8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المحكّ الفعلي هو الخروج من الشارع

لا جدال في انّ جريمة خطف وقتل الشاب زياد قبلان والطفل زياد غندور، أحدثت صدمة كبيرة، ليس فقط على مستوى المجتمع السياسي، بل على مستوى المجتمع الأهلي أساساً.
الجريمة تتحدّى نظام القيم
فالجريمةُ شكّلت ذروة تحدّي نظام القيم في لبنان. طبعاً انّ الجريمة جريمة ولا "تفضيل" لواحدة على أخرى. والإرهاب إرهاب ولا تمييز بين واحد وآخر. بيد انّ خطف طفل في الثانية عشرة من عمره وتنفيذ حكم بإعدامه، كانا خرقاً فاضحاً لـ"القيم" والأخلاق. وإذا كان صحيحاً بالفعل ان أطفالاً قتلوا خلال الحرب الأهلية في لبنان، فالصحيح انّهم قتلوا في القصف أو في عمليات ميليشياوية عسكرية، أي انّه حتى خلال الحرب الأهلية لم يخطف طفل لينفّذ فيه حكم بالإعدام.
وعليه، فانّ الجريمة خطفاً وقتلاً، لم تُعِد اللبنانيين إلى ذاكرة الحرب الأهلية وصورها البشعة وحسب، لكنها قدّمت لهم صورة أشدّ قباحة أحدثت صدمة وذهولاً.
وإلى حد كبير، وفي ما يتجاوز المواقف السياسية أي مواقف الأطراف السياسيين، يمكن القول انّ ردود الفعل "الشعبية" على الجريمة والتي جاءت "منضبطة"، أتت تفيدُ انّ ثمة تهيّباً في جميع البيئات من عودة شبح الحرب الأهلية ومن الانزلاق إلى هذه الحرب. وأكثر من ذلك، يمكن القول انّ "التهيّب" لم يُلاحظ فقط لدى البيئة التي استهدفتها الجريمة، بل كان سهلاً ملاحظتها لدى البيئة التي كان يمكن أن تكون هدفاً لردود الفعل "الثأرية".
التهيّب أهلياً وسياسياً
إذاً، أوجدت الجريمة حالاً من "التضامن المجتمعي" إذا جاز التعبير.
وإذا كان ممّا لا شكّ فيه انّ المواقف السياسية حيال الجريمة الفظيعة عكست وعياً لدى معظم الأطراف لخطورة الفعل وردّ الفعل، وعكست تهيّباً من ردّ الفعل أيضاً، فممّا لا شك فيه في الوقت نفسه انّ المواقف السياسية كانت معنية بأن تأخذ في الاعتبار انّ ثمة تهيّباً على المستوى الشعبي ـ الأهلي.
بعد الجريمة، اتّحد الموقف السياسي بالموقف الشعبي ـ الأهلي، ما أنتج انضباطاً. وظهر بوضوح انّ الحرب الأهلية ليست "شعبية" في جميع البيئات في لبنان، أي انّ "خيار" الحرب الأهلية ليس "شعبياً".
14 آذار تؤكد على الدولة و8 آذار يستنكر الجريمة
لكن، هل يمكن الجزم بانّ لبنان أصبح عصياً على الحرب الأهلية؟ وهل يمكنُ القول انّ ما ظهر أهلياً وسياسياً في ضوء الجريمة وفي أعقاب نتيجتها المأسوية، يشكّل ضمانة "نهائية" من الانزلاق نحو حرب أهلية؟
من أجل الجواب عن هذين السؤالين وغيرهما، سيكون مهمّاً جداً التوقف أمام عددٍ من المعطيات السياسية الرئيسية.
بدايةً، لا بدّ من القول انّه بالرغم من "المشترك" بين خطاب قادة 14 آذار وخطاب فاعليات رئيسية من 8 آذار، والمتجسّد في استنكار الجريمة وإدانتها والمطالبة بسوق فاعليها إلى العدالة، فانّ "المشترك" يقف هنا فقط. ذلك انّ خطاب 14 آذار دعا إلى الاعتبار من الجريمة وأكد على الدولة ودورها، فيما خلا الخطاب الآخر تماماً من هذه "الإشارة".
كذلك، لا بدّ من القول انّه فيما "يبدو" انّ خطاب 14 آذار يحتملُ الرغبة في التأسيس على التهيّب السياسي والأهلي من الحرب الأهلية لـ"نوع" من الانفتاح السياسي بأفق مستقبلي، فانّ الفريق الآخر بدا معنياً بـ"اللحظة" المباشرة فقط.
