عندما قال زعيم "تيّار المستقبل" سعد الحريري الأسبوع الماضي ان الوضع في لبنان سيتغيّر بعد إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع، كان في واقع الأمر يرسم ملامح المرحلة اللبنانية المقبلة، ومن ضمنها أن حركة 14 آذار سوف تتعاطى مع المرحلة الجديدة بـ"صيغة" مختلفة.
في المعنى "المباشر" لكلام الحريري أن المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى، سوف تُقرّ فعلاً تحت الفصل السابع خلال أيام بعد أن بات واضحاً أن طريق مجلس الأمن هي وحدها الطريق السالكة بينما سائر الطرقات اللبنانية مقطوعة.
"وراءَنا" و"أمامهم"
بكلام آخر، يُفترض بعد بضعة أيام أن تغدو المحكمة الدولية "وراءَنا"، أي وراء كل الذين طالبوا بإنشائها وناضلوا من أجل إحقاق العدالة. وأن تكون المحكمة "وراء" هؤلاء جميعاً، يعني أنها ستُصبح "معطىً" قائماً لا مجال للقفز فوقَه.
في الوقت نفسه، أن تُصبح المحكمة "وراء" حركة 14 آذار، يعني أنها تُصبح "أمام" الفريق الذي ناهض قيامها وقاتل لعدم إنشائها وعرقل إنجازها بكل السبل والوسائل. وأن تكون المحكمة "أمام" هؤلاء يعني أيضاً أنها غدت معطىً ناجزاً. وأن تكون المحكمة معطىً ناجزاً يعني أن هؤلاء لن يكون في استطاعتهم تغيير شيء على هذا الصعيد.
ذلك أن إقرار المحكمة تحت الفصل السابع في مجلس الأمن، هو محطة أولى مهمة في مسار العدالة، سوف يليها في وقت غير بعيد تعيين المدعي العام الدولي للمحكمة، فتأتي تقارير المحقق سيرج براميرتس إذ ذاك أكثر تحديداً تباعاً.
من هنا، فإن القول أن المحكمة "وراء" 14 آذار و"أمام" تحالف ما يُسمى "المعارضة"، يعني شيئاً واحداً: معطى "واقعي" غير قابل للتعديل أو التبديل.
مُعطى يحرّر الصراع من الابتزاز
بيدَ أن هذا المعطى الواقعي "الجديد" يعني بالنسبة إلى 14 آذار شيئاً إضافياً هو "تحرير" الصراع السياسي الدائر في البلد منذ بضعة شهور من مادة استخدمها الفريق المتحالف مع النظام السوري للابتزاز. فليس فقط لن يعود هذا الفريق قادراً على منع قيام المحكمة لأنها تكون قد قامت بالفعل، لكن لن يعود ثمة مجالٌ أمامه لمحاولات إخضاع البحث في الحلول لمقايضات غير أخلاقية حفلَ بها طرحُ هذا الفريق في الفترة السابقة، لا سيما تلك المعروفة منها أي مقايضة المحكمة بحكومة "وحدة وطنية"، كان واضحاً سلفاً أنها تُضمر "أخذ" الحكومة وإسقاط المحكمة في آن.
على أن الأهم بالنسبة إلى 14 آذار، هو أن انعدام القدرة لدى "الفريق الآخر" على استخدام المحكمة كورقة ابتزاز، يُفترض أن يوظّف باتجاه تسوية سياسية وطنية شاملة. ولذلك، كان الربط واضحاً في كلام سعد الحريري بين توقّعه تغيّر الظروف بعد إقرار المحكمة تحت الفصل السابع من جهة وحديثه عن مبادرة سياسية لحركة 14 آذار عقب إقرار المحكمة من جهة ثانية.
الإستحقاق الرئاسي: "جبهات" التحالف السوري
لماذا التسوية الشاملة، كيف ومتى؟
من نافِل القول بدايةً أن 14 آذار التي تعتبر إقرار المحكمة مطلباً لها، لا ترى في إقرارها انتصاراً سياسياً على فريق آخر حتى لو كان ظاهر الأمور كذلك.
في هذا الوقت، تلاحظ قوى الحركة الاستقلالية أن فريق ما يُسمّى "المعارضة" إذ يبدو مكابراً حتى اللحظة في تصديق أن المحكمة سوف تُقرّ فعلاً في غضون أيام أو أنه يصدّق ولا يعترف حتى الآن، ينتقل إلى مرحلة أخرى من الابتزاز السياسي.
