8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مَن لا يُصدّق فلينظر لما حلّ بالتمديد

ليس خافياً أن في خلفيّة البيان الصادر أول من أمس عن مجلس المطارنة الموارنة قراراً اتّخذه البطريرك نصرالله بطرس صفير بعدم السماح بتعطيل الاستحقاق الرئاسيّ بأي حجّة وتحت أيّ ظرف من الظروف.
فقد فنّد البيان كل "شيء". أكد أن تأمين النصاب لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية واجب دستوريّ. واعتبر أن الجدل القائم حول الاتفاق على شخص الرئيس قبل الانتخاب، في غير محلّه. وشدّد على أن المشاركة في عملية الانتخاب دليل حسن نيّة. ولفت إلى أن ثمة صيغاً عدّة للتعبير عن الموقف لكن "داخل المجلس" أي من ضمن النصاب.
أعطى البيان الذي لا يصدر عن مرجعية في الفقه الدستوري درساً في الدستور وفي الديموقراطية.. وفي ميثاق العيش المشترك بما أن رئاسة الجمهورية موقع أساسي في الشراكة الوطنية وبما أن أي شغور فيها بواسطة تهريب النصاب يعني خللاً في هذه الشراكة الوطنية.
قرار سياسي يحمي الشراكة الوطنية
إنه قرارٌ سياسي ـ وطني اتّخذه البطريرك. قبل ذهابه إلى الفاتيكان قال بوضوح ـ ومعه مجلس المطارنة الشهر الماضي ـ إن تأمين النصاب ليس "وجهة نظر" بل واجب. وعند عودته من الفاتيكان لم يرَ أن ثمة إشكالية دستورية تمنع انتخاب الرئيس، بل هناك من يختلق هذه الإشكالية، ولذلك أكد أن الدستور لا يعدّل بطرفة عين. وإذا كان مما لا شك فيه أن سيد بكركي يدافع بمواقفه عن موقع المسيحيين في الشراكة، فممّا لا شك فيه أيضاً أنه يدافع عن الشراكة ككلّ ضد أي إخلال بها.
الدينامية مسيحياً ولبنانياً
بيدَ أن هذا القرار البطريركي من شأنه أن يُطلق ديناميّةً كبيرة على مدى الأسابيع المقبلة التي تفصل عن الموعد الدستوري للاستحقاق الرئاسي.
وفي هذه الدينامية أولاً أن البطريرك والكنيسة سيواظبان خلال الفترة المقبلة على تأكيد هذه المواقف، وعلى دقّ ناقوس الخطر من أي تعطيل للانتخابات الرئاسية.
وفيها ثانياً أن المواقف البطريركية ستدخل الى ضمائر "نواب الأمة" لتضعها أمام الامتحان، وأمام اختبار الحرية والاستقلالية. وفي مقدّم نواب الأمة الذين تخاطبهم مواقف بكركي، النواب المسيحيون. وسيكون مُحرجاً جداً لهؤلاء، خصوصاً الذين لا ينتسبون الى الأكثرية النيابية المطالبة أصلاً بحصول الاستحقاق في موعده، أن يديروا ظهورهم ويلتزموا موقفاً يدفع البلد إلى الفراغ الدستوري والفوضى.
وفيها ثالثاً أن هذه المواقف إذ تخاطب الجميع أيضاً، ستضع كل أعضاء المجلس النيابي أمام مسؤولياتهم. فإذا كان هناك من يعتبر أن مشروعه السياسي في حدّيه الأقصى أي السيطرة على الرئاسة والأدنى أي تعطيل انتخاباتها، مغطّى من جانب فريق سياسي مسيحي معيّن، فعليه أن يدرك أن الغطاء المسيحي الوحيد هو الذي تمنحه الكنيسة وهي لا تغطّي التلاعب بوحدة البلد واستقلاله والشراكة الوطنية فيه، وعليه أن ينتبه الى أن فريقه السياسي المسيحي أعجز من أن يخوض معركةً ضدّ بكركي ومواقفها. أمّا إذا كان هناك من يؤكد حتى الآن أنه في هذا الموضوع بالتحديد يسير خلف البطريرك، فإن الفرصة متاحةٌ لترجمة هذا الموقف عملياً. والأهم، هو أن من يعني فعلاً ما يقوله بموقفه بالسير خلف البطريرك، يفتح أمام نفسه أفق علاقة متنامية مع الصرح من ناحية ومجال المساهمة في تشكّل الأكثرية حول الرئيس المقبل من ناحية أخرى.
