8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نظام الأسد متوتر.. وتوتّره "يحجز" حلفاءه

يبدو انّ الرئيس نبيه بري، بحسب ما تفيد تصريحاته الصحافية في اليومين الماضيين مستاء من مبادرة قوى 14 آذار التي يدعو نصّها إلى "تسوية تاريخية". فلم يرَ فيها إلا ما يؤكد رغبة الأكثرية في الاستئثار. ويقول انّ هذا الفريق "أخذ" المحكمة ويريد الآن أخذ الرئاسة. وعلى هذا الأساس طالب بري بـ"ورقة" استقالة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.
استغراب حديث بري عن "الاستئثار"
بداية، تستغربُ حركة 14 آذار شديد الاستغراب أن يتّخذ الرئيس بري من مبادرتها هذا الموقف. ذلك انّ ما تطرحه تحت عنوان "التسوية التاريخية" هو إنهاء الانقسام اللبناني المفتعل بين محطّتَي التحرير عام 2000 والاستقلال عام 2005، وهو تجديد التوافق حول الإجماعات الوطنية "السابقة"، أي اتفاق الطائف انطلاقاً، ثم مقرّرات مؤتمر الحوار الوطني، علماً انّ عناوين أخرى أعقبت تلك المقرّرات كالنقاط السبع والقرار 1701 كانت الموافقة عليها بالإجماع أيضاً "في حينها".
ثمّة استغراب لأن يكون بري اشتمّ "رائحة" استئثار من نصّ "يجمّع" نقاط الاتفاق ويدعو إلى تجديد الاتفاق حولها، ومن نصّ يعتبر واضعوه انّ أساس الانطلاق نحو تشكّل السلطة في الاستحقاقات بمواعيدها الطبيعية، هو التوافق السياسي ـ الوطني. والحقيقة هنا انّ 14 آذار، وهي لا تُسقط احتمال أن لا تكون "المعارضة" معترفة بالإجماعات الوطنية السابقة، لا تعتبرها مع ذلك شروطاً مسبقة على أيّ حوار. وهذا ما كان زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري واضحاً بشأنه عندما خاطب تلفزيونياً بري والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله وغيرهما باستعداده للحوار فوراً من أجل طي صفحة سابقة، معلناً انّه على استعداد لمناقشة أي موضوع والاتفاق عليه.
قالت 14 آذار بالتسوية التاريخية ووضعت تصوّرها لمضامين هذه التسوية. وكان يُنتظر من الفريق الآخر أن يضع تصوّراً مقابلاً. ولو كانت 14 آذار في صدد الاستقواء بالقرار 1757 الذي أنشأ المحكمة الدولية، لما سارعت إلى طرح التسوية.
فعن أي نيّة بالاستئثار يتحدث رئيس "أمل"؟. هل الاستئثار في انّ الأكثرية لم تستقِل؟ أم انّ الاستئثار في انها لم تعرض على تحالف ما يسمّى "المعارضة" رئاسة الجمهورية في مقابل المحكمة؟ أم انّه في عدم عرضها حكومة يرضى عنها بري وحلفاؤه في مقابل المحكمة؟ أم هو في إغلاقها كلّ طرق المقايضات بين المحكمة وعناوين أخرى؟.
التوتّر السوري من المحكمة
في اعتقاد 14 آذار انّ الردّ السلبي من جانب بري، كما الحملة التي بدأت طلائعها من جانب "حزب الله" وإعلامه على مبادرتها، إنّما يجدان ـ الرد والحملة ـ أسبابهما في "أمكنة" أخرى.
لا شكّ أولاً، انّ مبادرة 14 آذار التي تهدف إلى "استيعاب" الوضع بعد إقرار المحكمة، والتي تسعى إلى "ضبط" ردود الفعل عليها، في لحظة تقويم الحسابات ومراجعتها في ضوء تحوّل المحكمة إلى معطى واقعي، انّما "تسقط" على واقع تفيد معطياته انّ النظام السوري في أقصى توتّره حيال المحكمة وفي أوج حربه على لبنان كياناً ودولة ونظاماً سياسياً، بالإرهاب من ناحية وبـ"السياسة" عبر حلفائه من ناحية ثانية.
ولا شكّ ثانياً، انّ النظام السوري الذي كان مقتنعاً قبل إقرار المحكمة بأنّه قادر على منعها، هو الآن في صدد "محاولة" الردّ على المعطى الواقعي الجديد، وليس "حتى الآن" في صدد "تنظيم" علاقة واقعية بهذا المعطى الواقعي، بالضبط لأنه لا يزال يعتبر انّ في وسعه حماية نفسه بمزيد من الهروب إلى الأمام.
