8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لبنان ومنظّمة التحرير ومقتضيات "الإنجاز الكامل" في مخيّم البارد

عشيّة الاعتداء الذي تعرّض له الجيش والقوى الأمنيّة في الشمال، كانت الخطّة السوريّة الهادفةُ الى اطاحة المحكمة الدوليّة من جهة والى تجديد السيطرة على لبنان بأيّ طريقة من جهة ثانية، قد وصلت الى طريق مسدود. كانت هذه الخطّة بواسطة الحلفاء "السياسيّين" للنظام السوريّ ممّا يُسمّى "المعارضة"، قد فشلت.
مراحلُ الانقضاض السوريّ على المخيّمات
لهذا النظام باعٌ طويل في الإرهاب. بيدَ انّه أراد تغليفه سياسياً. كيف؟.
في الثمانينات من القرن الماضي، وبعدَ "الخروج الكبير" لقوات "الثورة الفلسطينية" من لبنان في أعقاب الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982 الذي وصل الى العاصمة بيروت، اعتبر النظام السوريّ آنذاك انّ فرصته "التاريخيّة" للإنتقام من منظّمة التحرير الفلسطينيّة، من الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة المستقلّة بزعامة مؤسّس "حركة فتح" الرئيس الراحل ياسر عرفات، قد حانَت. نظّمت المخابرات السوريّة انشقاقاً في "فتح" صار يُعرف في وقت لاحق تحت عنوان "فتح الإنتفاضة". واخضعت المخيّمات الفلسطينيّة في البقاع، وأدارت حرباً حاقدة إشتركت فيها "فتح الانتفاضة" و"القيادة العامّة" (أحمد جبريل) ضد مخيّمَي البارد والبدّاوي.. وضدّ الحاضنة طرابلس، لاقتلاع "فتح" ومنظمة التحرير من هذه المنطقة.
صارت مخيّمات منطقَتَي البقاع والشمال تحتَ النفوذ المخابراتيّ السوريّ منذ العام 1983. وفي العام 1985 نُظّمت "حرب مخيّمات"، في سياق تمهيد نظام دمشق لـ"العودة" الى بيروت آنذاك. أُخضعت مخيّمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة لحصار دامَ يومَها نحوَ ثلاثة أعوام، بعدَ أن أُغرقت هذه المخيّمات بالدماء.. إلى أن جرى تفريغها من "فتح" والمنظّمة. وضاقت السجون السوريّة بمناضلي "فتح" فماتَ منهم من مات، ومَن خرجَ حيّاً بقي سنوات غيرُ مصدّق.
وهكذا، عندَ إقرار اتفاق الطائف خريف العام 1989، كانَ النظام السوريّ قد إستكمل سيطرته على المخيّمات الفلسطينيّة في العاصمة والبقاع والشمال. كانَ قد استكمل الانقلاب "التاريخيّ" على منظمّة التحرير التي عاداها وحقَدَ عليها منذ تأسيسها. كان قد إستكمل ما لم تنجزه إسرائيل في العام 1982,. وكانَ قد استعان بـ"فرع إرهابيّ" من جماعة صبري البنّا "أبو نضال" لتصفية كادرات "فتح" ومناضليها.
بقيت المخيّمات في الجنوب. وهنا، تدرّجت خطّة نظام الأسد بعدَ أن استتبّت له الوصاية على لبنان، مِن محاولة إغراقها بمرجعيّة "فلسطينيّي سوريا" الى استحداث تركيبات ­ فزّاعات فيها، إلى منع "فتح" دائماً مِن التعبير عن مصالح الكتلة الفلسطينيّة.
انّ ما تمّ ذكرُه آنفاً هو ملخّص مختصر جداً جداً من التاريخ. وفي هذا التاريخ أن لا مرجعيّة "وطنيّة فلسطينيّة" على المخيّمات طيلةَ ربع قرن. وهذا واقعٌ فرضه النظام السوريّ ومخابراته بالحروب والتدمير.. بالحصار والقمع والتنكيل.. ودائماً بالدماء الفلسطينيّة.
