8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هذا ما يقلقُ في خطاب "حزب الله" وأدائه

خلالَ الأيّام الماضية، كان نقاشٌ في العديد من الأوساط السياسيّة والثقافيّة لخطاب التصعيد الذي يعتمده "حزب الله" توقيتاً وأبعاداً، لا سيّما انّ هذا الخطاب "ينذر" باستعادة مناخ التعبئة والتحريض... والفتنة.
رأي أوّل: تعويض وشغل الوقت
وفي هذا النقاش، برزت آراء عدّة، منها "المبسّط" ومنها الأقلّ تبسيطاً.
رأيٌ أوّل يقول أصحابُه انّ خطاب التصعيد هو بمثابة نوعٍ من التعويض الإعلاميّ ­ والسياسيّ ­ عن الفشل الذي مُنيَ به تحرّك "حزب الله" وحلفائه منذ أن انطلق في الخريف الماضي مِن جهة وهو بمثابة نوعٍ من شغل الوقت الفاصل عن موعد عدد من الاستحقاقات لا سيّما الإستحقاق الرئاسيّ من جهة ثانية.
رأي ثان: أيديولوجيا المُطلقات
وثمّة رأيٌ ثانٍ ينسبُ أصحابُه التصعيد الحزب اللّهي الأخير الى الصعيد "الايديولوجيّ"، حيث انّ في أيديولوجيا "حزب الله" ومَن "يشبهه" مِن قوى ايديولوجيّة، لا مكانَ لـ"النسبيّات" أي الأمور النسبيّة بل كلّ المكان لـ"المُطلقات. وبكلام آخر، ليس في البنية الثقافية لحزب الله حيّز مِن "المرونة" التي تتأتّى عادةً عن نوعٍ من المقاربة النسبيّة لـ"الانتصار" و"الهزيمة"، لا بل انّ تلك البنية لا تحتملُ الاعتقاد بغير الانتصارات. ويذهبُ أصحابُ هذا الرأي الثاني الى اعتبار أن لا وجود لمفهوم التسوية في فكر "حزب الله" وبُنيته الثقافية والسياسيّة.
رأي ثالث: إيران
في مقابل هذا الرأي، كانَ رأيٌ ثالث مختلف، يقولُ مَن يتبنّاه انّ مَن يلتزم الرأي السابق يتجاهل أمرَين رئيسيين. الأوّل هو انّ "حزب الله" لم يعمل خلال فترة وجوده منذ ربع قرن في الحقل الايديولوجيّ "الصرف" بل اشتغل في "السياسة" في محطّات كثيرة بـ"غطاء إيديولوجي". والثاني هو انّه لا يجوز إغفال حقيقة انّ صلة النسب بين "حزب الله" والجمهورية الإسلامية الإيرانية تجعله بتمثّله للسياسة الايرانية قادراً على نوع من البراغماتية السياسية التي تتميّز بها سياسة إيران أصلاً.
ويعتبرُ أصحاب الرأي الثالث هذا انّ وراءَ التصعيد الحزب اللّهي الأخير أسباباً محلية وإقليمية.
في الأسباب المحلية، يعلنُ أصحاب هذا الرأي إستعدادهم لـ"فهم" انّ التصعيد لا يزال يندرجُ في خانة عدم إستعداد "حزب الله" للاعتراف بتوازن القوى اللبناني القائم، وفي خانة "تحسين الشروط" تالياً. كما يعتبرون انّ "حزب الله" سوفَ يأخذ في الإعتبار يوماً ما مصالح الكتلة التي يمثّل.
أمّا في الأسباب الإقليمية، فيرى أصحابُ هذا الرأي الثالث انّ التصعيد الحزب اللّهي متّصلٌ بالحسابات الايرانية. وفي هذا المجال، يعربُ هؤلاء عن إعتقادهم انّ من الواضح في ضوء المؤتمر الاقليمي ­ الدولي الأخير في شرم الشيخ، انّ عدم انعقاد لقاء بين وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، يعود من زاوية طهران إلى رغبتها في أن يكون اللقاء منطلَقاً للبحث في تسوية متكاملة، أي في "سلّة" كاملة تشمل العراق والملف النووي.. ولبنان، في وقت كانَ من الواضح انّ الإدارة الأميركية تريد حصر إنطلاق البحث حالياً في المسألة العراقية فقط.
