8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إرهاب نظام الأسد "يُعطي" نتائج عكسية.. واللبنانيون خلف دولتهم

لا شك أن لاعتداء عصابة "فتح الإسلام" الإرهابية على الجيش والقوى الأمنية، علاقةً بجنون النظام السوري وأتباعه حيال اقتراب موعد إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع في مجلس الأمن.
بيدَ أن إعلان هذا التقدير لا يكفي وحده للإحاطة بالوضع من جوانبه كافة. ذلك أن نظام بشار الأسد ربط منذ البداية محاولاته اليائسة لمنع قيام المحكمة، ويربط الآن محاولاته اليائسة لـ"الثأر" من قيامها بخطّة للانقضاض على الداخل اللبناني تقع بين السعي الى تجديد السيطرة على لبنان سلطةً ودولةً كحد أقصى وبين إدخال البلد في الفوضى والفراغ الدستوري، وإغراق مؤسساته الدستورية والشرعية في الشلل وتعطيلها كحد أدنى.
بهذا المعنى، وفي وقت يعرف جميع اللبنانيين من هي "فتح الإسلام" وما هي علاقتها العضوية بالمخابرات السورية وشبكاتها، يصبح من الضروري قراءة الاعتداء السوري على الجيش بـ"الواسطة" على أنه المحطة "الأولى" في الخطة السورية لهذه المرحلة.
الخطة السورية: استنزاف الجيش أولاً
"كانت" هذه الخطة تقضي بأن يُفرض على الجيش الدخول في معركة لم يختر توقيتها بنفسه، فإما أن تطول المعركة زمنياً فيُستنزف، وإما ألاّ يستطيع تحقيق إنجاز فيها فيُستنزف أيضاً، وفي الحالتين يكون قد تحقّق للنظام السوري وأتباعه تضعضع المؤسسة العسكرية. وفي النتيجة تنتشر الفوضى في الشمال الذي يصبح عندئذ منطقة خارجة عن الشرعية وعليها، أي تتحرك "الشبكات المسلحة" التابعة لـ"ريف دمشق" في هذه المنطقة.
إذاً، إن الاعتداء على الجيش أمس، لم يكن سوى اختبار لإمكانية "تمدّد" الخطة الى مناطق أخرى. ولعلّ من الأهمية بمكان في هذا المجال، التذكير بأن الاعتداء لم يحصل باستهداف الجيش من داخل مخيّم نهر البارد فقط، على اعتبار أن حركة الجيش ودورياته تعرّضت لكمائن في الكورة وطرابلس أيضاً، ما يعني أن جماعات مخابراتية "أخرى" ساندت عصابة "فتح الإسلام" ضد القوى الأمنية اللبنانية، وكانت تملك "تسهيلات" لوجستية متعدّدة.
..0 الانقضاض على الحكومة تالياً
و"كانت" خطة نظام الأسد تقضي في "السياسة" بأن يستغلّ غرق الجيش في "المستنقع"، بحسب "المخطط"، باتجاه تصعيد الحملة على الحكومة وتحميلها مسؤولية "الفشل" في "قمع" عصابة "فتح الإسلام" واستئصالها، وفي حماية القوى والأجهزة العسكرية والأمنية، وذرف "دموع التماسيح" على تلك القوى والأجهزة، ووضع الشهداء عسكريين ومدنيين "في رقبة" الحكومة.
الخطة مكشوفة.. ولحود فضحها
و"المشكلة" أن نظام الأسد الذي يشتغل بالإرهاب غير قادر على الاعتراف بأنه فاشل في التخطيط، وبأنه "مكشوف". ذلك أن اللبنانيين لم ينسوا تهديدات رئيس هذا النظام بإشعال الحرائق في لبنان، ولم ينسوا توعّده بـ"القاعدة"، ولم ينسوا ما أسمعه الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أخيراً حول احتراق المنطقة "مِن بحر قزوين حتى البحر المتوسط". ولم ينسوا أن نظام الأسد أعلن عشية الاعتداء على الجيش أنه يرفض المحكمة الدولية تحت الفصل السابع بعد أن كان يتظاهر بأنه غير معنيّ بها.
والأهم، أن اللبنانيين كانوا يستمعون عشية العدوان الى تهديد أحد أتباع النظام السوري، والذي يُقيم في بعبدا، أي إميل لحود، بأن صبرَه بدأ ينفد وبأنه لن ينتظر طويلاً كي يُقدم على الخطوات التي "يمليها عليه ضميره"(!). ولم يعُد سراً أن لحود كان ولا يزال في صدد التحضير لخطوتَين غير دستوريّتين هما تشكيل حكومة ثانية يطلب منها حلّ المجلس النيابي، "تعميماً" للفوضى. وبكلام آخر، فإن استهداف الحكومة إنطلاقاً من الاعتداء على الجيش كان معروفاً ومكشوفاً من قبل، لا بل أن ذلك الاعتداء يمثّل حلقةً رئيسية ضمن الخطة السورية.
