8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

برّي مسؤول عن أيّ نهاية لرئاسة المجلس

إلى فترةٍ غير بعيدة، كان ثمة اعتقاد لدى "جزء" من الوسط السياسي أن إنشاء المحكمة الدولية تحت الفصل السابع في مجلس الأمن يحلّ الرئيس نبيه بري من الحرج حيال دمشق وسائر حلفاء النظام السوري، وأنّ من شأنِ قرار دولي بالمحكمة أن يحرّر المجلس النيابي تالياً، بما أن المجلس مأسورٌ أصلاً لمنع إقرار المحكمة فيه.
وتعزّز هذا الاعتقاد لـ"بعض" الوقت ممّا أعلنه الرئيس بري بنفسه في مقابلة صحافية إذ أكد أن ليس عنده أو عند "حركة أمل" أي ملاحظات على نظام المحكمة، وعلى المحكمة ذات الطابع الدولي من أصلها وأساسها.
إعتقاد إلى فترة غير بعيدة
كذلك، وإلى فترة غير بعيدة أيضاً، كان ثمة اعتقاد لدى "جزء" من الوسط السياسي أن الرئيس بري ـ بالرغم من تحالفاته وعلاقاته ـ لا يزال يأخذ مسافة ولو محدودة عن "الحلفاء" بالنسبة إلى المسار الدستوري في البلاد. فهو إذ كشف أن لدى إميل لحود نيّة لتشكيل حكومة ثانية ولحلّ المجلس النيابي، "بدا" محذّراً من تلك النيّة اللحودية وتداعياتها.
وهنا أيضاً، تعزّز الاعتقاد من معلومات كان هو مصدرها "من خلف الكواليس" تفيد أنّه احتج لدى حليفه الجنرال ميشال عون حول موقف هذا الأخير من "لا شرعية" المجلس النيابي ورفضه إجراء الانتخابات الرئاسية في ظل الأكثرية الموجودة فيه، وأنّه "كان" في صدد التحرّك باتجاه البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير بشأن الاستحقاق الرئاسي المقبل ترجمة لقوله "المأثور" أنّه يقف "خلف البطريرك" في هذا الموضوع تحديداً.
أداء بري: تغطية "المعارضة" بأمل وجود قعر مرئيّ
هذا كله ممّا كان إلى فترة غير بعيدة. فماذا يمكن القول اليوم؟
بداية، ثمة جانب يتعلق بأداء بري منذ "انفجار" الأزمة على نطاق "واسع" في الخريف الماضي.
في هذا الجانب، لا يمكن الادعاء بمعرفة كلّ "الخلفيات". لكن "على الأرجح" أن بري قام بـ"تغطية" الخطوات التي أقدم عليها تحالف ما يسمّى "المعارضة" خطوة وراء خطوة، وكان بذلك يسعى إلى تعزيز "دفاعاته" حيال "الحلفاء" لمنع انفلات الضغوط عليه من عقالها من جهة وكان يأمل ـ على ما يبدو ـ بأن يكون ثمة قعرٌ مرئيّ لهذه الخطوات أي أن تقف عند حدود معينة من جهة ثانية.
شريط من الأداء
وهذا التوصيف لأداء بري، مع أنه لا يستند إلى "معلومات"، فانّه يستند إلى قراءة في "نصّ" بري وفي "حركته".
يقيناً انّ رئيس المجلس كان يعلم، مع نهاية حرب تموز ـ آب 2006، أن "حزب الله" بما هو الطرف الرئيسي في "المعارضة" وبما هو رأس حربة التحالف السوري ـ الإيراني، يستعدّ لإسقاط الحكومة. حاول بري استباق "حزب الله" فوصف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بأنّها "حكومة المقاومة السياسية" علّه "يقنع" الحزب بالاقلاع عن هدفه.
تمسّك الحزب بخطته، فسايره بري الذي دعا إلى "اللقاء التشاوري" بجدول أعمال حدّده "حزب الله"، لكن من الواضح أن النظام السوري هو من وضعه. أبلغ رئيس "حركة أمل" ممثلي 14 آذار في "التشاور" آنذاك أنه "لا يستطيع" إدخال أي تعديل على جدول الأعمال المتمحور حول المسألة الحكومية "لكنكم تستطيعون التحدث بما تشاؤون". وفي موازاة الجلسة النهائية لـ"التشاور"، استقال وزراء "حزب الله" و"أمل" من الحكومة على أساس "رواية" معينة لـ"أحداث" المحكمة الدولية، لم تعد مهمة اليوم، ولم يعد من مبرّر لاسترجاعها. وهنا أيضاً، "غطّى" بري الاستقالة واستقال وزراؤه، لكنه "حاول" في البداية الا يذهب بعيداً في توصيف الوضع الحكومي، فقال من طهران أن الحكومة دستورية بالرغم من الاستقالة، إلى أن عاد وعدّل التوصيف ليتحدث عن حكومة غير دستورية وغير شرعية وغير ميثاقية.