وبالاستناد إلى هذه الأسباب، الإقليمية بالدرجة الأولى، يربطُ أصحاب الرأي الثالث تصعيد "حزب الله" بـ"الايقاع الايراني"، ما يعني بالنسبة إليهم انّ "حزب الله" لن يخفّض وتيرته إلاّ في اللحظة التي يدرك فيها انّ أفق العلاقة الايرانية ­الأميركية صار قابلاً لأن يُفتح فعلياً، على اعتبار انّ التصعيد الأخير تزامن مع إنتهاء مؤتمر شرم الشيخ.
القصف على التسوية وخطاب القطيعة مع الآخر
على انّ ثمّة رأياً رابعاً "اخترق" النقاش ليعتبر انّ الآراء الثلاثة السابقة إن هي إلا "احتمالات" فيما يجب لفت الأنظار إلى عددٍ من الملاحظات الرئيسية.
الملاحظة الأولى، هيَ انّ "حزب الله"، بالرغم من صحّة ما ذكَره أصحاب الرأي الثالث لجهة "الإعتبار الإيراني"، أي إضطراره إلى أخذ الإيقاع الإيراني في الحسبان، يعتمدُ خطاباً وأداءً سياسيين لا يمهّدان لتسوية لبنانية، ولو كانت هذه التسوية تحتاج الى فترة زمنية طويلة نسبياً، بدليل ان الحزب أطاح بالتهدئة النسبية التي سادت بضعة أيام بالتزامن مع جريمة خطف وقتل الزيادَين.
والملاحظةُ الثانية، هيَ انّ "حزب الله" انطلق في تصعيده المتجدّد نحو عنوان "المسألة الشيعية" ومِن مدخَل التعويضات عن نتائح حرب تموز مِن ناحية ومِن مدخل كلام "جديد" عن الغبن اللاحق بالطائفة الشيعية على حدّ قوله مِن ناحية ثانية.
والملاحظةُ الثالثة، هيَ انّ "حزب الله" يقصفُ بشكل "منهجي" على كلّ احتمالات التهدئة وفرص التسوية. فبدلاً من أن يرى في تقرير لجنة فينوغراد الإسرائيلية مناسبةً لتصحيح مسار العلاقات اللبنانية­اللبنانية الداخليّة ولإستئناف مسار سياسي طبيعي، حوّله إلى مناسبة للتصعيد ضدّ الداخل اللبناني.
والملاحظة الرابعة، هي انّ "حزب الله" في كلّ مقارباته لـ"الصيغة اللبنانية" خلال الفترة السابقة، لا سيّما منذ ما بعد حرب تموز وبداية هجومه الداخلي، أظهر عدم إكتراث بمضامينها الحقيقية، وقدّم مصطلحات ومفاهيم لا تمتّ بصلة إلى هذه الصيغة التي يشكّل اتفاق الطائف ناظماً ومرجعاً لها.
أمّا الملاحظة الرئيسية الخامسة التي لا بدّ من تسليط الضوء عليها، فهي انّ الخطاب السياسي الاعلامي للحزب آخذٌ في اعتماد "القطع". "القطيعة" مع الآخر.
إنتقل "حزب الله" بخطى حثيثة باتجاه "القطع". وبموجب خطابه لم يعُد من يسمّيه "الفريق الحاكم" متواطئاً مع إسرائيل، ولم يعُد هذا الفريق دافعاً باتجاه وصاية دولية ­ غربية على لبنان كما يزعم، بل بات عميلاً صافياً، ومع العميل الصافي لا تقوم علاقة شراكة بل علاقة تنابذ وصراع "لا ينتهي".
والأخطر من كلّ ذلك، انّ "حزب الله" الذي يكرّر انّ الفتنة المذهبية خطّ أحمر، والذي يعرف الجميع انّ إقترابه منها في كانون الثاني الماضي قد أوجعه فعلاً، انّما يعيد حالياً "تحريك" الخطّ الأحمر. فماذا يعني أن يكون الرئيس فؤاد السنيورة عميلاً لأولمرت كما يتجرّأ "حزب الله" على القول؟ وماذا يعني أن يكون أركانٌ في 14 آذار مرتبطين بـ"المشروع الصهيوني"؟. انّه تحريكٌ للخط الأحمر، يوازي في خطورته محاولة إقتحام السرايا عند بداية "التحرّك" لا بل يفوقها.