وفي الدينامية رابعاً، إن مواقف البطريرك ستصل أكثر فأكثر الى مسامع دول النظام العربي، والمجتمع الدولي، وستكون معياراً للتعاطي العربي ـ الدولي في الوضع اللبناني في المرحلة المقبلة.
قلب المعادلات
لا مبالغة البتّة في القول أن مواقف الكنيسة المارونية، خصوصاً بعد بيان أول من أمس، قلبت منذ الآن معادلات الاستحقاق الرئاسي، وستقلبها أكثر في المقبل من الأيام، وستقلب المزاج اللبناني العام تباعاً، في بلد يعرف معظم أبنائه أن هذه الكنيسة لطالما استشعرت الأخطار المحدقة عن بعد، وأنها عندما تعيّن الأخطار وتحدّدها يلحقُها الآخرون. ولا مبالغة أيضاً في القول أن الكنيسة وحدها تمنح الشرعية للرئيس الماروني اللبناني.
الكنيسة والتمديد بين 2003 و2004
ومن لا يصدّق عليه مراجعة التاريخ. وفي هذا الإطار، وإذا كان من غير الضروري العودة الى تاريخ بعيد، يكفي التذكير بما حصل قبل الاستحقاق الرئاسي السابق في العام 2004، أي قبل التمديد لإميل لحود.
فاعتباراً من العام 2003، ومنذ أن بدأت "رائحة التمديد"، قام البطريرك صفير بـ"تحمية" السيّارة، وراح "يدكّ" مشروع التمديد تباعاً. أعلن انّ تعديل الدستور مرفوض لأن المطلوب تطبيقه قبل أي شيء آخر. ثم أطلق فلسفة رفض تعديل الدستور، ولفت مراراً إلى أنّ الدستور لا يعدّل على قياسات شخصية وفردية، بل تؤخذ الثُّغر لدى تطبيقه في الاعتبار. واستمرّ على هذا المنوال نحو سنة لم يُخفِ خلالها أنّ طرح تعديل الدستور يرتبط بإبقاء لبنان تحت الوصاية. حتى إذا اقترب موعد التمديد، وجّه مجلس المطارنة نداء شهيراً إلى نواب الأمة دعاهم بوضوح الى رفض تعديل الدستور والتمديد.
موقف البطريرك ضدّ التمديد قلَبَه على أصحابه
إنّ التذكير بما حصل بين2003 و2004 يهدف الى تبيان الحقيقة الآتية: لم يمنع قصف البطريرك على التمديد من حصوله قسراً وبقوّة الوصاية السورية القاهرة آنذاك، لكنّ هذا القصف جعل من التمديد مشروعاً تفجيرياً سورياً من جهة وجعل من الرئيس الممدّد له شخصاً يشغل موقع الرئاسة من دون شرعية دستورية.. ومسيحية من جهة ثانية، وحدثاً انقلب على صانعيه بسرعة من جهة ثالثة. وإذا كانت الذكرى تنفع، فإنّ موقف البطريرك من التمديد للحود لم يكن موقفاً طليعياً فقط، بل كان الموقف الذي تأسست عليه الدينامية الوطنية في لبنان، والدينامية الخارجية، العربية والدولية أيضاً. ومنذ 2004، ثمّة رئيس ممدّد له لكن ليس ثمة رئيس فعلي شرعي، ما حدا البطريرك أكثر من مرة الى مطالبته بالرحيل.