بدأ الاعتصام ـ الانقلاب، وكان واضحاً أن بري "يغطّيه" وحركته مشاركة فيه، حتى إذا اقتربت الأعياد وعد بـ"عيدية" ولم "يستطع" تقديم شيء.
قارب الاعتصام ـ الانقلاب الفتنة في 23 و25 كانون الثاني الماضي. دخل عناصر "أمل" في مزايدات مع "حزب الله" على الأرض. لكنّ بري كان ساعياً إلى التهدئة مع أطراف آخرين، وكان هذا أداؤه أيضاً حيال فتنة قتل الزيادين.
تتابعت الأحداث. سار بري مع المساعي العربية و"اقترب" من القبول بالمبادرة العربية على أساس صيغة 19+10+1 أو 19+11 تضمر أن يكون الـ11 على أساس 10+1 عملياً. قلب النظام السوري الطاولة، وقلب "حزب الله" الموقف.. ومسألة المحكمة الدولية هي الأصل.
تفاءل بري بالاتصالات السعودية ـ الإيرانية. لكن نظام الأسد "خربط"، وجرى انقلاب ما يسمّى "المعارضة" التي راحت تصعّد منذ ذلك الوقت بلا انقطاع.
استنجد بري بـ"فكرة" تدعو إلى اتفاق سعودي ـ سوري لا "أساس" ذاتياً وموضوعياً له.
وعندما بدأ نواب الأكثرية تحركهم مع بدء العقد العادي، أعلن بري في مؤتمر صحافي أنه غير ملزم بالدعوة الى جلسة نيابية منذ اليوم الأول للدورة مستشهداً بوقائع من سنوات ماضية، لكنه أكد أنه سيدعو الى جلسة أو أكثر. واستبقَ الأمور بالقول أن الحكومة لا يمكن أن تحضر لأنها "غير دستورية وغير شرعية".. ثم ناب عن المجلس بعد ذلك في تفسير النصّ الدستوري حول نصاب انتخاب رئيس الجمهورية.
ذكاء بري لم يخدمه: انهيار الدفاعات
إن هذا "الشريط" من الأحداث يهدف الى تظهير الآتي: إن أداء بري في المرحلة السابقة تراوح بين محاولة التأثير النسبيّ في خطوات "المعارضة" قبل أن يصبح القرار السوري بها نافذاً وبين تغطيتها عندما تصبح "أمر عمليات"، وتراوح بين حماية نفسه تجاه "الحلفاء" ومحاولة وقف الخطوات عند حدّ معيّن، وتراوح بين مواكبة "التحالف المعارض" بخطاب سياسي مرتفع وحادّ ضدّ الحكومة بشكل خاص وبين محاولة إبداء تميّز نسبي في عدد من الحالات.
مما لا شك فيه أن ذكاء الرئيس بري المشهود له، لم "يخدم" هذه الفترة، لأن النظام السوري لا حدود للتوقعات منه ولأن لا نهاية مرئية لما يطلبه من حلفائه، طالما أن خطة هذا النظام هي تخريب الوضع اللبناني. وأكثر من ذلك، لا مبالغة في القول أن "المعارضة" ومن خلفها نظام الأسد استهلكا موقع رئاسة المجلس النيابي. ولا مجافاة للحقيقة في القول أن بري "اكتشف" أنه لا يزال مطلوباً منه الكثير.
الخطة السورية تؤسّس الآن على تعطّل المجلس
فماذا بعد؟
غنيّ عن القول أن بري في وضع لا يحسد عليه. ومجلس النواب في وضع لا يحسد عليه. ذلك أن النتائج هي الأهم بكثير من عرض "ظروف" بري وأوضاعِه.. وإن كان من المفيد التذكير بأن الأكثرية حاولت مساعدة رئيس المجلس بطريقتين: الأولى عبر تظهير التوازن في لبنان بما يمكنه من الكلام مع حلفائه عن استحالة انتصارهم، والثانية عبر الحوار بين زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري وبينه وعبر التواصل بين زعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط وبينه.
في النتائج، إن الدورة العادية انقضت من دون انعقاد أي جلسة نيابية. وفيها أن بري تنصّل من فتح دورة استثنائية بـ"حجة" أن إميل لحود رفض العريضة النيابية في حين أن ثمة مساراً دستورياً لفتح الدورة الاستثنائية حتى لو لم يوافق رئيس الجمهورية.