الرأي الرابع: تحوّلٌ أصوليّ سلفيّ؟
إذاً، بالنسبة إلى أصحاب الرأي الرابع، ثمّة وقائع يجب أخذُها في الإعتبار في موازاة التصعيد الحزب اللّهي الحالي: ضرب فرص التسوية، إختلاق "مسألة شيعيّة"، نسفُ "الصيغة" و"القطع" مع الآخر. ولذلك لم يتردّد كثيرون من أصحاب هذا الرأي الرابع في التساول عمّا إذا كانَ خطابُ "حزب الله" يجنح باتجاه الخطاب الأصولي "السلفي" الذي لا يعترف ب"آخر" ويقوم على أيديولوجيا "إمّا معي وإمّا ضدّي"، وعمّا إذا كان هذا الخطاب الأصولي السلفي مكوِّناً في البنية الثقافية لحزب الله، يقوم بـ"إظهاره" الآن.
في جميع الأحوال، أي أيّاً يكن الرأي الفعليّ أو الأرجح حيال التصعيد الحزب اللّهي المتجدد، يجب أن يعرفَ "حزب الله" انّ خطابه السياسي ­ الإعلامي مهما تكن الخلفية الثقافية، مثير لـ"القلق" في مختلف البيئات، إسلامية كانت أو غير إسلاميّة.
الصدمة
ذلك انّ اقتراب "التعبير" الثقافيّ ­ السياسيّ مِن تعبير فِرق سلفية قاعدية يشغل البال تماماً. انّه بدايةً "يصدم" مَن اعتقدوا طويلاً انّ لـ"تطرّف" مواقف "حزب الله" حدوداً، وانّ لعلاقته بـ"التجربة الإيرانيّة" بُعداً براغماتياً، وانّه حزب ديني يعملُ في السياسة أو حزب سياسي "متدين". انّه يصدم كلّ هؤلاء على إختلاف إنتماءاتهم، ممّن استمروا في "الرهان" على انّ ثمّة مكوِّناً لبنانياً في "حزب الله" يمكن أن يكون متوازياً في "قوته" مع المكونات الأخرى.
بيدَ انّ هذه "الصدمة" تفتح العيون.
وإذ تفتحُ العيون، فإنّها تدفع الى الحذر ممّا يخبئه "حزب الله" في المقبل من الأيّام. فإذا كان غافلاً عن تداعيات خطاب "القطع والقطيعة" يجب أن يستفيق. وإذا كانَ قاصداً، فعليه أن يصحّح.
"حزب الله" ليس أقوى من الإجتماع اللبناني
وفي الحالتين، وفي خضمّ النقاش معه، ليسَ جدّياً مَن لا ينصحه بحقيقة انّه لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يكون أقوى مِن الاجتماع اللبناني.
وليسَ جدّياً مَن لا ينبّهه إلى حقيقة أن ما من أحد وضعَ الاجتماع اللبناني في وجهه وانتصر.
وليس جدّياً مَن لا يقول له بصراحة: ما هكذا يُقارب الوضع اللبناني، ومَن يحملُ خطاباً "قطعياً"، ويمارس أداءًا "قطعيًا" إنّما يسيرُ في اتجاه "انتحاري".
فهل انّ "حزب الله" مضطرّ لذلك؟. وهَل ثمّة ما يدعوه إلى جعل اللبنانيين يخافون "منه" أكثر فأكثر بدلاً من أن يخافوا "عليه"، وقد أظهروا جميعاً خوفَهم عليه مراراً، خلافاً للاختلاقات التي قامَ بها لأهداف لا تزال موضع شكّ؟.
ثمّة فرصةٌ للتسوية في لبنان. وحتّى لو لم يكن "حزب الله" يرى هذه الفرصة الآن، فليسَ مِن مصلحته أن يقطع الجسور.
المُخاطَب هو "حزب الله"، وليس الجنرال الذي لا تفيد تجربتُه بأيّ عقلانيّة، والذي ليس له في هذه الحياة سوى هدف الرئاسة.
المُخاطَب هو "حزب الله"، الذي لا يزالُ قادراً على "الإستدراك"، فلا قسمٌ من الشيعة وراءه لأنّه كما يقدّم نفسه اليوم سياسياً وثقافياً، ولا اللبنانيون كانوا ينتظرون منه تفريطاً بـ"مسلّماتهم".
ذلك كلّه ما يُقلق في "حزب الله"، وذلك كلّه ما يؤدي إلى "الاستنفار" حيالَه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00