أتى تقرير لجنة فينوغراد الإسرائيلية يفتحُ "أبواب السماء" بالنسبة إلى "حزب الله"، وليمدّه بنوعٍ من الأوكسجين بعد مرحلة من الاختناق السياسي دامت شهوراً.
بكلامٍ آخر، كان "حزب الله" بحاجة إلى هذا التقرير الذي يعيد تقديم فشل إسرائيل في حربها العدوانية على لبنان في تموز 2006. وهو كان بحاجة إليه ليعيد الاعتبار لمقولة "الانتصار على العدو الصهيوني" من ناحية وليعيد ترميم صورته المجرّحة لبنانياً وعلى غير صعيد عربي وإسلامي بعد اندفاعته في "الزواريب اللبنانية" من ناحية ثانية. وكان بحاجة إلى إعادة التذكير ليس فقط بأنّه منتصر في حرب تموز كما يقول بل للتذكير بأنّه حزبٌ "قادر" على الانتصار باستمرار أيضاً.
مسألة معنويّات في زمن تعزّ الإنجازات
لا شكّ أنّ ثمّة مسألة معنويات في هذا المجال. بيد أنّ ثمّة جانباً آخر للموضوع، وهو يتعلّق بمحاولة إعادة "شدّ" الوسط الشيعي الشعبي حول إنجاز في وقتٍ "عزّت" الإنجازات الداخلية منذ أن بدأ الحزب "تحرّكه" الداخلي في الخريف الماضي، أي أنّ للحزب هدفاً "استنهاضياً" في نهاية المطاف.
لم يكن أحدٌ من اللبنانيين ليعترضَ على هذا التعامل الحزب اللهي مع تقرير فينوغراد، لو بقي ـ أي التعامل ـ ضمن الحدود المشار إليها آنفاً.. فقط، وذلك بالرغم من الخلاف مع الحزب في تقويم نتائج الحرب، لا سيما السياسية منها، وبالرغم من اعتبار شطرٍ كبيرٍ من اللبنانيين أنّ فشل إسرائيل وهزيمتها لا يساويان انتصاراً مقابلاً للحزب بالتحديد.
نصرالله وفينوغراد: قبل شرم الشيخ وبعده
لكن "حزب الله" تخطّى حدود التعامل السالف ذكرُه. كيف؟
بدايةً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الأمين العام السيّد حسن نصرالله قال في تقرير فينوغراد قولَين. الأول في خطابه افتتاحاً للمعرض الثقافي في الضاحية الجنوبية. والثاني في مقابلته مع قناة "العالم" الإيرانية بعد الخطاب بأقل من أسبوع.
في الأول، "بدا" نصرالله "مفهوماً" إلى حدّ كبير. قدّم قراءة لنتائج التحقيق الإسرائيلي وإن لم تكن محطّ موافقة كثيرين إلا انها "قابلة للنقاش".
و"بدا" أنّه يحاول الإقناع، و"بدا" أيضاً بتحييده الوضع اللبناني الداخلي و"كأنّه" يمهّد لأن يكون حوارياً.
أمّا في الثاني، فقد انقلب السيّد على نفسه. تحدّث عن تقرير سرّي للجنة فينوغراد وقال إنّه يعرف ما فيه، وإنّ ما فيه يدين فرقاء لبنانيين بالتواطؤ مع العدو. وكان ذلك مناسبةً لـ"استئناف" تخوين فريق 14 آذار.
أميركا ـ إيران ـ سوريا.. والمحكمة الدولية
بين الخطاب والمقابلة، حصل تطوّران من شأنهما أن يفسّرا "اللهجتين" في مقاربة نصرالله لموضوع واحد.
الأول كان المؤتمر الدولي حول العراق في شرم الشيخ. ولا أحد يستطيع أن يقول إنّ "التحالف" الذي يقوده "حزب الله" لم يكن عشيّة هذا الموتمر على حالٍ من الترقّب، وقد جرى التمهيد بالحديث عن إعادة نظر من جانب الإدارة الأميركية في سياستها الإقليمية انطلاقاً من العراق بـ"دليل" عودة واشنطن إلى التحاور مع كلّ من طهران ودمشق.
