خلال الأيام الماضية، إنهارت دفعة واحدة "منظومة" دفاعات النظام السوري ضد المحكمة الدولية. ومن الواضح انّ نظام بشار الأسد كان طلب من حلفائه وأتباعه في لبنان تعطيل إقرار نظام المحكمة في المجلس النيابي، لقاء "وعد" بأن المحكمة لن تسلك درب الإقرار في مجلس الأمن لأن روسيا ستستخدم الفيتو، وبأن المحكمة سوف تُدفَن "إلى الأبد".
نفّذ الحلفاء والأتباع التعليمات. فبعد أن أقدم الوزراء على الاستقالة من الحكومة عشية جلسة مجلس الوزراء المخصصة لدرس الاتفاقية مع الأمم المتحدة في هذا الموضوع، تولّى تحالف ما يسمى "المعارضة" تعطيل مجلس النواب. لم يسمع هؤلاء النصيحة الحقيقية التي أسدتها الأكثرية اليهم بأن سد أبواب إقرار المحكمة ضمن الأطر الدستورية اللبنانية سينقل المسألة إلى التدويل. لم يسمعوا لأن النظام السوري "بَلَفَهُم" بالموقف الروسي.
"البَلفة السورية".. ومواقف سلطانوف
قام نائب وزير الخارجية الروسي الكسندر سلطانوف بزيارة العاصمة السورية الأسبوع الماضي. ومن دمشق، شدد على أهمية "التمسك بالقرارات الدولية". وبالمناسبة، فإن القرارات الدولية حول لبنان لم تُواجَه بأي فيتو روسي، لا بل إن القرارات المتصلة بالتحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري منذ تشكيل لجنة التحقيق بموجب القرار 1595 وصولاً الى نظام المحكمة مُتَّخذة بالإجماع. وحده القرار 1559 امتنعت روسيا عن التصويت عليه. وفي دمشق أيضاً أبلغ سلطانوف المسؤولين في النظام أن بلاده لن تستخدم الفيتو لدى بحث إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع وانّ أقصى ما يمكن ان تلجأ إليه هو الامتناع.
لا أحد يمكنه أن يعرف "الآن" رد فعل "الحلفاء" على "البلفة" السورية. ربما ما كان بعضهم لـ"يقاتل" حتى الطلقة الأخيرة منعاً لإقرار المحكمة في المجلس النيابي "لو" كان يعرف ان الوعد السوري سراب. وربما كان بعضهم يفضّل ان تُقرّ المحكمة هنا في لبنان منسوبةً الى الفصل السادس بدلاً من ان تُقرّ تحت الفصل السابع. وربما ما كان الرئيس نبيه بري لـ"يحرُق" نفسَه ودوره وموقعه.
"من جرب المجرّب" وتجربة الـ 1559
بيْد أن هؤلاء جميعاً ملامون. ذلك أن "من جرّب المجرّب كان عقلُه مخرّباً".
بكلام آخر، ليست المرة الأولى التي يخطئ نظام الأسد في تقدير الموقف. ألم يمضِ هذا النظام في التمديد لأداتة إميل لحود بالرغم من معرفته المسبقة بأن ثمة موقفاً دولياً يعارض هذه الخطوة ويعتبرها اعتداءً على اللبنانيين ومؤسساتهم فيما كانت أكثرية اللبنانيين تعارض التمديد بشدة؟ ألم يراهن هذا النظام على ان القرار 1559 لن يصدر بسبب فيتو روسي وآخر صيني؟ ألم يكن يتوقع أيضاً أن يكون الموقف الإسباني معترضاً؟
ثم بعد صدور القرار 1559، ألم يُعلن النظام على لسان "كبير مهندسي" سياسته الخارجية آنذاك فاروق الشرع أن "سوريا غير معنية بهذا القرار"؟. وماذا كانت النتيجة؟ ألم يسحب النظام جيشه وأجهزته من لبنان "بموجب القرار 1559" كما أعلن رأس النظام بشار الأسد بنفسه في 5 آذار 2005؟
في هذه الأيام يكرر النظام السوري السيناريو نفسه. يعتمد على حلفائه في لبنان لـ"تخريب" مسار إقرار المحكمة، ويخطئ في تقدير الموقف الدولي وحساباته وتوازناته ويراهن على "سراب فيتو" روسي... ويعلن انه غير معني بالمحكمة!
بان كي مون وميشال: إلى الفصل السابع
ما أشبهَ اليوم بالأمس. بأي معنى؟
خلال فترة زمنية "لن" تتجاوز الشهر سيُصدِر مجلس الأمن قراراً بإنشاء المحكمة الدولية تحت الفصل السابع. زيارة المستشار القانوني للأمم المتحدة نيكولا ميشال الى بيروت كانت لتوضيح المعاهدة ولتأكيد ان غاية المحكمة "قانونية" وليست "سياسية" أي أن هدفها إعمال القانون والعدالة في مسألة جنائية إرهابية سياسية. وكانت الزيارة للتأكّد مما إذا كانت المؤسسة الدستورية اللبنانية، أي مجلس النواب، عاجزة بالفعل عن إقرار المعاهدة. وزيارة الأمين العام بان كي مون الى دمشق هي أيضاً للاستماع الى "مصدر" التعطيل مباشرة ولـ"تسجيل" موقفه في خانة معوّقات الإقرار.