جنبلاط يعكس موقف رفض الإستدراج
إلى الفتنة
على انّ أهمّ ما "يجب" التوقّف عنده في هذا الإطار، هو الآتي:
لقد فهم فريق 8 آذار خطأ التهدئة في خطاب 14 آذار، لا سيما ما عبّر عنه زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري، وبشكل خاص خطاب زعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط.
لا حاجة إلى إعادة التذكير بمواقف الحريري وجنبلاط وغيرهما من أركان حركة 14 آذار في ظروف "متقاربة" كما في يومي 23 و25 كانون الثاني الماضي تأكيداً على رفض الفتنة.
غير انّ ما "استوقف" البعض في فريق 8 آذار، هو انّ وليد جنبلاط قام بحركة استثنائية على الأرض من أجل تهدئة النفوس، بالتزامن مع خطابه المشدّد على مرجعية الدولة. وفيما استحقّ أداء جنبلاط الثناء السياسي والشعبي إذ بدا واضحاً انّه عامل على تطويق الفتنة بكلّ ما أوتي من قوة، اعتبر بعض الفريق الآخر انّ ما حصل وضع جنبلاط في موقع "الخوف" السياسي.
بكلامٍ آخر، أخذ هذا البعض على جنبلاط حكمته ورفضه القاطع للفتنة وانتصاره على محاولات إستدراجه والبلد إلى الحرب الأهلية، ليعتبروا ذلك كلّه دليل خوف.. وضعف. والحال انّ الحكيم والوطني والمسؤول عن أرواح الناس، يخاف فعلاً من الفتنة، وانّ الخوف عقلٌ، وانّ جنبلاط من السياسيين الذين يقيمون وزناً لـ"الناس" في عملهم السياسي.
معاني تريّث جنبلاط في الاتهام
واستوقف هذا البعض أيضاً، انّ وليد جنبلاط "تحديداً"، لم يبادر هذه المرّة إلى توجيه اتهام سياسي في المسؤولية عن جريمة الخطف والقتل، فراح هذا البعض يؤكد صحّة رفضه هو للاتهامات في الجرائم السابقة.
والحال انّ جنبلاط الذي يرفض الإستدراج إلى الفتنة، حاول في مواقفه السياسية أن "يحيّد" جهات داخلية عن الجريمة حتى لو عاد وتبيّن لاحقاً انّ للبعض علاقة ما بها، ذلك انّ من يريد إجتناب الفتنة لا يمكن أن يقع في خطابه في فخّ من هذا النوع. كذلك، فانّ جنبلاط الذي يرفض الإستدراج، حاول إنطلاقاً من فظاعة الجريمة أن "يأتي" بالجهات الداخلية كافة إلى "مكان لبناني" أي إلى حيث المجتمع الأهلي اللبناني برمّته ضدّ الحرب الأهلية. والمقصود هنا بالضبط "تظهير" حقيقة انّ الجريمة من صنع إستخباراتي أياً تكن أدوات التنفيذ. والحال أيضاً انّ جنبلاط الذي يعرف انّ جريمة قتل المواطن عدنان شمص في 25 كانون الثاني نفّذها ومثّلها "سوري" مجنّد مخابراتياً، يعرف كذلك انّ الجريمة الأخيرة نفّذتها جهة استخباراتية وهو متأكد انّ الخيوط الموجودة لدى الأجهزة الأمنية والقضائية ستقود إلى كشف المجرمين. والتريّث الجنبلاطي في الاتهام، نابع من الحرص على ألا يقوم "المجرم الحقيقي" بـ"تفليت" شبكاته المختلفة، ومنها شبكاته "القاعدية" في محاولة لـ"التنصّل" من جهة ولإغراق البلد في "العنف" على أنواعه من جهة أخرى.
والأهم من كلّ ذلك انّ وليد جنبلاط الذي لم يشأ الاتهام، ودعا إلى الإحتكام إلى الدولة وأجهزتها، يعلمُ انّه مستهدف. ويعلم انّه "المقصود" بالجريمة. ويعرفُ انّ المطلوب إستدراجُه. ويعرفُ لكل ذلك انّ الجريمة "سياسية"، انها جريمة إرهابية ضدّ الإنسانية والطفولة بهدف تفجير الوضع اللبناني.