إيران و"الإشارات المتناقضة"
ولا شكّ ثالثاً، انّ إيران التي تربط "المسألة اللبنانية" بما ستؤول إليه أزمتها مع المجتمع الدولي حول دورها وموقعها الإقليميين، لم تتبيّن حتى الآن "الخيط الأبيض" من "الخيط الأسود" فيما هي تفاوضُ من ناحية ولا تستبعد المواجهة من ناحية ثانية. ومن الواقعي القول انّ إيران أعطت حول لبنان في الآونة الأخيرة "إشارات متناقضة" بين "المرونة" والنهج السابق.
ثم لا شكّ رابعاً، انّ المحكمة الدولية وقد غدت معطى قائماً، تستدعي التزاماً بها من الجميع في لبنان. وفي هذا الإطار، من الطبيعي أن تكون الموافقة على القرار 1757 البند الأول في برنامج أو بيان أي حكومة جديدة. فتعطيل فريق ما يسمّى "المعارضة" مسار إقرار المحكمة دستورياً في المجلس النيابي، يُفترض انّه صار من الماضي "منطقياً"، لكن "الجماعة" لا يبدون قادرين على الموافقة على المحكمة لأنّ من مهمّات الحكومة التعاون معها وتسهيل عملها.
الجيشُ المقتدر ونجاحُه ضدّ الإرهاب
وماذا خامساً؟
ليس سرّاً انّ فريقاً أساسياً في "المعارضة" هو "حزب الله"، يراهنُ على عدم تمكّن الجيش من حسم المعركة مع عصابة "فتح الإسلام".
طبعاً، أعلن الرئيس بري موقفاً متضامناً مع الجيش، ومندّداً بالعصابة في مخيّم نهر البارد. غير انّ لـ"حزب الله" رواية أخرى ما فتئ يكرّرها منذ اندلاع المواجهة قبل أسبوعين. وهذه "الرواية" تستندُ إلى "خبريّة" انّ فريق الأكثرية "ورّط" الجيش وأوقعه في "كمين". ومن البديهي في هذه الحال، انّ "حزب الله" إذ يعتبرُ تمكّن الجيش من الحسم انتصاراً سياسياً لحركة 14 آذار، يقفُ موقفاً سلبياً من المعركة التي يخوضها الجيش.
غنيّ عن القول انّ ادعاءات "حزب الله" لا أصل لها. وغنيّ عن القول انّ الجيش والقوى الأمنية انقضّوا على العصابة في لحظة شروعها بالتمدّد في منطقة الشمال لخطفها وسلخها عن الدولة. وغنيّ عن القول انّ العصابة لو تمكّنت من تنفيذ خطّتها ومن إنشاء "إمارتها" لكان لبنان دخل في مرحلة "تقسيمية" خطيرة جداً. وغنيّ عن القول أخيراً انّ الجيش يُبلي بلاءً شديداً، ليس فقط لأن الخطة الإرهابية استهدفته وتستهدفه وتعرّض البلد استقراراً ووحدةً، بل لأنّ شعارات من نوع "الخطوط الحمر" شكّلت تحدّياً كبيراً له.
أول انتصار للجيش ينقُض خطّة نظام الأسد
لا شكّ انّ المؤسسة العسكرية بكل مكوّناتها وبـ"شيعتها" تقاتلُ دفاعاً عن لبنان. وإذا تحقّق لهذه المؤسسة الانتصار "الحاسم" على الإرهاب في أكثر مواقعه وحلقاته خطورة وهو ما يخشاه نظام الأسد الذي يحاول إشغال الجيش في أكثر من موقع عبر بعض جماعاته في مخيمات أخرى، سيكون ذلك بمثابة أول انتصار تاريخي لـ"جيش لبناني" منذ الاستقلال الأول، من غير أن يعني ذلك أن ليس في تاريخ الجيش صفحات مجيدة على جبهة المواجهة مع إسرائيل. سيكون للبنان جيش مقتدر.
والحقّ يُقال هنا، انّ هذا المنعطف الاستراتيجي في تاريخ الجيش ودوره، هو نقيضُ ما يريده نظام الأسد. ذلك انّ هذا النظام، ليس فقط لم يقدّم لجيش لبنان خلال وصايته ما يمكّنه من أن يكون قوياً، كي يستمرّ في القول انّ الأمن الذاتي اللبناني لم يبلغ سنّ الرشد، بل هو يعتبرُ نجاح الجيش ضربةً لمحاولاته شراء دور في لبنان بذريعة قدرته على ضمان الأمن فيه.
في "المنطق" انّ خروج الجيش منتصراً من حربه على العصابة الإرهابية، يُفترض ألاّ يجفّل "حزب الله". ذلك انّه ليس مطروحاً ولن يكون مطروحاً "التواجه" بينه وبين الحزب، حتى لو انّ هناك ما يثبت في "العلم السياسي" ضرورة أن يدخل الحزب ـ أي جناحُه المقاوم ـ في الجيش. غير انّ "البرودة" من جانب "حزب الله" حيال الجيش والمعركة التي يخوض، لا تفسير منطقياً لها إلا بوصفها مواكبة لإحدى حلقات الخطّة السورية.
