8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"المثلّث الضامن": البطريرك والجيش والقضاء

يُظهر تطوّر الأحداث في لبنان أن ثمة مرجعيات تتصدّر المرحلة، وفي طريقها الى مزيد من التصدّر.
ولا شك أن المرجعية الرئيسية الأولى في هذا المجال هي البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير. فقد دلّت وقائع الأيام الماضية على أن ما أعلنته الكنيسة ورأسها من مواقف حيال الاستحقاق الرئاسي اللبناني، رسم بوضوح اتجاهات هذا الاستحقاق، وأطلق دينامية سياسية داخلية وخارجية جعلت بكركي المحور الأساسي غير القابل لـ"التجاوز" على هذا الصعيد.
البطريرك مرجعية في "عين المعركة"
صارت "الدروس" الدستورية و"الوطنية" التي أعطاها البطريرك هي المعيار. قال أن انتخاب الرئيس الجديد واجب أياً يكن النصاب. وحدّد مواصفات هذا الرئيس بأن يكون لبنانياً محضاً وذا خبرة، وعلى مسافة واحدة من الجميع. ولكلامه في المواصفات معنى عميق: إن الرئيس المقبل يجب أن يكون استقلالياً ولا يرمز بأي شكل من الأشكال الى المرحلة السابقة، وهذا معنى الرئيس "اللبناني المحض"، وعندما يكون كذلك يصبح قادراً بعدَ وصوله الى سدّة الرئاسة على أن يكون على مسافة واحدة من الجميع، أي أن "المسافة" نتيجة لـ"اللبنانية المحضة".
كلام البطريرك الذي وصفه الرئيس الشهيد رفيق الحريري يوماً بأنه "بطريرك الكلام"، صار بسرعة مرجع كل المداولات في الاستحقاق الرئاسي محلياً وخارجياً. وأصبح موقف كل فريق تقاس صحّته أو خطأه بمقياس هذا المرجع. وغدا كل فريق من الفرقاء مضطراً للتموضع "إزاء" كلام سيد بكركي. وفوقَ كل ذلك، بات الموقف البطريركي في صميم الحركة السياسية العربية والدولية بالنسبة الى هذا الموضوع بالتحديد، وبات الموقف البطريركي ميزاناً لكل المواقف.
وكما صار معروفاً، فإن البطريرك يعبّر في آن عن الكنيسة اللبنانية وعن الكرسي الرسولي في الفاتيكان، ما يعني ليس فقط أن تحرّك البطريرك مدعوم بـ"ديبلوماسية فاتيكانية" تنطلق من أن المدخل الى مقاربة "مسألة مسيحيي الشرق" هو حفظ الموقع المسيحي في الشراكة اللبنانية، بل يعني أيضاً أن دفاع البطريرك عن حصول الاستحقاق الرئاسي لانتخاب رئيس "لبناني محض" هو دفاع عن صيغة العيش المشترك وعن النظام السياسي الديموقراطي وعن المؤسسات الدستورية.
وضع البطريرك نفسه في "عين المعركة" وقرّر أن يخوضها عن اقتناع. وفي الأسابيع المقبلة لن يملّ في "دقّ المسمار" في "نعش" التعطيل، وسيبقى صمّام أمان الاستحقاق الدستوري، والرئاسة التي هي في الوقت نفسه تجسيد لموقع المسيحيين في الشراكة الوطنية وعنوان الجمهورية وفقاً لاتفاق الطائف ودستوره.
المؤسسة العسكرية ودورها جنوباً وفي الداخل
بالتزامن، تدفع التطورات اللبنانية مؤسسة الجيش الى موقع الصدارة لتشكّل المرجعية الرئيسية الثانية.
ليس المقصود هنا الحديث عن الدور العسكري والأمني للمؤسسة وأجهزتها، على أهميّته، وإن كان من المفيد الإشارة الى حجم المهام الملقاة على الجيش والأجهزة الأمنية. ذلك أن الجيش يؤدي مهمة وطنية كبيرة في الجنوب تنفيذاً للقرار الدولي 1701 تقتضي منه صبراً وجلَداً كبيرين، ويؤدي مهمة "دقيقة" في الداخل حماية للسلم الأهلي وللمؤسسات، وحماية لـ"سلمية" الصراع السياسي.
