8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الإجماعات الوطنية "السابقة" وحدها تشكّل المدخل إلى الحلّ

لن ينقضي شهر أيار إلا وتكون المحكمة الدولية قد أقرّت في الأمم المتحدة. فمجلس الأمن يشرعُ اعتباراً من غدٍ في مناقشة تقرير الأمين العام بان كي مون المتضمن حصيلة زيارته إلى دمشق وحصيلة لقاءات مستشاره القانوني نيكولا ميشال في بيروت، والمتضمن أيضاً عرضاً للمعطيات التي أعاقت إقرار اتفاقية التعاون بين الحكومة اللبنانية والمنظمة الدولية في المجلس النيابي.
المحكمة بنظامها القائم تحت الفصل السابع
وبحسب مصادر ديبلوماسية مطّلعة فإنّ توقيت صدور قرار المحكمة في مجلس الأمن يتزامن مع انتهاء العقد العادي لمجلس النواب نهاية أيار، الأمر الذي يعني أنّ المجتمع الدولي لا يزال يعطي لإقرار المحكمة في مجلس النواب فرصة إضافية. لكنّ مجلس الأمن أعدّ نفسه لاتخاذ قرار دولي "ينهي" هذه المسألة.
وعلى ما يبدو، ودائماً بحسب المصادر الديبلوماسية المطلعة، فإنّ المداولات بين الدول الأعضاء في مجلس الأمن تأخذ في الاعتبار ثلاثة أمور رئيسية.
الأول هو أنّ نظام المحكمة الذي كان يفترضُ بمجلس النواب اللبناني التصديق عليه، قد خضع خلال فترة عام تقريباً لمناقشات وتعديلات حتى جاء في صيغته وبنوده الراهنة. والثاني هو أنّ هذا النظام يحظى بموافقة مجلس الأمن، ما جعل التوقيع عليه من جانب الأمم المتحدة منطلقاً من هذه الموافقة. أما الأمر الثالث، فهو أنّ القرارات التي اتخذها مجلس الأمن سواء ما يتعلّق بالتحقيق الدولي أو ما يتعلّق بقبول طلب لبنان تشكيل محكمة ذات طابع دولي، إنما تقع جميعاً تحت الفصل السابع. وفي النتيجة، من الواضح أنّ القرار الدولي العتيد سوف يتبنى النظام المتفق عليه كما هو الآن، ويضعه تحت الفصل السابع.
الأزمة الإيرانية ـ الدولية: اتجاهاتها في حزيران
هذا في شهر أيار الجاري. بيد أنّ ثمّة استحقاقاً إقليمياً ـ دولياً آخر بين حزيران وتموز المقبلين.
وذلك الاستحقاق الإقليمي ـ الدولي "الآخر"، هو المتعلّق بمآل الأزمة الإيرانية ـ الأميركية ـ الدولية، أي بمستقبل العلاقة بين إيران والمجتمع الدولي، على خلفية الملف النووي الإيراني من ناحية ومختلف الملفات الإقليمية التي تنخرط فيها إيران من ناحية ثانية. والمعنى هنا، أنّ مصير هذه المسائل كافة يُفترض أن يتقرّر بين حزيران وتموز، وسيُعرف خلال هذين الشهرين ما إذا كانت الأوضاع متّجهة نحو "المواجهة" أو ما إذا كانت ذاهبةً إلى تسوية ما.
ما ردّ الفعل على إقرار المحكمة دولياً؟
إنّ ما تقدّم الحديث بشأنه يهدف إلى القول انّ الوضع اللبناني مقيم على تقاطع بين استحقاقَين: المحكمة الدولية في مجلس الأمن من جهة و"المسألة الإيرانية" إقليمياً ودولياً من جهة أخرى.
منطقياً، من المُفترض أن يعني إقرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن أنّ المحكمة باتت خارج بنود الأزمة اللبنانية الداخلية بما أنْ ليس هناك احتمال إسمه اللامحكمة. ومنطقياً، من المُفترض أن يشكّل إقرار المحكمة في مجلس الأمن حلاً لعدد من الفرقاء من الحرج، إذا كان الافتراضُ الأصلي أنّ بعض الفرقاء متحرّج من إقرارها حيال تحالفه مع دمشق، وإذا كان الافتراضُ الأصليّ أنّ هذا البعض من الفرقاء يرغب في القول للنظام السوري أنّه بذل ما في وسعه في هذا المجال لكنّه لم "يُوفَّق". ومنطقياً أيضاً، من المفترض أنّ إقرار المحكمة في مجلس الأمن يعني أن أيّ أفق لم يعد موجوداً لا لتأخير المحكمة ولا لـ"إسقاطها"، لأنّ المحكمة ستكون واقعاً سياسياً قائماً.