برّي.. والحركة المقيّدة
من هنا، وتأسيساً على ما تقدّم، وبالعودة إلى نقطة البداية، يعربُ قياديون في حركة 14 آذار عن قناعتهم بأنّ الردّ السلبي من جانب بري على المبادرة الطالعة من قريطم، ليس سببُه ما أعلنه رئيس المجلس عن نيّة استئثار بطرح التسوية (!)، انّما سببُه هو عدم قدرة بري على الحركة في ظل التقاطعات السالف ذكرُها. فبين التوتّر الذي يُبديه النظام السوري، والإشارات المتناقضة الآتية من طهران، ثم بين مقتضيات الموافقة على المحكمة بعد أن صارت معطى قائماً وموجبات الانحياز إلى الجيش وإنجاز الضربة الماحقة للإرهاب، من المفهوم ألاّ يكون بري قادراً على التقاط مبادرة 14 آذار، في مقابل استعداده لمهاجمتها وتصويرها على عكس ما هي عليه.. ومن المفهوم ألاّ يكون في وضع يمكّنه من الاستجابة لـ"نداء" سعد الحريري.
وكل ذلك، فيما صارت هناك محكمة، وفيما صار للبنان جيش مقتدر. وهما إنجازان ـ إنتصاران لـ"كلّ" لبنان بالفعل.
وعلى هذا الأساس، ليس ثمّة أي مشكلة في مبادرة 14 آذار نصّاً وروحاً. ولم يكن منتظراً أن تدخل في التفاصيل التي لا تعدو كونها نتائج للتسوية. فالمعادلة واضحة: تسوية سياسية ـ وطنية تاريخية.. فاستحقاقا الرئاسة والحكومة.
ماذا يعني الوقوف خلف البطريرك؟
على انّ قياديين مسيحيين في 14 آذار استوقفهم تساؤل بري في أحد تصريحاته الصحافية عن عدم وقوف 14 آذار "وراء البطريرك"، وقد دعا سيّد بكركي إلى حكومة سداسية.
يردّ هؤلاء على بري بأنّ السير خلف البطريرك لا يمكن أن يكون انتقائياً، لأن البطريرك أعلن مواقف عدّة في المرحلة السابقة، ولم يسِر بري وحلفاؤه وراءها.
دعا البطريرك إلى الانسحاب من الوسط التجاري. فلماذا لم تسِر "المعارضة" وراءه؟.
ودعا إلى إقرار المحكمة الدولية في ا لمجلس النيابي. فلماذا لم تتم الاستجابة له؟.
ودعا المجلس النيابي إلى لعب دوره الدستوري وإلى فتح أبوابه. فهل استُقبلت دعوته بإيجابية؟.
وأكد انّ تأمين نصاب انتخاب رئيس الجمهورية واجب أيّاً يكن هذا النصاب. فما كانت النتيجة؟.
وشدّد على انّ السلاح يجب أن يكون محصوراً في يد الجيش، وعلى انّ أي طائفة لا يمكنها توريط الجميع. فهل كان هناك تجاوب؟.
..وأعلن أكثر من مرّة انّ على إميل لحود أن يتنحّى حفظاً لموقع الرئاسة. فهل تمّ تأييده في ذلك؟.
الحكومة وبرنامجها
ويعتبرون بناء على ما تقدّم انّ محاولة "التلطّي" وراء ما قاله البطريرك بشأن حكومة سداسية أو غيرها، ما هي إلاّ محاولة للالتفاف على كلّ ما يطرحه رأس الكنيسة المارونية. امّا بشأن الحكومة، فقد أوضح البطريرك انّ فكرته مستوحاة من تجربة في التاريخ اللبناني، إبّان عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب، لكنه لم يقُل ولا مرّة أنّ الحكومة يجب أن تكون بلا برنامج.. أو انّ البرنامج ليس تسوية بين من ستتشكّل منهم. وإذا كان "عقب أخيل" البطريرك هو خوفُه من إميل لحود، ومن أن يُقدم على خطوات لادستورية يُنهي بها عهده اللادستوري، فالمطلوب ملاقاته في الحرص على سلامة المسار الدستوري، فتكون حكومة قبل الرئاسة أو بعدها، لكن على أساس تسوية تفتح طريق الإنقاذ من الأزمة التي يعيشها لبنان منذ شهور، لا أن تكون "النوايا" مبيّتة لتعطيل المسار الدستوري.
مرّة أخرى، تبدو حركة الرئيس بري مقيّدة، فيقوم بـ"التسديد" على "العنوان الخطأ". فماذا لو اكتفت 14 آذار من مبادرتها لـ"التسوية التاريخية" باقتراح "مدخل" إلى الحوار يتلخّص بـ"نعَمين": نعم للمحكمة ونعم للجيش؟. هل سيكون هكذا مدخل مقبولاً من بري وحلفائه؟!.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00