وفيما لا جدال أن الاستحقاق الرئاسي أصبح أولوية الأولويات، يتحرّك فريق 8 آذار على أكثر من "جبهة". ثمة "جبهة" أولى تتمثّل بمحاولة مقايضة نصاب إنتخاب الرئيس المقبل بما يسمّى "التوافق" على اسم هذا الرئيس. وثمة "جبهة" ثانية تتجسّد في التهديد بالفراغ الدستوري إن لم يحصل الاستحقاق الرئاسي على شروط هذا الفريق. وثمة "جبهة" ثالثة هي التهديد بتشكيل حكومة ثانية بما يؤدي الى "إزدواج" على مستوى السلطة التنفيذية، وسط معلومات تفيد أن هذه الخطوة غير الدستورية وغير الشرعية كانت معدّة للتنفيذ في الأيام الماضية. وثمة "جبهات" أخرى من الدعوة الى انتخابات نيابية مبكرة الى ما سوى ذلك من "الحرتقات". على أن اللافت كان إعلان رئيس الكتلة النيابية لحزب الله أن التوافق على إسم الرئيس مرفوض من جانب الحزب، لأن هكذا توافق في ظل التناقض بين مشروعين سياسيين يجعل الأمر غير ذي فائدة، موحياً بتصعيد إضافي.
التسوية الوطنية الشاملة هي بديلُ 14 آذار
حيال ذلك، تعتبر 14 آذار أن البديل الحقيقي من كل تلك المناورات هو التوافق على تسوية سياسية وطنية متكاملة تمهّد لانتخاب رئيس جديد، أي رئيس في امتداد تسوية متكاملة وفي سياقها.
ترى 14آذار أنّ فرصة التسوية بعد إقرار المحكمة الدولية متاحة أكثر ممّا قبل هذا الإقرار.
غير أنّ اقتراح حركة 14 آذار التوافق على تسوية سياسية وطنية متكاملة يتمّ في سياقها انتخاب الرئيس المقبل، بدلاً من توافق مستحيل على اسم الرئيس بدون تسوية متكاملة، هو في الحقيقة اقتراح بتسوية تشكّل "قابلة" لتوليد سلطة الاستقلال اللبناني الثاني.
وفي هذا المجال، تذكّر حركة 14 آذار بأنّ سلطة الاستقلال الأول في العام 1943 نتجت عن تسوية. وتلفت إلى أنّ اتفاق الطائف، بما هو تسوية وطنية، كان يُفترض أن يؤدي إلى توليد السلطة "الحديثة"، لكنّ ذلك لم يحصل في ظروف الوصاية السورية على لبنان التي كان همّها تدمير العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية ومنع الديناميات الداخلية. وتشيرُ إلى أنّ تسويةً كان يُفترض حصولُها في العام 2005 بعد الانسحاب السوري على وقع جريمة إغتيال الرئيس الحريري وعلى إيقاع التضامن العربي والدولي مع استقلال لبنان، لكنها لم تحصل حتّى الآن بسبب عدم إعتراف فريق 8 آذار المتحالف مع النظام السوري بالاستقلال الثاني.
والمفارقةُ هنا، أنّ قوى 14 آذار التي ظلّت مقتنعةً بأنّ للاستقلال الثاني رافدين أساسيين هما التحرير عام 2000 من الاحتلال الإسرائيلي والانتفاضة ضدّ الوصاية السورية عام 2005، لم تُقابل بغير التصميم من جانب النظام السوري وحلفائه على إجهاض الاستقلال، في حين أنّ حرصها على أن يكون تحرير العام 2000 رافداً للاستقلال يعبّر عن إرادتها في أن يكون هذا الاستقلال فعل شراكة وطنية، تنتجُ عنها شراكة في سلطة الاستقلال.
التوافقُ على التسوية
وليس التوافق على الرئيس
الآن في العام 2007، ثمّة فرصةٌ لهكذا تسوية.. انطلاقاً من الاستقلال، أي تسوية "تحت سقف" الاستقلال ومن أجل ترسيخه.
وعندما يقرّ الجميع بـ"واقعة" الاستقلال، لن تكون التسوية متعذّرة أو مستحيلة. ومرجعيات هذه التسوية موجودة انطلاقاً من اتفاق الطائف، ومعه سائر الإجماعات الوطنية السابقة.
توافقٌ على تسوية تمهّد للاستحقاق الرئاسي بديلاً من مقولة التوافق على اسم الرئيس. ذلك أنّ التسوية أهم من الاسم، بالضبط لأنّ المطلوب أن يكون الرئيس المقبل عنواناً لمرحلة وطنية جديدة، لا عنواناً لتمديد آخر للمرحلة الانتقالية وأزماتها، ولأنّ المطلوب أن يكون الرئيس المقبل ذا "لحم وشحم" أي رئيساً يترجم الصفة الأساسية التي ذكرها البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير: الرئيس "اللبناني المحض"، الذي لا يرمز إلا إلى مرحلة جديدة.
