحديث. وبينَ من انتصر للكفاح الفلسطيني المسلّح في لبنان وانطلاقاً منه، ومن وقف ضدّه وناصبَه العداء، ضاعت إمكانية التسوية بين اللبنانيين في الفترة ما بين نهاية الستّينات والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. فالتسوية لم تكن ممكنة بين فريق يدعم "الثورة الفلسطينية" بلا حدود وبين فريق يرفضها بلا حدود أيضاً. فكان الانقسام حول المسألة الفلسطينية عاملاً رئيسياً من عوامل الحرب الأهلية.
"الوطنية الفلسطينية" و"الوطنية اللبنانية"
أما الفرصة، فكان يجب أن تكون مُتاحة مع اتفاق الطائف.. أي مع نهاية الحرب الأهلية. كان يجب أن تطوى الصفحة، تماماً لأن بعضها ينتمي الى الحرب الأهلية. وكان يجب تصحيح العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية. ولعل الأساس في المصالحة يكمن في أن "حركة فتح" وهي أمّ الحركة الوطنية الفلسطينية وعصب منظمة التحرير، عبّرت منذ اللحظة الأولى لولادتها على يد الرئيس ياسر عرفات ـ أبو عمّار ـ وإخوانه عن إرادة قتال ضد إسرائيل لاسترجاع الأرض من جهة وعن إرادة استقلال عن الأنظمة العربية رافعةً من البداية شعار القرار الوطني المستقلّ من جهة ثانية. بكلام آخر، ترجمت "فتح" معادلة التحرير ضدّ إسرائيل والتحرّر من الأنظمة العربية في آن.. فكانت عنواناً لـ"الوطنية الفلسطينية" التي أخذت مداها في انتقال ثقل النضال الفلسطيني الى "الداخل".
أما "الوطنية اللبنانية"، فلم تكتسب مداها وكامل أبعادها إلاّ في وقت متأخّر نسبياً بعد الطائف. فجمعت "الوطنية اللبنانية" ما بين التحرير ضدّ إسرائيل والتحرّر من سوريا أي من وصاية النظام السوري. وإذا كان مما لا شك فيه أن كثيرين من اللبنانيين تعرّفوا على "وطنيّتهم" من خلال "الوطنية الفلسطينية" وتجربتها ومحطّاتها، فإن الاهتداء اللبناني "العام" الى "الوطنية اللبنانية" فرضته علاقة الاستتباع التي أقامها النظام البعثي في دمشق مع لبنان.
إذاً، المصالحة اللبنانية ـ الفلسطينية هي مصالحةٌ بين وطنيّتَين. ولم تتمّ هذه المصالحة طيلة ما يزيد عن عقدَين، لأن نظام الوصاية السورية، يمثّل النقيض من هاتين الوطنيّتين، ولأن يديه ملطّختان بدماء لبنانية وفلسطينية، ولأنه قاتل بشراسة القرارين الوطنيين المستقلّين اللبناني والفلسطيني.
فرصة متأخرة لكنها أتت
هذا كله من التاريخ الذي لا تختصره المقدّمات الآنفة. والمهم أن فرصة المصالحة وفتح صفحة جديدة لاحت في الأيام الماضية مجدداً.
خلال الأيام الماضية، أجمع فرقاء "الوطنية اللبنانية"، أي فرقاء معادلة "التحرير والتحرّر"، على تبرئة الشعب الفلسطيني ومخيّماته من إرهاب "فتح الإسلام". وأجمعوا على التعاطف مع الكتلة الشعبية الفلسطينية في المخيّمات. وأجمعوا على أن ما يجري في نهر البارد ليس مشكلة لبنانية ـ فلسطينية. وأكدوا أن للشعب الفلسطيني مرجعيّته الشرعية سلطةً وحكومة ومنظمة تحرير. وأجمعوا على أن إرهاب النظام السوري يستهدف اللبنانيين والفلسطينيين معاً. وأجمعوا على أن هذا النظام الذي يتعامل تاريخياً مع لبنان وفلسطين بوصفهما "ورقَتين"، لا يتورّع عن الإساءة إليهما ولو اقتضى الأمر إغراقهما بالدماء.
جهات فلسطينية عدّة قالت كلاماً متضامناً مع الجيش، وبعضها قاله على استحياء. جهات أخرى موالية لدمشق.. وتشارك عصابة "فتح الإسلام" اعتداءاتها على الجيش. حركة "فتح" اكثر من غيرها وقبله التقطت الفرصة لتُعيد تقديم آفاق علاقة طيّبة بين فلسطين ولبنان.
