8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الإمرة للبطريرك والرئيس المقبل هو الذي يخرج من عباءته

تزامنت زيارة البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الى الفاتيكان حيث التقى البابا بنيدكتوس السادس عشر مع الحركة الإقليميّة ـ الدوليّة المكثّفة وآخر تجليّاتها مؤتمر شرم الشيخ حول العراق في اليومين الماضيين. غير أنها تزامنت مع قرارين كبيرين اتخذهما الكرسي الرسولي بالصلة مع المرحلة التي تجتازها المنطقة.
الوضع الشرق أوسطي ومسيحيّو الشرق
القرار الفاتيكاني الأول، ينطلقُ من ملاحظة واقع "الهامشيّة" المتزايدة التي يعانيها مسيحيو الشرق، في لحظة استراتيجيّة عنوانُها الرئيسي تشكُّل الشرق الأوسط من جديد، وارتسام معالم النظام العربي ـ والإقليمي ـ الجديد. ولا يخفى على الحبر الأعظم أنّ المنطقة التي تشهد صراعات إسلاميّة ـ إسلاميّة من ناحية وصراعاً عربياً ـ إسرائيلياً مستمراً من ناحية ثانية وصيغة من صيغ الصراع العربيّ ـ الإيرانيّ من ناحية ثالثة وصراعات إقليميّة ـ دولية من ناحية رابعة، تشهد في الوقت نفسه "بحثاً" في كيفية ترتيب أوضاعها أو إعادة ترتيب "بُناها"، فيما المسيحيّون مغيّبون ولا رأي لهم ولا دور، لا بل يمارَسُ عليهم في أكثر من بلد نوعٌ من الاضطهاد أدى الى هجرات مسيحية من بلدان عدة. كما لا يخفى على البابا أن احتدام النزاعات المذهبية الإسلامية ـ الإسلامية يضاعف خوف مسيحيي الشرق، حتّى إذا اتجهت النزاعات الى تسويات في وقت لاحق، غير منظور الآن، أدّى الأمر الى مزيد من تهميشهم.
لذلك، فانّ القرار الفاتيكاني الأول هو "الدخول" المتجدد الى المنطقة، والحضور بقوة في الأبحاث حولها حفظاً للوجود المسيحي في المنطقة وتأكيداً للدور المسيحي وإعادةً للاعتبار الى عروبة المسيحيين ومساهمتهم في حلّ النزاعات والصراعات على أساس الهويّة العربية.
ولا شك ان الاتصالات الدوليّة للفاتيكان وأبرزها الاتصالات مع الولايات المتحدة الأميركية، ومن ضمنها الزيارة الأخيرة لمساعد وزيرة الخارجية ديفيد ولش، تصب في هذا الإطار.
أهميّة لبنان ومسيحييه في نظرة البابا
أمّا القرار الفاتيكاني الثاني، فينطلق من اعتبار أنّ التجلّي الأهم لدور مسيحيّي الشرق هو في لبنان. ومما لا شك فيه أن الكرسي الرسولي الذي تابع عن كثب الوضع في لبنان خلال السنوات الطويلة الماضية، سواء عبر السينودوس لأجل لبنان أو الإرشاد الرسولي أو زيارة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، يشعر بقلق على لبنان وعلى المسيحيين فيه. دعمَ الفاتيكان لبنان الذي وصفه البابا الراحل بأنه "رسالة" ودعم اتفاق الطائف بما هو ميثاق العيش المشترك والشراكة الوطنية، ودعم استقلال لبنان وسيادته ووحدته.
وإذا كان غنياً عن القول ان سلامة الوجود المسيحي وأمانه في لبنان يشغلان الفاتيكان، فغنيّ عن القول أيضاً أنّ الهجرة المسيحيّة من لبنان نتيجة للأوضاع التي يعيشها تقلقه كثيراً، ويشغلُه أكثر ان الدور المسيحي في إطار الشراكة الوطنية يتراجع، ويبدي اهتماماً كبيراً بتصويب المسار.