الزيارتان ليستا لـ"أخذ العلم" بأن المحكمة لن تُبصر النور. هما لـ"الحث" على إقرارها "اختيارياً". لكن مجلس الأمن لن "يستسلم" لهذه النتيجة بالضبط لأن له قرارات يحترمها ويلتزم بها بهذا الشأن.
إذاً، ليس هناك شيء إسمه "طي صفحة المحكمة الدولية". هناك شيء إسمه قرار دولي بإنشاء المحكمة تحت الفصل السابع.
بكلام آخر، في السياسة ستصبح المحكمة بعد أيام قليلة "وراءنا". سيصبح الموضوع واقعاً. لن يعود من معنى لـ"نضال" النظام السوري وحلفائه من أجل منع المحكمة، ولن يعود "النضال" ضد المحكمة مجدياً.
نظام الأسد و"لعبة الوقت" حتى تشكيل المحكمة
ومع ذلك، ثمّة من يعتقد أنّ النظام السوري، حتى بعد صدور قرار دولي بإنشاء المحكمة تحت الفصل السابع، سيواصل "لعبة الوقت" من ناحية والتخريب في لبنان من ناحية ثانية.
و"لعبة الوقت" يُقصَد بها هنا أنّ نظام الأسد سوف يراهن على الفترة الزمنية التي تفصُل بين صدور القرار الدولي بإنشاء المحكمة وبين تشكيل هذه المحكمة عملياً وفعلياً، وهي فترة يقدّرها بشهور طويلة. وخلال هذه الفترة، يراهنُ نظام الأسد أيضاً على تطورات إقليمية تقلُب الحسابات الدولية وتحيل المحكمة إلى موقع ثانوي جداً. وليس خافياً أنّ الرهان السوري هو على مواجهة ما إيرانية ـ أميركية.
لكن ظهره إلى الحائط
هذا الاعتقادُ السابق ليس خاطئاً بـ"المطلق".
لكن، ماذا لو جرى تصوّر المشهد السياسي الآتي: خلال أسابيع قرار دولي بإنشاء المحكمة، وخلال أسابيع أيضاً شروع في تشكيل المحكمة والمباشرة في تعيين المدّعي العام الدولي، وخلال أسابيع أيضاً وأيضاً تقرير عن رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس يقدّم فيه معطيات تحقيقية وإتهامية جديدة؟
ليس في هذا المشهد المُقترح تصوّره أيُّ "خيال"، لا بل هو مشهد واقعي بالفعل، حتى لو تأخرت نسبياً خطوات معيّنة. وهذا يعني انّ النظام السوري الذي "قاتل" مع حلفائه وأتباعه خلال الشهور المنصرمة كي لا تقوم المحكمة الدولية لأن قيامها سيفتح ملف النظام، سيغدو خلال أسابيع في موقع المتّهم بصورة "واضحة" وسيغدو "ملفُّه" مفتوحاً.
هذا الأمر سيكون خلال فترةٍ الجديد في المشهد السياسي العام، أي أنّ وجود "ظهر النظام على الحائط" سيكون عاملاً مضافاً إلى المشهد.
سيقول قائلٌ إنّ النظام السوري عندما سيجد نفسه أمام وضع من هذا النوع، أي عندما يجد انّ مصيره ومستقبله مفتوحان، سيزداد شراسة في لبنان، وقد يفكر بأي شيء لـ"قلب الطاولة". وهذا صحيح بالفعل. بيد أنّ المسألة في السياسة تتجاوز هذه الملاحظة. ذلك أنّ ثمّة فارقاً "استراتيجياً" بين أن يكون النظام معتقداً بإمكانية وجود أفق مفتوح قبل إقرار المحكمة وبين أن يرى أنّ الأفق مسدود بعد إقرارها.
المحكمة والقراران 1701 و1559
وإلى ذلك تضافُ معطيات سياسية "استراتيجية" رئيسية. فثمّة بالإضافة إلى القرار الدولي المنتَظَر بإنشاء المحكمة الدولية، القرار الدولي رقم 1701. وفي هذا القرار الأخير بندٌ يتعلّق بالوضع على الحدود اللبنانية ـ السورية، وهو البندُ الذي استدعى قبل أيام قراراً من مجلس الأمن بإرسال لجنة لتقصّي أوضاع الحدود تمهيداً لقيام المنظمة الدولية بـ"فحص" نتائج هذا التقصّي. كذلك، هناك القرار 1559 الذي لا يزال ساري المفعول، وهذا ما يعنيه وجود المبعوث الدولي تيري رود ـ لارسن في عداد وفد الأمين العام بان كي مون في دمشق، بالرغم من اعتبار لارسن غير مرغوب فيه سوريّاً.