محاولة نظام الأسد الإيحاء
بـ"صراع" فلسطيني ­ لبنانيّ
وبالعودة إلى نقطة البداية، بعدَ هذا الإستعراض "التاريخيّ" الموجز، لا فكاكَ من القول انّ لبنان السائر على درب الإستقلال منذ العام 2005، يرثُ مخيّمات ثمّة سيطرة سوريّة مخابراتيّة عليها، أو في الحدّ الأدنى جنوباً ثمّة شلّ لها. وبهذا المعنى، ليس فقط عصابةُ "فتح الإسلام" هي صناعة مخابراتيّة سوريّة، بَل هي "اُودعت" من جانب مخابرات نظام الأسد في مخيّم "آمن" أمنياً.
وعلى هذا الأساس، ليسَ ما يجب التركيز عليه فقط هو انّ لبنان يواجه حرباً إرهابيّة من قبل النظام في سوريّا، بل ينبغي الإنتباه الى انّ خطّة هذا النظام، "الآتية" مع الإعتداء على الجيش، تحاولُ "الايحاء" بأنّ ما يجري هو معركة فلسطينيّة ـ لبنانيّة. وبكلام اخر، فإنّ التغليف السوريّ سياسيّاً للإرهاب هوَ إدعاء انّ ثمّة معركةً فلسطينية ـ لبنانيّة مشتعلة" في حين انّ الإستشهاد بالوقائع التاريخيّة والراهنة، كان للقول سلفاً انّ ذلك كذبٌ صافٍ.
الآن صار تعطيل مقرّرات الحوار واضحاً
الآن، يمكنُ بوضوح فهم لماذا عطّلت دمشق مقرّرات مؤتمر الحوار الوطنيّ اللبناني حول "المسألة الفلسطينية"، ما يتعلّق منها بالسلاح خارجَ المخيّمات وبالعلاقة اللبنانيّة ـ الفلسطينيّة ككُلّ، ولماذا تراجعَ حلفاؤها عن هذه المقرّرات. فـ"الغرض" كان ولا يزال ليس فقط إستبقاء السلاح السوريّ المسمّى فلسطينيّاً بل إستبقاء عنوانٍ فلسطينيّ مزوّر يُستخدم عند الحاجة.. وقد أتى وقتُ الحاجة السوريّة إليه.
"حزب الله" وتشريع سلاح "فتح الإسلام"
وعلى أيّة حال، ومِن متابعة مواقف "الحلفاء"، يمكنُ التأكد من صحّة الإستنتاج السابق.
الجنرال ميشال عون وصف "المشكلة" في الشمال بأنها فلسطينية. أمّا "حزب الله" فموقفه لا يترك مجالاً لأيّ إلتباس. اعتبر انّ المشكلة بحاجةٍ إلى "معالجة سياسية". وإذ سجّل هذا الأمر، فسّر المقرّرات السابقة لمؤتمر الحوار على ذوقه. قال انّ المتحاورين اتفقوا على "معالجة" السلاح "الفلسطيني" خارج المخيّمات، وهذا غير صحيح لأنّ المتحاورين اتفقوا على "إنهاء" هذا السلاح. ثمّ قال انّ طاولة الحوار أقرّت التعاطي برويّة مع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، معطياً من دون أن يقول ذلك مباشرةً شرعية لسلاح عصابة "فتح الإسلام" بما انّه سلاح "داخل" المخيم، وبما انّ السلاح داخل المخيم فلسطيني. فصارت هوية السلاح منسّبةً إلى "مكانه".
الحكومة و14 آذار: التعامل مع الشرعية الفلسطينية
في المقابل، كان موقفُ الحكومة و14 آذار واضحاً من هذا الموضوع.
انّ "فتح الإسلام" ليست جهة فلسطينية، وهي شبكة مخابراتية سورية. والمشكلة ليست لبنانية ـ فلسطينية ولا علاقة للشعب الفلسطيني بها. ولبنان والفلسطينيون بحاجة إلى مصالحة تاريخية وإلى علاقة "مميّزة" بالفعل، على أساس أنّها علاقة بين دولتين وشعبين وقضيتين. ولبنان والفلسطينيون بحاجة ليس فقط إلى طيّ صفحة من الماضي بينهم بل إلى طيّ صفحة الوصاية السورية عليهم معاً.