إذاً، وتأسيساً على ما تقدّم، يمكن القول انّ ما يبدو "جديداً" في أداء جنبلاط ناجمٌ عن "الجديد" في الإجرام والإرهاب أولاً وعن "استحقاق" انّ ثمّة نيّة تفجيرية لدى من نفّذ الجريمة ثانياً وعن رغبة لدى رئيس "اللقاء الديموقراطي" في التأسيس لمحاولة جديدة تفكّ الفريق الآخر عن مشروع التفجير وتدفعه إلى أخذ ما يريده "الناس" ضدّ الفتنة في الحساب ثالثاً.
من هنا، فانّ ما قد يراه فريق 8 آذار ضعفاً في خطاب جنبلاط وأدائه، هو في واقع الأمر تعقّل في مواجهة الإجرام والإرهاب، وقوّة من أجل فتح "نافذة"، أي انّ جنبلاط يفتح المجال أمام من يرغب في المبادرة. هذا في وقت من الواضح انّ الفريق الآخر يتصرّف بمنطق "اللحظة".
الشارع فتنة والخروج منه هو الحلّ
والآن، في ضوء المعطيات الآنفة ومن ضمنها الوضع الشعبي ـ الأهلي، ومن ضمنها الخطأ في تقدير الفريق الآخر للمواقف، "ينبغي" التأكيد على أمرين رئيسيين.
الأول، هو انّ من قرّر تنفيذ جريمة الخطف والقتل، انّما إستغل إلى أقصى الحدود ما قام به تحالفُ ما يسمّى "المعارضة" خلال الشهور الطويلة المنصرمة من نقلٍ للصراع السياسي إلى الشارع، ومن نقلٍ للأزمة خارج المؤسسات.
وواقع الأمر انّ الانتقال إلى الشارع لم يعطِ "المعارضة" أفضلية شعبية ـ سياسية، ولم يعطِها مكاسب ولم يمنحها فرصة تحقيق أي "انتصار". وعلى العكس، فانّ الشارع قاد إلى "بروفة" حرب أهلية في كانون الثاني الفائت، وقاد إلى ارتفاع منسوب التوتير والتحريض، وها هو اليوم يجعلُ الإجرام يستغلّه، ولا يجعل أي بيئة في منأى عن الاستهداف.
لذلك، فانّ محكّ إستيعاب "التحالف المعارض" لمعاني الجريمة الأخيرة وأبعادها، ومحكّ الفهم الصحيح لما قاله قادة 14 آذار وجنبلاط بشكل رئيسي، هو مسارعة هذا "التحالف" أي الطرف الأكثر تأثيراً فيه، أي "حزب الله" إلى إعلان نهاية مرحلة النزول إلى الشارع، والخروج منه تالياً وإلغاء كلّ أدواته ووسائله، وإبداء الاستعداد للعودة إلى المؤسسات.. وإلى الحوار.
14 آذار والحوار
أما الأمر الثاني، فهو انّ فريق 14 آذار في المقابل لا بدّ أن يكون مستعدّاً للعودة إلى الحوار. فأن تكون المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قد أصبحت في عهدة الأمم المتحدة، أمرٌ لا يلغي حقيقة انّ ثمة الكثير من العناوين التي لا بدّ من الحوار بشأنها. فحتى لو تبيّن انّ التوصل إلى تفاهمات حول العناوين متعذّر في الظرف المحلي ـ الإقليمي ـ الدولي الراهن، يكون الاحتفاظ بالطابع السلمي الديموقراطي للصراع السياسي هو الخيار، وتكون المؤسسات هي الملاذ.
هكذا إذاً يجب أن تتم قراءة جنبلاط خطاباً وأداءً، إذ يفتح الباب أمام فرصة لتجنّب الإنفجار، محتفظاً ومعه سائر قادة 14 آذار بالتوجهات المعروفة تأكيداً على الاستقلال ودولة الاستقلال. وهكذا يتم قطع الطريق على جرائم أخرى، لا ضمانة في ألا يجدّد النظام المخابراتي إقترافها. لا ضمانة لان هذا النظام يعتبرُ انّ التفجير سلاحه الأساسي.. والوحيد.
في الجواب عن السؤال: هل يمكن القول انّ ردّ الفعل الشعبي ـ الأهلي مقروناً بردّ الفعل السياسي على الجريمة يعني انّ لبنان بات عصياً على الحرب الأهلية؟، لا مفرّ من القول انّ ثمة "لحظة استعصاء" مهمّة يجب عدم تفويتها لأن هذا الاستعصاء سيكون مستهدفاً بـ"التسديد" عليه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00