بين القرار بإنشاء المحكمة الدولية وبين القرارين 1701 و1559، من الواضح أنّ النظام السوري "يقاتل" في لبنان، وهو خاسر استراتيجياً سلفاً.
ماذا عن سياسة إيران بعد إقرار المحكمة؟
والآن إذا سأل سائل: هل يسلّم نظام الأسد بهذه الوقائع "طوعاً" و"يتراجع"؟، سيكون الجواب عن هذا السؤال "لا ولكن". لا، لأن لا حدود لرهاناته الخاطئة. ولكن، لأن المعطيات السياسية الاستراتيجية هي على صورة ما تمّ استعراضُه آنفاً.
وإذا كان لا بدّ من إضافة "صغيرة" في هذا المجال، فإنّه يمكن أن يُقال انّ قدرة النظام السوري على القتال "الأخير" تعتمد على إيران. تعتمد على إيران في حال المواجهة الإيرانية ـ الأميركية وفي حال "توحيد" المواجهة. غير أنّ ثمّة سؤالاً يُطرح هو الآتي: من قال إنّ إيران بعد صدور القرار الدولي بإنشاء المحكمة، الذي سيعني لها كما للكثيرين انّ النظام في سوريا بات من عدّة مرحلة سابقة، لن تعتبر هذا المعطى المستجدّ مدخلاً إلى تسوية ما مع أميركا والمجتمع الدولي؟. والسؤال السابق مشتقّ هو نفسه من سؤال آخر هو: من قال أن ليس "داخل" النظام الإيراني وفي بعض مراكز القرار في طهران من هو معترض على سياسات الأسد وعلى الارتباط "الوثيق" به؟.
أسئلة كثيرة في حقيقة الأمر لن تتأخّر الأجوبة عنها في الاتضاح.
البحثُ المُنتهي
لكن، بعد هذه المقدّمات جميعها، ثمّة سؤال "أخير" يُطرح هو: ما الممكن عملُه في لبنان الآن؟
غنيّ عن القول أنّ ثمّة عناوين "انتهت" فعلياً. البحث عن التزامن بين المحكمة الدولية وما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" انتهى. وقد أنهاه "تحالف المعارضة" بنفسه. والبحث في حكومة 19 + 10 + 1 أو 19 + 11 أو غيرهما من الصيغ مُنتهٍ هو أيضاً.
وفي المعنى "العميق" للمعطيات التي جرى استعراضها آنفاً أنّ المحكمة الدولية في طريقها الأخير إلى الخروج من التداول، وانّ النظام السوري يخوض قتاله الأخير مهما كان شرساً ومهما استغرق من وقت.
ولمّا كانت كلّ المعطيات الآنفة تعني شيئاً واحداً هو انّ لبنان ليس خاسراً بالمظلّتين العربية والدولية الممنوحتين له، فإنّ الفرصة متاحة للبحث عن توافق سياسي عام، المقصود به هنا توافقٌ حول الرؤية إلى لبنان وموقعه ودوره، وإلى مجمل الظروف الداخلية والخارجية، وإلى المهام المطروحة على الدولة. وغنيّ عن القول أن لبحثٍ هادف إلى توافق عام مرجعيات لا بدّ من الاستناد إليها وفي مقدّمها اتفاق الطائف.
والبحثُ عن توافق سياسي وطني عام يأخذ المعطيات القائمة في الاعتبار، هو بلا شكّ المدخل الطبيعي إلى الاستحقاق الرئاسي المقبل، كي يجري هذا الاستحقاق في سياق طبيعي.
والبحثُ الممكن
ولعلّ المطلوب اليوم أكثر من أي يوم مضى، ان تصوغ حركة 14 آذار برنامجاً شاملاً يتضمن رؤيتها، وأن يقدّم "التحالف المعارض" رؤيته المقابلة، ليدور البحث بين رؤيَتين وبرنامجين. فإن تعذّر التوافق العام، كان على الجميع الاحتكام إلى المؤسسات بطريقة سلميّة وديموقراطية.. لا بل إنّ الخيار الحقيقي هو أن يكون البحثُ في التوافق العام داخل مؤسسة المجلس النيابي، وأن يكون الحسمُ الديموقراطي داخل هذه المؤسسة أيضاً.
هذا هو المطلوب. لكن شتّان ما بين المطلوب وما بين الواقع. ففي ظلّ ما يُعلن على ألسنة حلفاء النظام السوري، لا يزال من "حُسن الفِطن" توقّع "المشاكل" إلى حين لا يعود نظام الأسد قادراً على "بَلف" حلفائه أو القتال بهم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.