بالنسبة إلى الحكومة و14 آذار، لا علاقة مع الإرهاب السوري مهما جرى تغليفُه. وبالنسبة إليهما، نعم ثمّة حاجة إلى "معالجة سياسية" للعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية. وبالنسبة إليهما ثمّة مرجعية وطنية شرعية للفلسطينيين. وهذه المرجعية الوطنية مكرّسة فلسطينياً وعربياً ودولياً وهي تاريخياً منظمة التحرير. وللشعب الفلسطيني "سلطة" منتخبة رئاسة وحكومة. ومع هذه المرجعية يتفاوض لبنان سياسياً حول شؤون العلاقة ليتوصّلوا إلى اتفاق يدعمُ الفلسطينيون بموجبه استقلال لبنان وسيادة دولته وتطبيقها لاتفاق الطائف، ويدعم لبنان استقلال فلسطين في دولة عاصمتها القدس وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وحقوق الكتلة الفلسطينية في المخيّمات، و"يقاتل" الجانبان معاً التوطين.
الشرعية الفلسطينية كانت واضحة في الأيام الماضية، مع الحكومة والجيش، مع الدولة في لبنان. هذا كان موقف الرئيس محمود عباس. وهذا كان موقفُ رئيس الحكومة اسماعيل هنية. وهذا كان موقف منظمة التحرير كما عبّر عنه رئيس مكتبها عبّاس زكي. وهذا كان موقف "فتح". وهذا كان موقف "حماس" وقد أكد ممثّلها في لبنان أسامة حمدان انّ حركته تتعاطى مع الحكومة اللبنانية.
هذه هي العناوين بالنسبة إلى 14 آذار والحكومة. فمن هي عناوين "حزب الله" التي يدعو إلى "المعالجة السياسية" معها؟. وما هي مرجعيات "المعالجة" إن لم تكن الطائف والمقرّرات الوطنية والمقرّرات العربية والدولية؟
أوان صفحة جديدة للعلاقة اللبنانية ـ الفلسطينية
من هنا، وعطفاً على كلّ ما سبق، من المهمّ القول انّ 14 آذار والحكومة نجحتا في فضح الخطة السورية، في أكثر جوانبها خطورةً في السياسة، إذ أسقطتا محاولة تغليف الإرهاب بعنوان إسمه المعركة الفلسطينية ـ اللبنانية.
لكن بالصلة مع كل التطوّرات، ومن ضمنها التلاقي بين الشرعيتين اللبنانية والفلسطينية أو بين الشرعية اللبنانية و"الشرعيّات" الفلسطينية، لا بدّ من تأكيد انّه آن أوان إنهاء مفاعيل الانقلاب السوري على الشرعية الفلسطينية من جهة وإجهاض الإنقلاب السوري على انتفاضة الاستقلال اللبناني من جهة ثانية، وذلك بأن تعيد الشرعية أو سائر الشرعيّات الفلسطينية تشكيل مرجعيتها عن المخيمات الفلسطينية، وبأن تفرض هذه المرجعية نفسها سياسياً، وأن يقوم لبنان في الوقت نفسه، بـ"مساعدة" هذه المرجعية وبتكريسها كعنوان.
في ضوء ما تقدّم، يقتضي القول انّ النظام السوري الذي فشل في خطته المعتمِدة على حلفائه السياسيين، انتقل إلى خطّة حاول وضعها تحت عنوان الصراع الفلسطيني ـ اللبناني، لكنها في الواقع حرب إرهابية سورية بامتياز.
ضرورة "الإنجاز الكامل" في البارد
جرت مواجهة هذه الخطة بالاعتماد على الجيش. حقّق الجيش إنجازات في هذه المواجهة. غير انّ سقوط هذه المرحلة من الخطة السورية يتطلّب إنجاز مهمّة إنهاء عصابة "فتح الإسلام" بالكامل.
وإذا كان ممّا لا شكّ فيه انّ تصميم الحكومة و14 آذار، أي القيادة السياسية، قاطعٌ في هذا المجال، فانّ "الإنجاز الكامل" يبقى المحكّ للقدرة على التحكم بمسارات الفترة المقبلة. والمطلوب دعم فلسطيني "عمليّ" وموقف عربيّ "أشدّ" ومساندة دولية "أقوى" تبدأ بـ"تعجيل" إقرار المحكمة الدولية.
..وبعد، ألم يلفُت اللبنانيين كلام نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي سأل: لماذا هدنة ثلاثة أو أربعة أشهر؟ أليس في هذا الكلام إشارة "ناطقة" إلى نيّة "إستهلاك" مزيد من الوقت للفوضى بعد أن "حرّرت" الخطّة السورية "حزب الله" مرحلياً من أعباء المواجهة المباشرة؟
"الإنجاز الكامل" في نهر البارد في موازاة إقرار المحكمة الدولية، لن يتيح المجال بعده لكلام من هذا "النوع".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00