شريطٌ من التخطيط والنتائج العكسية
كذلك، ليست المرة الأولى التي يخطّط النظام السوري لـ"أمر" وينقلب تخطيطه عليه.
خطّط لاغتيال الرئيس رفيق الحريري ونفّذ نظام الوصاية الأمنية جريمة الاغتيال. وبدلاً من أن تنتهي المضاعفات في "ثلاثة أيام" كما كان المخططون والمنفّذون يقولون، أطلق استشهاد الرئيس الحريري انتفاضة الاستقلال التي فرضت خروج الجيش السوري من لبنان.
خطّط لاغتيال النائب والصحافي جبران تويني ونفّذت شبكاته جريمة الاغتيال. وبدلاً من أن تخيف الجريمة الأكثرية على أبواب "هجوم معاكس" كان معداً للتنفيذ، أُقرّ الطلب اللبناني الى الأمم المتحدة بتشكيل محكمة ذات طابع دولي وبتوسيع صلاحيات لجنة التحقيق الدولية لتشمل كل الجرائم التي أعقبت التمديد للحود.
وخطّط لاغتيال النائب والوزير بيار الجميل ونفّذت الشبكات المخابراتية الجريمة. وبدلاً من أن تمهّد الجريمة لانطلاق الانقلاب الذي نفّذه أتباع نظام الأسد ابتداء من الأول من كانون الماضي، أدّت الى تصليب عزيمة فريق 14 آذار. وكانت الجريمة مسبوقةً بإقرار نظام المحكمة الدولية في مجلس الوزراء الذي استقال منه "الحلفاء".
وخطّط لجريمة عين علق ونفّذتها عصابة "فتح الإسلام" الإرهابية ـ ما غيرها ـ عشيّة إحياء الذكرى الثانية لاستشهاد الرئيس الحريري في 14 شباط الماضي، والتي هدفت الى إجهاض الاحتفال. لكن 14 شباط 2007 جاء مليونياً مؤكداً "مكان" الأكثرية الشعبية اللبنانية.
إذاً، كلّ الجرائم السابقة أعطت مفعولاً عكسياً، بما فيها جريمتا اغتيال سمير قصير وجورج حاوي، ومحاولتا اغتيال الوزير الياس المر والإعلامية مي شدياق. و"الأمانة التاريخية" تقتضي القول أنّ وحدها الجرائم الإرهابية التي ضربت أحياء مسيحية قبل انتخابات العام 2005 حققت هدفاً سياسياً، هو نوع من "التجييش المسيحي" لصالح أحد الحلفاء "الجدد" لنظام بشار.
اعتداء الأمس: الشعب ينصُر جيشه
وها هي جريمة الاعتداء على الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية أمس تكرّر ولادة نتيجة معاكسة لـ"المخطط".
فأمس هبّ اللبنانيون في الشمال الى نصرة الجيش في معركته. وكان اللبنانيون الذين نزلوا لـ"القتال" الى جانب الجيش بأعداد كبيرة، علماً انّ الجيش طلب منهم عدم الاقتراب. وذلك يدلّ على شعبية المؤسسة العسكرية الشرعية في مقابل الكُره اللبناني الكبير للمخابرات السورية وشبكاتها، ويدلّ على إرادة اللبنانيين بأن يتمّ حسم عسكريّ سريع مع "الارهاب".
أمّا "المعارضة" فإنّها "تسقط"
وأمس، ثبتت لاصدقية ما يعلنه حلفاء النظام السوري عن تأييدهم للجيش ولمؤسسات الدولة، وعن حرصهم على الأمن الأهلي. لا بل أكثر من ذلك، يمكن ـ ويجب ـ القول أنّ ثمّة منذ عدّة شهور تصميماً على استنزاف الجيش وإشغاله عن دوره الرئيسي في الجنوب، وسط تهديد عدد من الأبواق السورية لـ"اليونيفيل". وتتجلّى مساعي إشغال الجيش بـ"الاعتصام" الذي لا ينتهي في وسط بيروت وبـ"التحركات" التي يلجأ اليها تحالف ما يسمّى "المعارضة" بين الحين والآخر.. وباستدراج الشبكات السورية الجيش الى اشتباكات ومواجهات ومعارك لتدعو "المعارضة" مِن بعدها الى "المعالجة السياسية".
وأمس أيضاً، كان إثباتاً لصدقية 14 آذار في مواقفها المعلنة تأييداً للجيش ولحصرية السلاح في يده، وتأكيداً لالتزامها بمقرّرات الإجماع الوطني لا سيما ما يتعلّق بالسلاح "الفلسطيني" من ناحية وبترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية ومراقبتها من ناحية أخرى.