"فتح" في الموقف وفي الممارسة
في "السياسة" قالت "فتح" كلاماً واضحاً مع الجيش، مع القرار الذي تتّخذه السلطة الشرعية، مع الدولة اللبنانية وسيادتها.. مع القضاء على "الظواهر الإرهابية".. مع استقرار البلد. وبتوجيه من الرئيس محمود عباس ـ أبو مازن ـ رفيق أبو عمار في الحلقة التأسيسية التاريخية لفتح، أعلنت أنها مع إنهاء ظاهرة الفصائل المسلّحة في غضون ستة أشهر، وأن من حقّ الدولة اللبنانية أن تتواجد في كل مكان، وأن للعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية أسساً أبعد بكثير وأهمّ من "سلاح المخيّمات".
إعادة الاعتبار للمرجعية الفلسطينية الشرعية..
إلتقطت "فتح" الفرصة، وانتصرت في عين الحلوة للجيش المعتدى عليه. وهذا تطوّر كبير يجب تسجيله. ذلك أن لـ"المشهد" بحدّ ذاته دلالات عميقة. وبالتقاطها الفرصة، لا تقف "فتح" الى جانب الشرعية اللبنانية والدولة اللبنانية فقط، بل هي تعيد الاعتبار للشرعية الفلسطينية، وللعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية بما هي علاقةٌ بين "وطنيّتين" وشرعيّتين. والأهم أن "فتح" تعيد الاعتبار للمرجعية الشرعية عن الشعب الفلسطيني بما هي منظمة التحرير، ولكونِها هي المكوّن الرئيسي لهذه المرجعية، تاركةً من يريد أن يسقط في فخّ حسابات العلاقات الإقليمية على حساب لبنان واستقراره وسيادته. وكما اللبنانيون صحّحوا منذ العام 2005 المسار بإنهاء الوصاية السورية على دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقاوموا الانقلاب تلوَ الانقلاب على استقلالهم، فإن "فتح" في صدد إنهاء مفاعيل إنقلاب النظام السوري عليها وعلى منظمة التحرير، الذي شهد محطّات متوالية من الدماء، من البقاع وطرابلس في العام 1983 الى حروب المخيّمات بين العامَين 1985 و1989,. بهدف القضاء على الرئيس الشهيد أبو عمّار.
ومن دون أدنى شك، إن هذا التطوّر الفلسطيني الذي يحصل في لحظة حاجة لبنان الى مؤازرة، سيؤسّس لتنظيم العلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية على أسس جديدة. ولكَم كان فعلياً وحقيقياً القول دائماً إن استقلالَين يتكاملان: إستقلال الدولة في لبنان ودولة الاستقلال في فلسطين.
نظام الأسد: إعترافات عليه
هذا جانبٌ من الموضوع. فما هي الجوانب الأخرى؟
من الواضح تماماً أن لبنان بواسطة جيشه يواجه حرباً إرهابية يشنّها النظام السوري عليه.. على أرضه.
ومن الواضح تماماً أيضاً أن اتهام النظام السوري بالحرب الإرهابية على لبنان ليس فقط اتهاماً سياسياً. ذلك أن بينَ يدي الأجهزة الأمنية والقضاء وقائع ومعطيات تمّ التوصّل إليها بفعل اعترافات الموقوفين من العصابة، منذ تفجيرَي عين علق وحتى اليوم.
.. وتمرّده على الشرعيّتين العربية والدولية
كذلك من الواضح أن نظام الأسد باشر حربه على لبنان بالتزامن مع انسحابه منه وبعده مباشرةً. بيدَ أن خطورة ما يقدم عليه، تتجلى في كونه أخذ في تنفيذ هذه المرحلة المتقدمة من الحرب الإرهابية بعد القمة العربية الأخيرة في الرياض في المملكة العربية السعودية، التي تقرّر فيها انتقال رئاسة القمة الى سوريا العام المقبل. على أن أهم ما قرّرته قمّة الرياض وما تضمّنه إعلانُها، هو أن النظام العربي يقوم على علاقات "متساوية" بين دول مستقلّة سيّدة حرّة، وعلى عدم تدخّل دولة في الشؤون الداخليّة لدولة أخرى. وعلى هذا الأساس، فإن النظام السوري المعتدي على لبنان، يكون وضع نفسه خارج النظام العربي وخارج الشرعية العربية.
وبما أن واحداً رئيسياً من أهداف الحرب المفتوحة على لبنان، هو "التمرّد" على المحكمة الدولية الناشئة بالقرار الدولي رقم 1757، وبما أن النظام السوري يسعى الى الإطاحة بالقرارات الدولية لا سيما القرار 1559 الذي يؤكد على سيادة الدولة اللبنانية وعلى المسار الاستقلالي والدستوري في لبنان، والقرار 1701 حيثُ لا يخفى أن حرب النظام السوري تخلق مناخاً عدائياً ضدّ قوات الطوارئ الدولية وتهدّد الالتزام بتطبيقه. وبذلك يكون نظام الأسد خارج الشرعية الدولية والمجتمع الدولي.