وإذا كان مكابراً من لا يعترف بأنّ الولايات المتحدة تواجه مشكلة فعليّة في العراق، وإذا كان مكابراً من لا يعترف بأنّ الإدارة الأميركية تبحث عن حلول لمشكلتها العراقية، فمكابرٌ في المقابل من لا يعترف بأنّ التسوية الأميركية ـ السورية "مستحيلة" على خلفية الملفات العديدة بين الجانبين، وبأن أميركا تضع دفتر شروط لما تسميه "تغيير سلوك النظام السوري"، ومكابرٌ من لا يقرّ بأنّ التسوية الأميركية ـ الإيرانية مسألة بالغة التعقيد. ولهذه الاعتبارات جميعاً، لم يشهد مؤتمر شرم الشيخ تقدّماً على مستوى العلاقة الأميركية ـ السورية بالرغم من اللقاء بين كوندوليزا رايس ووليد المعلم، ولم يشهد تقدّماً "ملحوظاً" على مستوى العلاقة الأميركية ـ الإيرانية بالرغم من عدم حصول اللقاء بين رايس ومنوشهر متكي.
أمّا التطوّر الثاني فيتجلّى في تسارع خطى إقرار المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى، في مجلس الأمن وتحت الفصل السابع، بحيث بات متوقعاً أن تقرّ المحكمة في الأسابيع القليلة المقبلة.
المزايدات الإيرانية ـ السورية
إذاً، هذان التطوّران الرئيسيان يفسّران إلى حد كبير "المسافة" بين خطاب "قابل للنقاش" ومقابلة "مغلقة" و"توتيريّة". لكن، إذا أضيف إلى ما سبق ما نُشر إعلامياً عن ملاحظات إيرانية على أداء النظام السوري، لا سيما لقاء رايس ـ المعلم في شرم الشيخ، يمكن استنتاج أنّ الملاحظات الإيرانية تقع "على يسار" النظام في سوريا، ممّا يعني أنّ العلاقة الإيرانية ـ السورية تدخل حالياً مرحلة من المزايدات بين الحليفَين. ذلك أنّه من غير المنطقي الحديثُ عن خلاف بين طهران ودمشق أو على افتراق بينهما.. في الأفق الإقليمي ـ الدولي المباشر.
الهجوم على النقاط السبع: كيف يكون الحزب منتصراً؟
في خضمّ هذه المعطيات جميعاً، أي أخذاً في الاعتبار ما قاله نصرالله في مقابلته إلى فضائية "العالم" بما هو آخر قول الآن للأمين العام لحزب الله، يمكنُ فهمُ أبعاد القصف على النقاط السبع.
فإذا كان من حقّ الكثيرين الاعتقاد أنّ قصف "حزب الله" على النقاط السبع هو في واقع الأمر قصفٌ على النقطة التي تتعلّق بطلب لبنان نقل مزارع شبعا إلى عهدة الأمم المتحدة كمرحلة انتقالية نحو استعادتها إلى السيادة اللبنانية، وأنّ هذا القصف يتزامن مع تطوّر في الموقف الدولي باتجاه الاستجابة للطلب اللبناني.. فإنّ للقصف على النقاط السبع أبعاداً أخرى لا بدّ من تحديدها.
طبعاً، ما يقولُه "حزب الله" لجهة أنّه لم يوافق في الأصل على هذه النقاط، ليس صحيحاً بـ"الصوت والصورة". غير أنّ التنصّل "اليوم" وبعد شهور طويلة من الموافقة، يرتبط بأمرين رئيسيين. أولهما، بالعودة إلى قراءة "حزب الله" لتقرير فينوغراد، والمبنية على أنّ إسرائيل مهزومة والحزب منتصر، حيث من الواضح أنّ الحزب لا يستطيعُ الإمعان طويلاً في الحديث عن "الانتصار" إذا كان موافقاً على النتيجة السياسية للحرب أي القرار 1701 المبنيّ هو نفسُه على النقاط السبع.
ثمّة ما هو "منطقيّ" هنا. فالموافقة على القرار 1701 تعني أو هي يجب أن تعني أنّ "المقاومة" أخلت مكانها بموجب هذا القرار الذي هو النتيجة السياسية الفعلية التي يُعتدّ بها، لـ"ثنائية" الجيش ـ القوات الدولية في الجنوب، وأنّ "المقاومة" لم تعُد مشروعاً "حقيقياً" في ظل هذا المعطى الاستراتيجي أي "الثنائية" المذكورة، وأنّ البحث في "سلاح المقاومة" أي في "سلاح حزب الله" أصبح منطقياً.. إذا كان ثمّة حوار لبناني ينشد التوصل إلى تسوية سياسية ـ وطنية متكاملة. ولذلك، "يسحب" الحزب موافقته على النقاط السبع، لأنّه لا يريد الذهاب الآن مباشرة إلى الاعتراض على الـ1701 أولاً، ولأنّه يعيد تقديم نفسه منتصراً بالاستناد إلى مفهومه "الايديولوجي" للانتصار ثانياً، ولأنه يريد استباق أيّ تطوّر دولي بالنسبة إلى مزارع شبعا ممّا ينبغي أن يقود بحسب نقطة أخرى من النقاط السبع إلى إحياء اتفاقية الهدنة التي ـ بالمناسبة ـ يلحظها اتفاق الطائف نصّاً بشكل واضح ثالثاً.