طبعاً، ثمة لدى اللبنانيين تطلّب من الجيش ما نسبته مئة في المئة أمناً، خصوصاً في ما يتعلّق بتهريب الأسلحة من سوريا الى لبنان عبر الحدود اللبنانية ـ السورية. بيدَ أن هذا التطلّب على صحّته، لا يأخذ دائماً في الاعتبار "إمكانات" المؤسسة وقدراتها، ولا يأخذ في الاعتبار دائماً أن الجيش "موزّع" على "جبهات" عدّة بين الجنوب والداخل ما "يكاد" يستنزفه، ولا يأخذ في الاعتبار أن ثمة عوامل "سياسية" تلعب دوراً في بعض الأحيان في المرحلة الانتقالية التي يعيشها لبنان والتي تؤثّر "مفاعيلها" على كل شيء بما في ذلك المؤسسة العسكرية. وأخيراً، لا يأخذ تطلّب اللبنانيين في الاعتبار أن مراقبة الحدود اللبنانية ـ السورية وضبطها يحتاجان الى مساعدة دولية كبيرة على كل المستويات.
.. ودورها في حماية المسار الدستوري
إن المقصود التحدّث عنه، يتعلّق في المرحلة الراهنة ـ المقبلة بأمرين.
الأول، هو أن المرحلة مرشّحة وفقاً لمعلومات وتقديرات، لأن تشهد توتّرات أمنية تصاحب التصعيد السياسي من جانب حلفاء النظام السوري وأتباعه وأدواته، في ظل فقدان هؤلاء أعصابهم حيال إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع في مجلس الأمن، وفي ظلّ ربطهم بين لبنان والوضع الإقليمي وضبطهم للصراع السياسي على إيقاع تطوّرات العلاقة السورية الإيرانية ـ الأميركية.
أما الثاني والأهم، فهو أن المرحلة الراهنة ـ المقبلة تضع على عاتق الجيش مهمة حماية المسار الدستوري في البلاد.
قيل كلامٌ كثير وسرّب كلام أكثر حول محاولات جرت في الآونة الأخيرة لـ"إستدراج" قائد الجيش العماد ميشال سليمان، تارة تحت عنوان الحكومة الانتقالية العسكرية وتارة أخرى تحت عنوان فرض إزدواج حكومي ومطالبة الجيش بـ"حراسته". وقد رفض العماد سليمان كلّ هذه المحاولات على ما تؤكد المعلومات.
من هنا، فانّ المسألة الآن تتعلّق بدور الجيش في حماية حصول الإستحقاق الرئاسي في موعده الدستوري كما يطالبُ البطريرك ومعه الأكثرية الشعبية والسياسية من اللبنانيين، لان الجيش معني بـ"سيادة" الدستور والمؤسسات الدستورية. وفي هذا السياق، ينظرُ الكثيرون بارتياح كبير إلى العلاقة الوطيدة بين اليرزة وبكركي.
القضاء "بعد المحكمة".. وأحكام القانون
على خطّ موازٍ، وإذا كان القول بمحورية دور القضاء صحيحاً دائماً، فانّ ما يجعل مؤسسة القضاء مرجعية رئيسية ثالثة، يتعلّق بطبيعة مرحلة ما بعد إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع.
ذلك انّ هذه المرحلة تفترضُ من القضاء اللبناني مواكبة نشطة للمحكمة الدولية بعد إقرارها. وتفترضُ منه متابعة التحقيقات بجرائم حصلت أو "ستحصل". وتفترضُ منه حماية الناس جميعاً بأحكام القانون. وتستلزمُ منه ملاحقة المجرمين والمحرّضين على الفتن و"المسمّمين" للاستقرار..بأحكام القانون أيضاً.