ولما كان يعتبر ان دور مسيحيي لبنان هو المدخل الى دور المسيحيين في الشرق، لا بل إنّ مسيحيي لبنان يشكلون الموقع المتقدم لمسيحيي الشرق، ولما كان يرى أن المساهمة المسيحية المشرقيّة في المنطقة "تبدأ" من مساهمة لبنان ككلّ بمسيحييه في تطور وضع المنطقة، ولما كان شديد القناعة بـ"النموذج اللبناني"، فإنّ الفاتيكان يؤكد ان للبنان دوراً أساسياً ومتقدماً في النظام العربيّ الجديد، وفي الشرق الأوسط قيد التجدّد.
ولذلك، فانّ قراره الثاني هو الدخول على خطّ الوضع في لبنان، من البوابة المسيحيّة بداية، وذلك ما تؤكّده الاتصالات الدوليّة للفاتيكان في هذا المجال من جهة وعودة سفيره في لبنان الى دور نشِط ولو بعيداً عن الأضواء في هذه المرحلة من جهة أخرى.
صفير يلتقي في القناعات مع الفاتيكان
يمكن القول إذاً، بناءً على المقدمات الآنفة إنّ زيارة البطريرك أتت على تقاطع قرارَين فاتيكانيين كبيرين.
غير انّ ذلك لا يحجبُ حقيقةَ انّ البطريرك ذهبَ الى الفاتيكان بقناعات مماثلة أصلاً. فإذا كان مما لا شكّ فيه انّ قناعة الكرسي الرسوليّ تقوم على ضرورة ترتيب "البيت اللبناني" بأفق مساهمة لبنان ومسيحييه في الشرق الأوسط المتجدّد، فمما لا شكّ فيه أيضاً أنّ قناعة البطريرك هي ترتيب "البيت اللبناني" ضمن الوجهة نفسها.
ماذا يعني هذا الكلام؟
إنّه يعني بدايةً أنّ ثمّة تلاقياً في القناعات بين البابا والبطريرك، وانّ سيّد بكركي لقي تشجيعاً فاتيكانياً مؤكدّاً.
وإذا كانت معلومات من أوساط مطلعة تفيد أنّ البطريرك تلقّى هو نفسه في الفترة السابقة إتصالات دوليّة على أعلى المستويات تؤكد له دعم مواقفه وتوجّهاته، فانّ المفيد هنا إعادة التذكير بهذه المواقف والتوجّهات.
مواقف البطريرك عن المسيحيين والشراكة
فالبطريرك صفير كان في طليعة القيادات اللبنانية التي إفتتحت معركة الاستقلال والسيادة في العام 2000 بعد إنجاز تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيليّ. لكنه كان منذ البداية القائل إنّ الاستقلال لا تحققه إلا إرادة إسلامية ـ مسيحية مشتركة. وعندما قامت تلك الإرادة المشتركة واستشهد الرئيس رفيق الحريري في امتدادها وسياقها لم يفتح معركة جانبية بحثاً عن حصص، لا بل اعتبر انّ إستكمال الاسقلال هو العنوان المستمر. وواظب في التشديد على العيش المشترك والشراكة الوطنية. وفي مقررات المجمع الماروني العام الماضي، جرى التأكيد على أن لا مسألة مسيحيّة خاصة بل مسألة لبنانية عامة وعلى ان المسيحيين للبنان وليس لبنان للمسيحيين، وعلى انّ الدولة المدنية هي الهدف الواجب السعي اليه. وتمسّك باتفاق الطائف مرجعية للشراكة الوطنية ولبناء الدولة وأكد على تطبيقه قبل أي إعادة نظر فيه في ضوء التطبيق. ودافع عن المناصفة ضمانة للمسيحيين ورفض باستمرار وبإصرار الاعتداء على الدستور وكان له الموقف الصلب ضدّ التمديد خلافاً للدستور. وفي العظات الأسبوعيّة أو في البيانات الشهريّة لمجلس المطارنة الموارنة، مواقف سياسيّة ضدّ خرق الدستور وضدّ الفوضى وضدّ الالتحاق بمحاور خارجيّة وتحذيرٌ من الانزلاق الى الفتنة وتشديد على دور لبنان العربي والدوليّ.. وحرص على التوازنات والمعادلات الوطنية.
الجنرال ضدّ الكنيسة
هذه الأمور كلها مستقاة من خزّان البطريرك. وحتى عندما انكفأ بضعة أشهر تاركاً للقيادات السياسية المسيحية ان تلعب دورها، ظل يراقب. وإن لم يكن من عادته أن يسمّي مباشرة، فقد كان واضحاً ان سياسة الجنرال ميشال عون تتناقض على طول الخط مع مواقف الكنيسة المارونّية، لا سيّما موقفها من المحكمة الدوليّة في جريمة إغتيال الرئيس الحريري.