غير أنّ من الضروري الانتباه إلى أنّه إذا كان كلّ ما سبق ذكرُه منطقياً، فليس صحيحاً في التقدير السياسي استبعاد "اللامنطق" بالمطلق. والمقصود بـ"اللامنطق" هو أن يقوم النظام السوري بـ"تنظيم" ردّ فعل على إقرار المحكمة، يهدفُ في "السياسة" أيّاً تكن وسائله "الأمنية" إلى تخريب الوضع اللبناني وإدخاله في الفوضى على أنواعها. وإذا كان بعضُ المراقبين يرى أنّ الصوت المرتفع حالياً من جانب حلفاء النظام في دمشق أو بعضهم ضدّ إقرار المحكمة في مجلس الأمن ليس سوى بهدف القول لهذا النظام "إننا قمنا بواجبنا حتى اللحظة الأخيرة"، فإنّ عدداً آخر من المراقبين لا يستبعد أن ينتظم حلفاء النظام السوري في ردّ الفعل على إقرار المحكمة الدولية بما أنّ ما يجمع بينهم، "مشروع" لإسقاط السلطة والدولة معاً.
"حزب الله" وإدارة الأزمة على إيقاع المسألة الإيرانية
ويتعزّز هذا الاعتقاد من معطى لم يكن قليل الوضوح في الفترة السابقة. فليس خافياً أنّ "حزب الله" وهو العمود الفقري لتحالف ما يسمّى "المعارضة"، انّما "يراقب" المسألة الإيرانية ويبدو أنّه قرّر السير على إيقاع تطوّراتها. والمعنى أنّ "حزب الله" قرّر منذ مدة إبقاء الأزمة اللبنانية "معلّقة" إلى حين إتضاح الوجهة التي ستسلكها العلاقة الإيرانية ـ الأميركية ـ الدولية مواجهةً أو تسوية، وأنّ الحزب غير مستعدّ للدخول في ما يتجاوز "إدارة الأزمة" في هذه الفترة الانتقالية.
وعلى هذا الأساس، لا افتئات على الواقع و"المنطق" في القول أنّ بين أيار وتموز ثلاثة أشهر على الأقلّ من المراوحة الخطيرة من ضمن الأزمة. فكيف إذا سارت "المسألة الإيرانية" في وجهة تصادمية ممّا يدخل "حزب الله" ولبنان في إطارها؟ وكيف إذا كان نظام الأسد يبني حساباته على الرهان على "المسألة الإيرانية" هذه.
"اللوحة" الآنفة تفيدُ أنّ الأزمة مفتوحة لشهور، وأنّ الاستحقاق الرئاسي "مظلّل" بهذه الأزمة. وهذا الاستنتاج السياسي ينبغي ألا يغيب عن الأذهان، وأن يبقى في خلفية القراءات والتحاليل السياسية.
المواقف من الجريمة بين 14 آذار و"المعارضة"
خلال الأسبوع الماضي، وعلى وقع جريمة خطف وقتل الشهيدين زياد قبلان وزياد الغندور، صدرت مواقف تعكسُ التهيّب من الفتنة. نجح وليد جنبلاط في استيعاب الوضع الذي كان مخططاً له مخابراتياً أن ينفجر. وأعلن فريقان أساسيان من "المعارضة" هما "حزب الله" و"أمل" مواقف استنكارية للجريمة. لكن، فيما اعتبر جنبلاط وفريق 14 آذار مجتمعاً أنّ "استيعاب" الفتنة يمكن ـ ويجب ـ أن يؤسس لمرحلة جديدة تنفتح خلالها أبواب معالجة الأزمة، اكتفى "حزب الله" بـ"الشكليّات" وتمسّك بمقاربته السياسية ـ العملية نفسها، لا بل بدا ـ قياساً إلى الجريمة ـ انه يبخل على اللبنانيين في إعطائهم أملاً معيّناً.
وإذ أصرّ على الدولة ملاذاً للبنانيين، لم يتردّد وليد جنبلاط في الدعوة إلى معاودة الحوار حيث توقف في تموز 2006. الوزير غازي العريضي رأى أنّ ما حدث لا بدّ أن يشكّل مناسبةً أمام الرئيس نبيه بري كي يجدّد الدعوة إلى التئام "طاولة" الحوار. وقد يلتقي جنبلاط بري في الأيام القريبة المقبلة للبحث في هذه الإمكانية.
قبل الجريمة وبعدها، أطلق رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة موقفاً كبيراً، حيث أكد أنّ المدخل إلى حلّ الأزمة يكون بالتوافق على السياسات لتقوم "حكومة وحدة وطنية"، وعندئذٍ "لا يعود العدد مهماً".
السنيورة واقتراحه "التوافق على السياسات"
حتى الآن، لم تلقَ مواقف السنيورة وجنبلاط، كما مواقف سعد الحريري في الاتجاه نفسه، صدىً سياسياً.