بهذا المعنى، فإنّ القصف على النقاط السبع، انما يحاول الملاءمة بين مقاربة تقرير فينوغراد وبين الممارسة السياسية.
بين الموقف.. والاستعداد الميداني
على أنّ ما سبق ذكرُه قد يُفهم بأنّ ثمّة لدى "حزب الله" محاولة لملاءمة "نظرية" في هذا الجانب. وكي لا يُفهم الأمر على هذا النحو، لا مفرّ من التنبيه إلى انّ "حزب الله" يقرن القول بالفعل.
فبالتزامن مع إعلان السيد نصرالله في المقابلة التلفزيونية إيّاها أنّ الحزب استكمل خطّته الدفاعية، ومع تأكيد العديدين من مسؤولي الحزب انّ الجهوزية تامة، تؤكد المعلومات "على الأرض" أنّ "حزب الله" استكمل بالفعل تحويل منطقتي البقاع (حتى الحدود مع سوريا) وإقليم التفاح شمال الليطاني في الجنوب إلى منطقتين شبه عسكريتين محصّنتين. وبكلام آخر، ولأن المسألة ليست "مسألة نظرية"، فإنّ "حزب الله" يلائم عملياً بين تنصّله من النقاط السبع وبين خطّة عسكرية ـ أمنية قيد التنفيذ. وإذا كان صحيحاً أنّ نصرالله وقياديين آخرين أكدوا أنّ الجهوزية "دفاعية" في معرض الطمأنة بأن الهدف هو "الردّ" على أي عدوان إسرائيلي وليس إعطاء ذرائع لهكذا عدوان ، وإذا كان صحيحاً أيضاً أنّ الأمين العام رجّح في آخر كلام له الا تحصل مواجهة أميركية ـ إيرانية في معرض الإشارة ـ ربما ـ إلى أن ليس في الأفق القريب خطة موضوعة على إيقاع المواجهة بين طهران وواشنطن، فإنّ الصحيح دائماً هو أنّ ذلك الاقتران بين القول والفعل يعبّر عن قرار بالبقاء على أهبة الاستعداد إلى أن تنجلي بشكل "نهائي" اتجاهات الوضع الإقليمي والدولي بملفاته كافة.
القصف على التسوية.. للتوتير
غير أنّ القصف الحزب اللّهي على النقاط السبع بالعلاقة مع تقرير فينوغراد، يؤشر إلى جانب داخلي لبناني لا يقلّ أهميةً.
فقبل بضعة أيام، أطلق الرئيس فؤاد السنيورة مبادرة محرجة بالفعل. فإذ واظب على الدعوة إلى إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي في المجلس النيابي في ما تبقى من العقد العادي، دعا مرة أخرى إلى الفصل بين موضوع المحكمة وموضوع الحكومة. وفي هذا المجال، اعتبر رئيس الحكومة أنّ الخلاف في المسألة الحكومية ليس حول العدد، وشدّد على أنّ شيئاً لا يمنع قيام حكومة وحدة وطنية، لكن على أساس التوافق بشأن سياسات هذه الحكومة.
وعندما يدعو السنيورة إلى التوافق حول السياسات، فمن البديهي فتحاً للأفق أن يستحضر الإجماعات التي تحقّقت سابقاً، ومن ضمنها النقاط السبع. ولذلك فإنّ تنصّل "حزب الله" من موافقته سابقاً على هذه النقاط، يعني رفضاً للمبادرة، ورفضُ المبادرة يعني رفض الدخول في تسوية سياسية ـ وطنية متكاملة.. ورفضُ التسوية يعني أنّ القرار لدى "حزب الله" ومن خلفه طهران ودمشق هو قرارٌ بمواصلة التوتير، وأنّ القرار لا يزال التعطيل وصولاً إلى الاستحقاق الرئاسي.
وخلاصةُ القول هي الآتية: بين أوكسجين تقرير لجنة فينوغراد، وبين مضمون التعامل الحزب اللّهي مع هذا التقرير، ثم بين المعطيات الإقليمية ـ الدولية في ضوء مؤتمر شرم الشيخ وبين تصعيد الحملة على الأكثرية والحكومة.. ينبغي عدم التردّد في استنتاج أنّ الوضع اللبناني لا يزال في صميم "المهبّ".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.