أن لا يتعامَل قادة 14 آذار مع إقرار المحكمة الدوليّة تحت الفصل السابع في مجلس الأمن بوصفه انتصاراً لهم، فذلك "تواضعٌ" منهم مِن ناحية وإرادة سياسيّة من ناحية ثانية. ذلك انّ إقرار المحكمة، هو انجازٌ بكلّ معنى الكلمة يحسبُ في خانة 14 آذار، بعدَ كلّ الابتزاز الذي مارسه تحالف ما يسمّى "المعارضة" خلال شهور طويلة، وبعدَ كلّ التعطيل من جانب هذا الفريق لعمليّة إقرار المحكمة في المؤسّسات الدستوريّة اللبنانيّة.
إنتصارٌ.. بلا "انتصاريّة"
كان فريقٌ مع إنشاء المحكمة بوضوح. وكانَ فريق آخر ضدّ إنشائها بوضوح أيضاً. وبإنشائها يكون الفريق الأوّل رابحاً ويكون الثاني خاسراً.
وهذه المقّدمة تهدفُ الى القول انّ حركة 14 آذار "المنتصرة" أي المحقّقة لإنجاز كبير عندما لا تتصرّف بـ"إنتصاريّة"، فإنّها ليس فقط تقدّم نموذجاً آخر من الأداء يرفضُ الاستقواء "ضدّ" فريق من اللبنانيين مع انّ هذا الفريق لم "يشبَع" من تقديم الفواتير للنظام السوريّ، بل هيَ تتطلّع فعلاً إلى أن يفتَح هذا الإنجاز التطوّر آفاق الانتقال الى مرحلة جديدة يمكن معها معالجة "الأزمة اللبنانيّة".
من هنا، وبالتزامن مع تسجيل أهميّة تصرّف 14 آذار بلا "انتصاريّة" حيالَ إقرار المحكمة، لا بدّ من تسجيل أهميّة المبادرة التي أطلقتها في البيان الصادر عنها أوّل من أمس، وهي المبادرة التي وضعتها تحتَ عنوان "التسوية التاريخيّة".
14 آذار: التسوية في مقابل التفجير
لماذا المبادرة؟ ولماذا في هذا التوقيت؟
بداهةً، تعتبر حركة 14 آذار انّ المحكمة الدوليّة صارت معطى قائماً. وترى انّ مرحلةَ ما بعد المحكمة غير مرحلة ما قبلها. وتفترضُ انّ الحسابات السياسيّة عند كلّ فريق يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه الواقعة الجديدة.
إذاً، في "لحظة" مراجعة الحسابات، تعلنُ حركة 14 آذار انّها لن تسعى إلى توظيف إنجاز المحكمة في الصراع السياسيّ الداخليّ ضدّ الفريق الآخر. وفي "لحظة" مراجعة الحسابات، حيثُ لا يزالُ إحتمال السلوك التفجيريّ من جانب النظام السوريّ وحلفائه راجحاً، تعلنُ 14 آذار نواياها التسوويّة و"تطالب" فريق "المعارضة" بعدم المغامرة. تُعلي 14 آذار صوت العقل والتسوية وتطالب الآخرين بملاقاتها. تطلبُ من هؤلاء "هضم" المعطى الجديد، وتدعوهم إلى لون من ألوان "فكّ الاشتباك" حول معطى المحكمة للإنتقال الى حيث يمكن الجميع أن يقرّروا المستقبل، بما انّ المحكمة لم تعد قابلةً للإسقاط.
من هنا، فإنّ أوّل ما يلفتُ في مبادرة 14 آذار، هو توقيتها، حيث انّها تخاطبُ "المعارضة" بالتأكيد على إعلان نوايا تسوويّة تصالحيّة، لتقول لها فيما "المعارضة" تحسب حساباتها انّ الوقت هو للتقدّم نحو الحلول. وكذلك، فإنّ ما يلفتُ في التوقيت، هو أخذ 14 آذار في الاعتبار التصويت الذي حصلَ في مجلس الأمن. فليس فقط تشكر 14 آذار الدول التي صوّتت الى جانب إنشاء المحكمة تحت الفصل السابع، لكنّها تُثبت للدول التي امتنعت عن التصويت انّ إقرار المحكمة ليس "مشروع مشكلة" داخليّة، وانّ 14 آذار لا تريد المحكمة لتصفية حسابات سياسيّة داخليّة، وانّها تريد أن تنطلق من هذا الإنجاز لتحقيق اتفاق لبنانيّ تاريخيّ.
المبادرةُ إذاً، عنوان 14 آذار لمرحلة ما بعد المحكمة. وهو عنوانٌ تريدُه أن يكون مؤثّراً حتّى داخل "الفريق الآخر"، تريدُه أن "يهزّ" ضمائر كلّ من ليس "مرتبطاً" ضمن هذا الفريق.