نظام الأسد يغلق الحدود في إجراء مشبوه
كانت حركة 14 آذار والحكومة اللبنانية الشرعية تطالبان قبل الآن بـ"ضبط" الحدود مع سوريا، لانها معابر للسلاح والمسلّحين على اختلاف أشكالهم الإرهابية. وكان الردّ على هذا المطلب تخوين الأكثرية من جانب "التحالف السوري". لكن النظام السوري أقدم أمس على إغلاق الحدود الشمالية مع لبنان. فبدلاً من أن يتعاون مع الدولة اللبنانية وجيشها للقضاء على الإرهاب، خاصة انّ ثمة مسلكاً واحداً لهروب عناصر عصابة "فتح الإسلام" هو باتجاه الأراضي السورية، فيقوم باعتقالهم لدى هروبهم، عمد إلى إغلاق الحدود لإبقاء عناصر هذه العصابة في لبنان.
وليس هذا الموقف غريباً على أي حال، بما أنّ النظام السوري هو من قام بإدخالهم أصلاً وهدّد الاستقرار اللبناني بهم. وليس هذا الموقف غريباً أيضاً، خاصة بالنسبة الى من يعرفون أنّ هذه العصابة الإرهابية استمرت في تلقّي زيارات لمسؤولين مخابراتيين سوريين، فضلاً عن الدعم اللوجستي، بالرغم من الإجراءات التي كان الجيش اتخذها حول مخيّم البارد قبل فترة. غير انّ صوت أو أصوات أتباع نظام الأسد في لبنان لم ترتفع حيال إقدامه على إغلاق الحدود.
الإلتفاف حول الحكومة
وأمس أخيراً، تحقّق التفاف سياسي ـ شعبي حول الحكومة، من كل البيئات والطوائف، ليثبت مرّة أخرى انّ لا مجال لنجاح أي انقلاب في لبنان، هو بالتعريف انقلاب على الصيغة والنظام والدولة مهما بلغ التهديد بالتعطيل والفتنة.
الشرعيتان والقضيّتان اللبنانية والفلسطينية
على انّ ثمّة أمراً إضافياً، لا مفرّ من تسليط الضوء عليه.
لقد أعلنت الفصائل المنتمية الى الشرعية الوطنية الفلسطينية بمختلف مؤسساتها مواقف إدانة للاعتداء على الجيش، وتضامن مع اللبنانيين. ودفع اللاجئون الفلسطينيون في مخيم البارد الثمن دماً أيضاً جرّاء هذا الاعتداء الإرهابي.
وإذا كان ممّا لا شكّ فيه أنّ المطلوب هو مزيد من المساعدة من جانب هذه الفصائل للجيش اللبناني على "الحسم" أي على تطهير المخيمات من العصابات الإرهابية التي تسيء أول ما تسيء الى الفلسطينيين، فمّما لا شكّ فيه أيضاً أنّ هذا الالتقاء بين "الشرعيتين" اللبنانية والفلسطينية يجب أن يؤسس لحوار بينهما يُفضي الى مصالحة تاريخية لبنانية ـ فلسطينية من جهة وإلى علاقات متينة تحَلّ على أساسها كل المشاكل العالقة بين لبنان وفلسطين من جهة أخرى. ذلك انّه يجب ألا يخفى على أحد أنّ القضيتين اللبنانية والفلسطينية هما قضية واحدة في المطاف الأخير، قضية استقلال وحرية وسيادة من "الضفّتين"، يحترم الفلسطينيون استقلال لبنان وسيادة دولته، ويعمل اللبنانيون مع الفلسطينيين معاً من أجل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس ومن أجل حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم منعاً لأي توطين لهم في دول اللجوء، ولبنان في المقدمة.
أولوية ضبط الحدود ومراقبتها
تأسيساً على كل ما تقدّم، وفيما يبدو واضحاً أنّ ثمّة "مرحلة" أمنية يُدخِلُ نظام الأسد لبنان فيها، تتأكد الحاجة الى التشديد على عددٍ من المواقف الأساسية.
إنّ الالتفاف حول الجيش ودوره في تحقيق سيادة الدولة على أرضها، مطلوب اليوم أكثر من أي يوم مضى، لا سيما أنّه المدعو في هذه المرحلة الى تأمين سيادة المؤسسات الدستورية وسلامة المسار الدستوري. ومن البديهي أنّ 14 آذار التي تتمسّك بالطائف ميثاقاً ودستوراً، ستجدُ حمايتها في الميثاق والدستور.
بيد أنّ جريمة أمس التي يُفترضُ أن تُنقل الى الشرعيتين العربية والدولية، بوصفها اعتداء من النظام السوري على لبنان، "يجب" أن تشكّل سبباً أساسياً للاحتماء بهاتين الشرعيتين وقراراتهما. وإذا كانت كلّ القرارات العربية والدولية المتعلّقة بلبنان مهمّة، فإنّ قراراً مهمّاً من بينها، لا بدّ من إعطائه الأولوية راهناً: الحدود مع سوريا تحتاج الى مساعدة للبنان وجيشه، فهذه مسألة واردة في القرارين 1559 و1701 اللذين يدعمان سيادة لبنان واستقلاله واستقراره.. والدولة اللبنانية السيّدة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00