البطريرك: "النواهي" والمواصفات
وعلى ذكر البطريرك، لم تعُد مواقفُه بحاجة إلى شرح أو تفسير. فبمواقفه حدّد رأس الكنيسة "النواهي": ضدّ تعطيل النصاب، وضدّ الفراغ، وضدّ الحكومتين. وحدّد المطلوب: انتخاب الرئيس في الموعد الدستوري، ورئيس لبناني محض ذو خبرات.. و"على مسافة واحدة من الجميع".
إنّ قراءة مدقّقة في المواصفات التي حدّدها البطريرك للرئيس المقبل، لا تترك مجالاً للشكّ في أنّه ـ عملياً ـ يطرحُ تسوية ليس حول اسم الرئيس، وهو الذي كرّر خلال الأسبوع الماضي أنّ التوافق على اسم الرئيس لا يمكنُ أن يكون شرطاً مسبقاً لإتمام الاستحقاق الرئاسي، بل تسوية سياسية متكاملة. فالبطريرك يريد رئيساً لبنانياً محضاً أي رئيساً استقلالياً، لا يرمز بأي حالٍ من الأحوال إلى مرحلة سابقة، وإذ ذاك يكون على مسافة واحدة من الجميع، أي قادراً على رعاية الشراكة الوطنية وشؤونها. وبكلامٍ آخر، يتطلّع البطريرك إلى شراكة يمثّل المسيحيين فيها رئيسٌ استقلالي، ليكون هذا الرئيس الاستقلالي قادراً على قيادة البلاد إلى المرحلة الجديدة، وكي يكون قادراً على ذلك أي "على مسافة واحدة" لا بدّ من تسوية.
ليس في ما تقدّم تحليلٌ جائر لنصّ البطريرك صفير، وليس فيه جورٌ على مقاصده. فسيّد بكركي "المستنفر" في هذه الأيام لحماية موقع الرئاسة ودور مسيحيي لبنان في الشراكة الوطنية، يرومُ إلى حماية لبنان واستقلاله و"صيغته".
وعلى هذا الأساس، فإنّ بين 14 آذار والبطريرك تقاطعاً واضحاً.
من دون شكّ إنّ 14 آذار تستطيع أن تساعد البطريرك في "معركته" من أجل الاستحقاق الرئاسي. تستطيعُ أن تساعده كي يكون متحرّراً من موضوع الأسماء، وهو أصلاً لا "يحبّ" ذلك، فتمكّنه من أن يطرح العناوين والقضايا الفعلية. لا بل أكثر من ذلك أنّ من شأن مبادرة سياسية هادفة إلى تسوية وطنية متكاملة أن تسلّح البطريرك بـ"عامل قوة".
وإذا كان ممّا لا شكّ فيه أنّ 14 آذار قادرة على المبادرة، فإنّ المبادرة ليست ويجب ألا تكون حصراً في يدها. فكثيرون هُم القادرون على المبادرة حتى لو لم يكونوا في 14 آذار "تنظيمياً"، لأن كثيرين ينتسبون الى "روح 14 آذار" في الأصل.
"المشروع المستحيل"
وبالعودة الى نقطة الانطلاق لجهة أن ما بعد إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع غير ما قبله، لا بد من القول إذاً أن المقصود هو أن ثمة فرصة متاحة لتسوية سياسية وطنية شاملة. غير أن هذا الاستنتاج المبنيّ على كل ما تقدّم ذكرُه آنفاً، وهو الاستنتاج المنطقيّ الطبيعي، يُفترض عدم تبسيطه.
ففي وقت ترى 14 آذار هذه الفرصة أو هذه الإمكانية، لا يزال "الفريق الآخر" في صميم التصعيد. حتى من يقول في "الفريق الآخر" أن الخلاف هو بين مشروعَين لا يستنتج ضرورة البحث عن تسوية، بل يؤكد على استمرار "الصراع"، ويتطلّع الى أن "ينتصر" على الرغم من هذه "الاستحالة".
لذلك، ومِن ضمن ما هو قائم حالياً، من الواضح أن "الفريق الآخر" مستمرّ في "مشروعه المستحيل". لكن ما هو مؤكد، أن تحالف ما يسمّى "المعارضة" وعلى رأسه "حزب الله"، جرّب في الشهور الماضية "كل شيء"، ولا يزال يجرّب، وقد "يجن" على إيقاع تهديدات نظام الأسد بحرق المنطقة من بحر قزوين الى المتوسط، لكنه لم ولن يصل الى نتيجة، وكان ذلك ليكون حال أي طرف يسعى في الاتجاهات نفسها.
من هنا، فإن أمضى الأسلحة بين أيدي 14 آذار هي الهدوء والمبادرة السياسية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.