وفي النتائج أن المجلس الممنوع من الاجتماع لإقرار المحكمة دستورياً بـ"قرار" سوريّ، ممنوع من ممارسة حقّه الدستوري في تفسير الدستور. وفي النتائج أن النظام السوري يؤسّس على هذه الواقعة خطّته للمرحلة المقبلة. وقد طلب نظام الأسد من لحود الشروع في هذه الخطة. فاللبنانيون ليسوا غافلين عن أن تكرار لحود مرّتين في خلال أسبوع، اقتراحه تشكيل ما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" أو "حكومة إنقاذ"، بعد كلام الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في الاتجاه نفسه، ما هو إلاّ تمهيد لتفجير لبنان سياسياً ودستورياً بعد إقرار المحكمة الدولية، في موازاة الحرب الإرهابية المفتوحة ضد البلد وبالتزامن معها.
ومن دون أن ينسى اللبنانيون تهديدات حلفاء النظام السوري وأتباعه بأن لا استحقاق رئاسياً.. إلاّ على شروطهم، من الواضح أن الخطة هادفةٌ الى انتهاك اتفاق الطائف والدستور، بحكومة ثانية تُقدِم بطلب من لحود على حلّ مجلس النواب.
من البديهي القول أن حركة 14 آذار ليست في وارد الخضوع للابتزاز والترهيب. وطالما أن لا إمكانية للاتفاق "مثلاً" على أن "فتح الإسلام" شبكة مخابراتية إرهابية سورية، كيف يمكن تشكيل حكومة "مشتركة" بدون اتفاق مسبق على السياسات الوطنية؟
الخطوة الأولى.. الخطوة الأخيرة؟
غير أن ما يستدعي توقفاً "أعمق" عند النتائج، يتعلق بالرئيس بري.
بدا في الأيام المقبلة الماضية أن بري الذي كان قد كشف سابقاً أن لحود سوف "يرتكب" فِعل تشكيل الحكومة الثانية وفِعل الإقدام على حلّ المجلس، يكتفي من "المجد" بأنه بلّغ، وأنه يكاد يقول "لقد أبرأت ذمّتي". وبدا أيضاً أنه يدعم طرح لحود المطلوب سوريّاً، وهذا ما أوحى به اتصاله ببكركي خلال زيارة لحود إليها أول من أمس وذلك من دون استبعاد "معلومة" تقول انّ برّي "رمى" المهمّة على لحود من غير رغبة منه في التورّط.
طبعاً، لم يُضبط بري متلبّساً بـ"واقعة" جديدة، والأمر رهنٌ بالأيام المقبلة. لكن، لن يكون مفاجئاً لأحد، بناء على أدائه خلال الفترة السابقة، إن هو اضطرّ مرة أخرى الى تغطية خطوات معيّنة. فـ"علمياً" يُقال أن خطوةً تقود الى الأخرى، وان من يبدأ شيئاً يمكن أن "يُجبر" على إنهائه.
مسؤوليّة رئيس المجلس
إنطلاقاً من كل المقدّمات الآنفة، وفي لحظة إنشاء المحكمة الدولية في مجلس الأمن، وهي المحكمة التي يربط نظام الأسد مصيره بإسقاطها ويعتبرها تهديداً له، وفيما كل "المقدّمات" تفيد بانتقال النظام السوري إلى محطة أخرى من التصعيد التفجيري، وحيث يندرج تحرّك لحود في هذه الخانة، يبدو أن المطلوب سورياً من الرئيس بري أن يغطّي المرحلة الجديدة من الخطة السورية في شقّها "السياسي".
انّ الأمر سيكون مؤسفاً فعلاً. وهو مؤسف فعلاً بالنسبة إلى 14 آذار التي لم تكن، عندما "ربطت" مع بري، في صدد دفعه إلى الخلاف أو التصادم مع حلفائه بقدر ما كانت تسعى إلى تمكينه من لعب دور متوازن ولو نسبياً، فاستعارت من تاريخه نقاطاً إيجابية مركّبة على تاريخ الشيعة مع نهائية الكيان ومع الدولة، وحاولت "تفسير" ظروفه وفهمها. لكن 14 آذار اليوم، لا تستطيع النظر إلى "مشروع" إسقاط موقع رئاسة المجلس.. وكان شيئاً لا يحدُث في وقت تستعدّ من ناحيتها لـ"الفتح" عليه مجدداً بعد المحكمة.
لذلك، لا مفرّ من القول انّ كلّ الفرقاء، والرئيس برّي في المقدّمة، على المحكّ "بعد المحكمة". لا مفرّ من القول انّ موقع رئاسة المجلس ودور رئيس المجلس هما في مواجهة خطّة نظام بشّار ما بعد المحكمة.. وانّ الدور الشيعي المعتدل أمام تحديّات.. وانّ الشيعة أحوج ما يكونون إلى الاحتماء بالشرعيّة في وقتٍ تحرمهم خطة الحكومة الثانية وحلّ البرلمان منها.
انّ اللحظة هي لرفض كلّ نهاية "دراميّة" لموقع الرئاسة الثانية ودورها. وهذا الكلام لا بدّ من قوله.. ولرئيس المجلس بالتحديد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00