مصالحة إنجازَين تاريخيّين
تأكيداً للشراكة الميثاقيّة
أما في نصّ المبادرة، فثمّة ما يسترعي الانتباه في دلالته وأبعاده "العميقة".
في هذا النصّ، فكرةٌ مفتاحيّة تتسلسل منها أفكارٌ عدّة: ثمّة إنجازان وطنيّان تاريخيّان في حساب اللبنانيين، الأوّل هو التحرير "ضدّ" إسرائيل في العام 2000، والثاني هو التحرّر "من" الوصاية السوريّة في العام 2005. وهذان الإنجازان يكمّلان بعضهما، وعلى أساسهما يكتمل إستقلال لبنان وتكتمل سيادته وتتأكّد حريّته.
وإذ تشدد مبادرة 14 آذار على تكامل الإنجازين الوطنيّين، فإنّها لا تقوم بـ"رشوة" الفريق "المعارض" و"حزب الله" تحديداً. انّها تؤكّد مواقف أعلنتها في محطّات سابقة منذ الـ2000. بيدَ انّ هذا "الاعتراف" يعني انّ لبنان المحرّر والمتحرّر ما كانَ ليتمّ التوصّل إليه لولا مشاركة جميع طوائفه وقواه الرئيسيّة في صنعه، وهذا تأكيد على انّ لكلّ بيئة طائفيّة وسياسيّة حصّة في هذا البلد "الجديد".
وفي نصّ المبادرة، انّ ما حصل في المرحلة السابقة من وضع للإنجازَين في موقعَين متقابلَين متعارضَين، هوَ مصدرُ الأزمة السياسيّة الوطنيّة. وليس خافياً انّ النظام السوريّ ومنذ اللحظة التي أعلن رئيسه بشار الأسد الإنسحاب من لبنان تنفيذاً للقرار 1559، خطّط لوضع "التحرير" في مواجهة "التحرّر"، ليس فقط بهدف فرض إنقسام سياسي يشكّل معبراً إلى استمرار تدخّله في لبنان، بل بهدف التأسيس لصراع طائفيّ ومذهبيّ أيضاً.
وبهذا المعنى، فإنّ اقتراح 14 آذار مصالحة المحطّتين، هو مشروع لتحقيق "إستقلال" الفريق الآخر عن الخطّة السوريّة. وهو "اختبار" لإمكان فكّ الفريق الآخر عن النظام السوريّ.. في مقابل قناعة 14 آذار بأنّ لإنجازَي التحرير ضدّ إسرائيل والتحرّر من الوصاية السوريّة مرتبةً ميثاقيّة.
لاءان.. نعَمان
فـ "التسوية التاريخيّة" المقترحة هيَ بينَ شركاء متساوين في العطاء للوطن. وهي بين أصحاب إنجازَين تاريخيّين. والمهمّ انّ في ما تطرحه فكرة "التسوية التاريخيّة" إستعادة لنموذح 1943,. لكن مع بعض "الفوارق". في مقدّمات الاستقلال الأوّل انّ الميثاق تأسّس على لاءَين: لا أولى قالها المسلمون للوحدة مع سوريّا ولا ثانية قالها المسيحيّون للوصاية الغربيّة ـ الفرنسيّة. شكّلت هاتان اللاءان مدخلاً إلى الميثاق والإستقلال. وبالرغم من أهميّتهما قيل إنذاك، أو بالأصحّ وجد مَن يقول "انّ لاءين لا تصنعان وطناً وأمّة".
لذلك فإنّ 14 آذار تطرح اليوم "نعَمين" تظلّلان "لاءَين". نعم لتحرير العام 2000 ونعم لتحرّر العام 2005. ولا للوصاية الغربيّة ولا للوصاية السوريّة ـ والايرانيّة ـ على لبنان.
لذلك، فإنّ المبادرة المرتكزة إلى فكرة مصالحة "النعَمين" تشكّل فرصةً حقيقيّة.
وبالإستناد إلى التجربة التاريخيّة أيضاً، وجدت حركة 14 آذار انّ عليها "ملاحظة" الآتي: انّ التسوية التاريخيّة في العام 1943 أسّست للاستقلال الأوّل ولتشكُّل سلطة الإستقلال الأوّل، بالرغم من الاهتزازات التي تلت بعد ذلك لاسيّما بعدَ قيام إسرائيل في المنطقة منذ العام 1948,. أمّا التسوية التاريخيّة التي مثّلها اتفاق الطائف في العام 1989، فلم "يُسمح" لها بأن تؤسّس لـ"إستقلال" آخر ولا بأن تُشكّل سلطة الوفاق الوطنيّ بمعناه العميق، وذلك بفعل ربط تنفيذ الطائف بـ"طرف ثالث" هو النظام السوريّ الذي وجد فرصته لإستلحاق لبنان وإستتباعه.