على رأس مؤسسة القضاء، قاضٍ معروف بكفاءته ونزاهته وبانتمائه اللبناني الوطني هو الرئيس انطوان خير. ولا شكّ انّ وضع التشكيلات القضائية موضع التنفيذ سيعزّز وضع القضاء وقدراته ودوره، ليشكّل صمّام أمان يتكامل مع الصمّامين الآنفين، أي بكركي والجيش.
وتأسيساً على ما تقدّم، لا مبالغة في القول إنّ الإستحقاق الرئاسي، إذ يتقرّر مصيره وتتقرّر نتائجهُ "سياسياً"، في المجلس النيابي، وبالتمهيدات الضرورية خارجَه، انما تتأتى حمايته من الكنيسة ورأسها أولاً باعتباره إستحقاقاً مسيحياً فلبنانياً عاماً، ومن المؤسسة العسكرية الرافضة لجرّ البلاد إلى الفراغ والفوضى ثانياً. ولا شك انّ مواقف متصاعدة وضوحاً من جانب البطريرك والجيش ستساعد كثيراً في حسم وجوب حصول هذا الإستحقاق.
المحكمة والحكومة "وراءنا" والرئاسة "أمامنا"
"المحكمة وراءنا".. والحكومة، أي المسألة الحكومية وكل التهديدات بالإزدواج "وراءنا"، ويجب أن تكون كذلك. أمّا ما هو "أمامنا"، فالإستحقاق الرئاسي.
الإستحقاق الرئاسي "أمامنا" لانه المحطة الحاسمة لـ"الخلاص الوطني". لانّه المحطّة "الأخيرة" في المرحلة الإنتقالية التي طال أمدُها ويجب أن تقوم مكانها مرحلة جديدة ينتقل معها لبنان إلى تشكّل سلطة الإستقلال اللبناني الثاني.
والإستحقاق الرئاسي "أمامنا"، لأنّه يمكن أن يكون كذلك، إذا تمّ التمهيد له بتسوية سياسية وطنية متكاملة، تجعل التوافق يقوم على "مشروع" وليس على "إسم".
هو "أمامنا" لانّه فرصة للخروج من الأزمة ـ المأزق. وهو "أمامنا" لانّه لا بدّ حاصل، وما تغلّب "التعطيل" يوماً عندما تصبح البلاد على عتبة "المطاف الأخير".
المرجعيات ـ الضمانات الثلاث
انّ الحديث السالف عن المرجعيات الثلاث: البطريرك والجيش والقضاء، لا يعني أن ليس في البلد مرجعيات سياسية وغيرها، لكنّه حديثٌ هنا عن مرجعيات ـ ضمانات، عن مؤسسات وأشخاص، يشكّلون "إضافة" كبيرة إلى اتفاق الطائف كمرجعية والدستور كمرجعية، وميثاق العيش المشترك ومقرّرات المجمع البطريركي الماروني والإجماعات الوطنية.. كمرجعيات أيضاً.
انه حديث عن "مثلّث ضامن"تشكله المرجعيات المحددة آنفاً.
مصطلح "المثلّث الضامن"، لم يأتِ من فراغ. ولم يتمّ التوصّل إلى بلورته بـ"بساطة". انّه حصيلة نقاش، جرى خلاله إستحضار الكمّ الهائل من المصطلحات "المسمومة" التي جرى "دسّها" في القاموس السياسي في الفترة السابقة، في محاولة لتسفيه اتفاق الطائف وإفراغه من مضمونه.. والإنقضاض عليه.
وكان أبرز تلك المصطلحات "الثلث المعطّل" الذي لمّا أدرك "التحالف السوري" أن لا أصل له ولا أساس، حوّله إلى ما يسمّى "الثلث الضامن" تلطيفاً لإحدى "الكبائر".
إذاً، في مقابل "الثلث الضامن" غير الفعلي وغير الحقيقي، "المثلّث الضامن" الفعلي والحقيقي.
ثلاثة موارنة، أمانُ لبنان في عهدتهم. لكنّهم ليسوا لطائفتهم بل للبنان الإستقلال والسيادة والحرية والدولة والحقّ.. والإستقرار.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00