والحال أنّ "ربط" هذه المواقف بعضها ببعض، يعني أن حركة 14 آذار تريد فعلاً الانتقال إلى حلّ الأزمة سياسياً وإخراج البحث نهائياً من دائرة "العدد"، وأن تثبت انّ إقرار المحكمة لا يدفعها إلى الاستقواء.
وأكثر من ذلك، فإنّ التوافق على السياسات كما يقول الرئيس السنيورة "ممكن"، إذا أعيد إستحضار الإجماعات السابقة، أي الإجماعات الوطنية قبل "اندلاع" الأزمة.
الإجماعات الوطنية: مقررات الحوار والنقاط السبع
مقرّرات "مؤتمر الحوار الوطني" بين آذار وتموز 2006 حول العلاقات اللبنانية ـ السورية في أوجهها المختلفة وحول السلاح خارج المخيّمات الفلسطينية، اتخذت بالإجماع. و"النقاط السبع" التي أدارت الحكومة على أساسها المفاوضات مع المجتمع الدولي أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان، كانت بإجماع مجلس الوزراء وبمشاركة الوزراء المستقيلين اليوم والذين لم يكونوا مستقيلين في حينها، كما كانت ـ أي النقاط السبع ـ محطّ تفاهم بين الرئيسين بري والسنيورة. والموافقة على القرار الدولي 1701 تمّت بإجماع مجلس الوزراء "مكتملاً". و"باريس ـ 3" خلا بعض التفاصيل كان بشأنه إجماع أيضاً.
من هنا، فإنّ السؤال المطروح هو: ما الذي يمنع "المعارضة" من تجديد الموافقة على الإجماعات السابقة، وعلى أن تشكّل هذه الإجماعات البيان الوزاري لـ"حكومة وحدة وطنية"؟. أما السؤال الآخر فهو: إذا كان ثمّة تراجع عن هذه الإجماعات فما هي البدائل ولماذا تستمر "المعارضة" في تعطيل المؤسسات ولماذا لا تترك الصراع السياسي يأخذ طابعه السلميّ الديموقراطي.. وداخل المؤسسات أيضاً؟
المانع سوريّ وخطّة "الحكومة الثانية"
في الجواب عن الأسئلة الآنفة، وفي ظلّ رفض "المعارضة" الاقتراب من المضامين السياسية، ورفضها التجاوب مع المبادرات جميعاً، يمكن القول أنّ المانع إثنان: "المشروع السوريّ التخريبيّ أولاً والقرار بإبقاء الأزمة معلّقة ومفتوحة على إيقاع إقليمي ـ إيراني من جانب "حزب الله" ثانياً. وكلّ ذلك يشيرُ إلى أنّ أي "محاولة" للرئيس بري في اتجاه حواري ما ستكون مطوّقة.
على انّ ما لا بدّ من تسليط الضوء عليه في سياق الإشارة إلى ما يمنع "حزب الله" و"المعارضة" من التجاوب مع المبادرات الانفتاحية هو أنّ "المشروع السوري" لإسقاط السلطة وإدخال الدولة في الفراغ والفوضى، لا يزال ملحّاً على حلفائه.
لم يعُد سرّاً انّ النظام السوري، لا يريد للاستحقاق الرئاسي أن يحصل في سياق طبيعي. ولم يعُد سرّاً انّ إميل لحود مكلّف تنفيذ التعطيل وبطريقة غير دستورية.
فـ"الخطّة" موضوعة: يُصدر لحود قبل إنتهاء ولايته أي في الأيام الأخيرة منها مرسوماً غير دستوري يعتبرُ حكومة الرئيس السنيورة غير شرعية، ويصدر مرسوماً آخر غير دستوري أيضاً بالدعوة إلى استشارات نيابية لتكليف رئيس الحكومة، ويصدر بعد ذلك مرسوماً بالتكليف، وفي ذهنه ألا تذهب الحكومة التي يؤلفها مع المكلّف إلى المجلس النيابي لنيل الثقة.. لكن ينشأ أمرٌ واقع بحكومتين.
بطبيعة الحال، إنّ القول أنّ ما يخطط له النظام السوري مع "أعوانه" مكشوف، هو للتنبيه من خطورة ما يدفع باتجاهه. بيد أنّ الأساس هو القول أنّ البلاد لا تزال في دائرة الخطر الشديد بالرغم ممّا أظهرته الأيام القليلة الماضية من تهيّب أمام "مشروع الفتنة"، وأنّ الأيام المقبلة تضع فرقاء "المعارضة" أمام المحكّ.
فهل سيكون على اللبنانيين تحمّل شهور إضافية من الأزمة بكلّ احتمالاتها؟. الجواب عند "حزب الله" أولاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00