إذاً، إنّ شروع بكركي في "معركة" منع عدم حصول الاستحقاق الرئاسي في موعده، معطى يجب احتسابُه جيداً، لأنّ البطريرك يحذّر من تكرار مشروع تفجيري بمناسبة هذا الاستحقاق كما حصل في العام 2004، ولأنّه على اعتقاد هذه المرة أنّ الاستحقاق سيحصل وسيكون "ملبنناً".
بان كي مون "يذكّر" بالقرار 1559
وعلى فكرة، وبعيداً من موقف الكنيسة المارونية، فقد أنعش تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قبل أيام ذاكرة من لا يتذكّرون جيداً، بأن ثمّة قراراً دولياً تحت الرقم 1559، عندما دعا الى انتخابات رئاسية حرّة من أي تدخل أجنبي ووفقاً للدستور اللبناني.
يقوم المسؤول الدولي بالتذكير بأنّ إميل لحود موجود في بعبدا لكنّه خارج الشرعية الدولية التي بنت موقفها على لاشرعية التمديد له. ويذكّر بأنّ الانتخابات الرئاسية الحرّة كان يجب أن تحصل قبل الآن خلال السنوات الثلاث الماضية. والأهمّ أنّه يذكّر بأنّ أصل القرار 1559 كان التمديد، أي مخالفة الدستور وتعطيل الاستحقاق الرئاسي الطبيعي بالقوة.
المعنى الراهن.. ومحطّات التدويل
لذلك، فإنّ لتقرير بان كي مون الأخير في هذا الجانب، معنىً راهناً.
والمعنى الراهن هو الآتي: إذا كان التمديد السوري القسري لإميل لحود في أيلول 2004 أدى إلى القرار 1559 أي الى بدء إدخال لبنان في التدويل، فإنّ تعطيل الاستحقاق الرئاسي المقبل في أيلول 2007، وبالقوّة أيضاً أي بـ"التسلّط" السوري نفسه عبر "وسطاء" محليين سيؤدي إلى موقف دوليّ (وعربيّ) جديد.
وبعد كل ذلك، يجرؤ تحالف ما يسمّى "المعارضة" على اتهام فريق 14 آذار بإدخال لبنان في التدويل.
هذا مع العلم انّ التمديد للحود أدّى إلى الـ1559.
ومع العلم أنّ حرب تموز أدّت الى القرار 1701.
ومع العلم انّ رفض إقرار المحكمة الدولية في الأطر الدستورية اللبنانية سوف يؤدي قريباً الى إستصدارها في مجلس الأمن تحت الفصل السابع.
لم تعُد "المحاججة" مع "المعارضة" مجدية في موضوع مراحل التدويل، ذلك التدويل الذي نجم عن تعطيل النظام السوري وحلفائه وأتباعه مسار "اللبننة".
فرصةٌ لحلّ
ومع ذلك، فإن ما يطرحه البطريرك ـ ومعه مجلس المطارنة الموارنة ـ يشكّل في واقع الأمر حلاً يبدو لـ"القارئين" أنه "يحتمل" التوجه الآتي: فصلُ موضوع النصاب عن اسم الرئيس، أي إخراج الاستحقاق من دائرة محاولة مقايضة النصاب بالرئيس، ثم البحث في إمكان التوافق على الرئيس المقبل على أساس تسوية سياسية وطنية متكاملة تمهّد للاستحقاق، وإلاّ فـ"انتخابات" رئاسية.
هكذا إذاً، لا تردّد في القول أن الكنيسة تلعبُ دوراً إنقاذياً في الظروف اللبنانية المتأزّمة. هكذا أدّت في العام 1989 مع اتفاق الطائف، وهكذا باشرت معركة السيادة والاستقلال في العام 2000، وهكذا واجهت التمديد في العام 2004 مفتتحةً المسار الاستقلالي الجديد، وها هي تطلقُ موقفها اليوم مفسحةً في المجال لمن يسمع أن يركب سيارة آمنة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00