شكويَان
ولا شك أن هذه الوقائع والمعطيات تستدعي من حكومة لبنان تقديم شكويَين ضد النظام السوري مرفقتين بنتائج التحقيقات والاعترافات والأدلّة، واحدة الى جامعة الدول العربية، والثانية الى مجلس الأمن الدولي، لأن ما يواجهه لبنان اعتداءٌ من دولة على دولة تحكمه نصوص وإجراءات في شرعة الجامعة وفي القانون الدولي على حدّ سواء.
قطر: المحكمة و"الجزيرة".. واستدعاء السفير
أما في جانب آخر، فقد كان الموقف القطري لافتاً على مستويَين. المستوى الأول تجلّى في تصويت مندوب قطر في مجلس الأمن بالامتناع على قرار إنشاء المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر الجرائم الإرهابية الأخرى.
وبهذا الموقف، لم تضع قطر الشطر الأعظم من اللبنانيين ضدّها، لكنها إذ تمثّل المجموعة العربية في مجلس الأمن، لم تلتزم بقرار عربي صادر عن القمة العربية بدعم طلب لبنان إنشاء المحكمة الدولية، زاعمةً المعرفة بالوضع اللبناني أكثر من اللبنانيين أنفسهم.
غير أن المستوى الثاني، يتجلّى في الأداء الإعلامي القطري مجسّداً في مواكبة قناة "الجزيرة" للأحداث في لبنان. فإذا كانت حرية الإعلام مقدّسة بالنسبة الى اللبنانيين، وإذا كان ثمّة استعدادٌ في لبنان لتقبّل نسبةٍ من "الانحياز" في التعاطي مع الوضع اللبناني، وإذا كان هذا الإنحياز "مفهوماً" عندما يتعلّق الأمر بـ"حزب الله" على سبيل المثال، حيث لا يتميّز الإعلام القطريّ وضيوف برامجه عن بعض ضيوف برامج محطّات أخرى انحيازاً لـ"الحزب ـ المقاومة"، فإن الإعلام القطري تجاوز المقبول أو المفهوم. فعندما تصبح محطّة فضائية بجانب "مجموعة" لا قضية لها سوى الاعتداء على الدولة، وعندما يصبح المعتدى عليه في دائرة التعتيم، وعندما تغدو المحطة منبراً مفتوحاً صبحَ مساء لـ"التنظير" ضدّ لبنان ومصالحه، وعندما يصبح "السكوب" عبارة عن اتصال هدفه إثبات أن المدعو "أبو هريرة" لم يُصب ولم يُقتل.. وعندما يتعرّض من تستضيفهم المحطّة من استقلاليين لبنانيين للتغطية على الانحياز أو أخذ مصداقية مهنية، للشتم.. يكون كل ذلك غير مقبول وغير مفهوم، وادعاءات العروبة تصبح "مزحة سمجة".
ولا شك أن هذه المعطيات جميعاً، تقتضي قيام الحكومة باسم الدولة اللبنانية باستدعاء السفير القطري وإبلاغه أشدّ الاحتجاج، مع لفته إلى أن ـ بهذين السياسة والأداء ـ ثمّة تهديداً لأمن لبنان ولمصالحه الحيوية.
وفق الحساب
بناءً على كل ما تقدّم، ولأن لبنان يدفع الثمن دماً، ومن استقراره وأمنه، جرّاء الحرب الإرهابية التي يشنّها النظام السوري عليه، بات مطلوباً تعميق العلاقة مع من ينصر الدولة وسيادتها، واتخاذ موقف حازم من المعتدين والمنحازين.. وحتى من اللامبالين. فهذا حقّ كل لبناني على دولته، وحقّ الجيش والقوى الأمنية على الدولة، وحقّ الدولة على الدول العربية والمجتمع الدولي.
يقيناً إن الجيش سيخرج منتصراً من معركته مع الإرهاب. ويقيناً أن ثمة قيامةً جديدة لجيش لبنان. لكن يقيناً أيضاً أن المصالحة المبتدئة بين الوطنيّتين والشرعيّتين اللبنانية والفلسطينية، تؤسس لمعالجة كل المشاكل المتأتية من مراحل سابقة.
وحركة "فتح" لم تنتظر تكليفاً كي تبادر. ولم تسعَ الى استغلال "الحشرة" اللبنانية لـ"تشتري" دوراً في لبنان. ولم تضع شروطاً على الدولة. قالت قولَها ونفّذته. بادرت و"انتزعت" دورها في خدمة القضيّتين اللبنانية والفلسطينية فـ"انتزعت" محبّة اللبنانيين في لحظة مصيرية من تاريخهم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00