كان واضحاً تماماً انّ الجنرال "المستميت" للوصول الى رئاسة الجمهوريّة، يدفعُ بالمسيحيين الى وضع خطير، خارج الطائف وخارج الشراكة الوطنية وخارج الدولة والنظام وصولاً الى "اقتراحه" الأخير إنتخاب الرئيس "لمرة واحدة" من الشعب وهو "الاقتراح" الذي يعني إخلالاً بالمعادلات الوطنية وإخضاعاً للمؤسسّات الى العددية، ممعناً في تعطيل المؤسسّات.
البطريرك: المرجع والعباءة والمرحلة الجديدة
إذاً، في الجواب عن السؤال السابق: ماذا يعني أنّ ثمة تقاطعاً بطريركياً ـ فاتيكانياً؟، يجب القول أنّه يعني الآتي:
يعني أولاً انّ بين البطريرك والكنيسة من جهة والجنرال من جهة ثانية معادلة "الشرق شرق والغربُ غرب ولا يلتقيان".
ويعني ثانياً ان مواقف البطريرك تجعله مُلزماً بأن يأخذ زمام الأمور بين يديه مباشرة.
ويعني ثالثاً انّ التفاهم بينَ البطريرك والفاتيكان يُفترض ان يترجم عملياً قيادةً من جانب رأس الكنيسة للوضع المسيحيّ.
ويعني رابعاً ان ما يقوله البطريرك حول الاستحقاق الرئاسيّ، بما هو في جانب رئيسيّ منه إستحقاق للدور المسيحيّ ضمن الشراكة الوطنية، يجب أن يُطاع. وهو قال قوله في وجوب حصول الاستحقاق في موعده ضمن الدستور. وقال قوله في انّ النصاب القانوني لا يناقش بل يجب تأمينه.
ويعني خامساً أن الرئيس الماروني المقبل، بما هو رمز لموقع المسيحيين في الشراكة، يجب أن يخرج من عباءة البطريرك، أي أن يكون في خطّ الكنيسة اللبنانيّة والكرسي الرسولي.
وأن يكونَ الرئيس المارونّي المقبل خارجاً من عباءة البطريرك، يعني أن يكون إستقلالياً "في العظم" وأن يكون ملتزماً تفعيل دور المسيحيين لا تهميشهم وتهجيرهم، وأن يكون مؤمناً بالشراكة لا بالثنائيّات، وأن يكونَ ذا رؤية الى لبنان متطور في محيطه، وصاحب نظرة الى كيفية تجديد الدور اللبناني في الشرق الأوسط المتجدّد.. أي أن يكونَ متفاعلاً مع نظرة البابا الى دور مسيحيي لبنان والشرق.
"الأمر له"... فاتبعوه
انّ ما تقدّم الحديث فيه، يهدفُ الى القول انّ زيارة البطريرك الى البابا بنيدكتوس تكتسب بعداً "استراتيجياً" بالفعل، وإنها لذلك تفتتح مرحلة لبنانية جديدة.
الأمر للبطريرك. وهو المرجعيّة المسيحيّة اللبنانية الإستقلالية العربية. وهو "الواجهة" الشرعية المؤهلة للنطق باسم المسيحيين وموقعهم ودورهم.
وإذا كان بعض الفرقاء ممن هم في ما يسمّى "المعارضة"، اعتقدوا انهم يستطيعون "أخذ" المسيحيين خارج لبنانيتهم وعروبتهم المنفتحة في غفلة من الزمن وبرضى "مهووس رئاسي"، فإنّ عليهم أن يعيدوا حساباتهم.
فالبطريرك في مقدم الصفوف. ولن يسمح المسيحيون لشخص ان يجرّهم الى حيث يخسرون وجودهم.. ولبنانهم.
وعندما يكون البطريرك في مقدم الصفوف أو حين "يعود" اليها، تعود الشراكة الوطنية الى فاعليتها، أي الى توازنها. وحتى حركة 14 آذار الاستقلالية تعود الى بريقها مع مدى فاتيكانيّ أرحب أكثر بكثير هذه المرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00