لذلك، فإنّ المبادرة المقترحة من 14 آذار أوّل من أمس، تسعى إلى تصحيحَين تاريخيّين. الأوّل إحلالُ نعَمين مكان لاءين "فقط". والثاني الشروع في تطبيق الطائف بعد ثمانية عشر عاماً من إقراره. لذلك، فإنّ المبادرة هيَ بمثابة دعوة إلى إستكمال اتفاق الطائف بتسوية متجدّدة.
تنظير؟
وبعد. هل ما جرى ذكره آنفاً يعني انّ المبادرة "ثقافيّة" أم هي "نظريّة".. أم تراها "تنظير"؟
لا بالتأكيد. ذلك انّ من يسمعَ عادةً عن مبادرة، يسارعُ إلى قراءة النصّ في محاولة لأن يجدَ فيه اقتراحات حولَ الحكومة أو حولَ الرئاسة أو أيّة "أشياء عمليّة".
لا.. والمطروح مشروع سياسيّ متكامل
والحال انّ المبادرة لا تأتي على هذه العناوين التي تبدو بالنسبة إلى 14 آذار "تفاصيل" أو "نتائج" لتفاهم شامل. وعلى هذا الأساس، أي على أساس الفكرة التي تقول انّ تشكّل السلطة هُو نتيجة للتسوية، شاءت 14 آذار أن تتقدّم بـ"مضمون" التسوية وبنودها كنقطة إنطلاق، أي البدء من "النقطة الصحّ": تسوية تاريخيّة تمهّد لتشكُّل السلطة إخراجاً للبلد من الحلقة المفرغة، وانطلاقاً نحو المعالجة. أمّا في مضمون التسوية، فإنّ 14 آذار تستعيدُ الإجماعات الوطنيّة السابقة، مضيفةً نقطة جوهريّة تتعلّق بدور لبنان في إطار ما سمّته "نظام المصلحة العربيّة". ولذلك، فإنّ المبادرة بقدر ما فيها من "فكر سياسيّ" أو "ثقافة سياسيّة"، فإنّها "سياسيّة" بامتياز لأنّها تطرح مشروعاً سياسيّاً مؤسَّساً على "فكر".
الحظوظ: ليس في المباشر
أمّا السؤال الذي يُطرح بقوّة بعد ذلك فهو: هل ثمّة حظوظ لهذه المبادرة، أي هل ثمّة أفق لأن يتمّ "إلتقاطها".
في الجواب عن هذا السؤال، تبرز معطيات رئيسيّة أهمّها:
انّ النظام السوريّ، لا يزال في صميم حربه المعلنة على لبنان، إرهابيّاً من جهة و"سياسيّاً" من جهة أخرى، في سياق هدفه المتمثّل بأن لا إستقرار في لبنان ما لم يكن ذا دور ونفوذ فيه.
وإيران لا تزال في صميم مواجهة مع الولايات المتّحدة والمجتمع الدوليّ. وقد تبرز لدى إيران تكتيكات مختلفة في كلّ فترة حيال الوضع اللبناني، لكن قرارها بربط الوضع اللبنانيّ بها وبمصالحها وحساباتها، وبتحالفها مع نظام الأسد، قائمٌ.
وإذا كان ما تقدّم يفيد انّ الظرف الاقليميّ لن يكون "مرحّباً" بمبادرة 14 آذار، فذلك يعني انّ تحالف ما يسمّى "المعارضة" لن يعتبرَ انّ "صفحة المحكمة" طويت وأنّ مرحلةً جديدة بدأت بالفعل.
"دوائر".. وديناميّات
لذلك، لن تُقاس أهمّية المبادرة، ويجب ألاّ تقاس بمقياس "مباشر" يتّصل باستيعاب "المعارضة" لها وبتلقّفها.
فأهمّية المبادرة في ذاتها أوّلاً، وفي دلالاتها لجهة إرادة الحلّ عند 14 آذار ثانياً، وفي "الدوائر" التي يمكن أن تحدثها في "مياه" البيئة الشيعيّة التي لا شكّ انّها آخذة في التفاعل والتي لا شكّ انّها سوف "تحسن" إستقبال الخطاب العقلانيّ الميثاقيّ الموجّه إليها، والأمرُ نفسه بالنسبة إلى البيئة المسيحيّة التي ترفض تبنّي أحدهم للخطاب السوريّ حيال المحكمة ثالثاً، وأهمّيتها انّها تتيح لأيّ مبادرة عربيّة أن تبني عليها رابعاً.
بكلام آخر، انّ أهمّية المبادرة ليست بالعلاقة مع الوضع السياسيّ "المباشر"، بل هيَ في الديناميات التي يمكن أن تولّدها في مدى أبعد. فمَن تفاءل بهذه المبادرة، عليه ألاّ يبالغ في التوقّعات، ومن رأى أنّها لا تقدّم الكثير في المباشر، لابدّ أن يحسب لما يمكنها أن تراكمه ولو بالتدرّج البطيء.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.