يغلّف التحالف السوري ـ الإيراني ممّا يسمّى "المعارضة" نيّته تعطيل الاستحقاق الرئاسي المقبل بشعار "التوافق". يطرح التوافق على الرئيس المقبل شرطاً لانعقاد جلسة الانتخاب ولتأمين النصاب الذي حدّده بنفسه على قاعدة تفسيره الخاص للدستور.
غدا "التوافق" إذاً عنواناً للتعطيل، ولم يعُد واحداً من مكوّنات العملية السياسية والدستورية "الطبيعية" في البلاد. واللافت في هذا المجال، ان "التحالف المعارض" الداعي الى التوافق حول الرئيس، إنما يتهرّب من البحث عن التوافق بشأن العناوين السياسية ـ الوطنية الكبرى التي تتشكّل منها الأزمة اللبنانية الراهنة. ويكرّر هنا ما قاله حول الحكومة، حيث قام لدى مطالبته بتشكيل ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" بفصل "مشبوه" بين الحكومة المقترحة وبرنامجها السياسي، متحدثاً عن ثلث ضامن ـ معطّل بدلاً من الخوض في العناوين البرنامجية. وها هو اليوم يفصل بين الرئيس و"رؤيته"، بينه وبين دوره المحدّد ميثاقياً ودستورياً.
جعجع والتذكير بموقع الرئاسة المسيحي
إختار رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع أن يردّ على مقولة "التوافق" المسبق حول اسم الرئيس المقبل، فلفت إلى انه إذا كان التوافق يشكّل "قاعدة"، يجب عندئذ أن يكون رئيس مجلس النواب ـ مثلاً ـ توافقياً أيضاً.
طبعاً، غنيّ عن القول انّ ردّ جعجع من طبيعة "تكتيكية" مع انّه صحيح. لكن لا يخفى انّ وراء هذا "التكتيك" قصداً آخر. ذلك انّ جعجع يريد ـ على ما يبدو ـ إعادة التذكير بحقيقة انّ رئيس الجمهورية يمثّل الموقع المسيحي ضمن الشراكة الوطنية، وانّ من حقّ المسيحيين تالياً أن يكونوا "راضين" عمّن يفترض به تمثيلهم في هذا الموقع.
غير انّ ما قاله جعجع لا يختزل النقاش في الجوانب المتعددة من هذا الاستحقاق. فإذا كان صحيحاً بالفعل انّ إنتخاب رئيس الجمهورية يمثّل استحقاقاً مسيحياً ـ مارونياً، فالصحيح "أساساً" انّ الاستحقاق يكتسب هذه المرة بالتحديد معنى لبنانياً استقلالياً عاماً، وينبغي أخذ جملة من الإعتبارات في الحسبان، لدى التعاطي معه.
مارونية الرئيس: موجبات الصيغة
ومقتضيات الدور العربي
فممّا لا شك فيه بداية انّ أطراف حركة 14 آذار غير المسيحيين يتشاركون مع الأطراف المسيحيين في إعتبار الاستحقاق الرئاسي استحقاقاً مسيحياً بـ"امتياز" بالعلاقة مع "معنى" هذا "الموقع". بيد انّ على جميع أطراف 14 آذار أن يتذكّروا باستمرار انّ للرئاسة المارونية في لبنان معنىً ميثاقياً وكيانياً مزودجاً: فمن جهة تمثّل الرئاسة الدور المسيحي ضمن الشراكة الوطنية، لكن من جهة ثانية، فانّ الرئيس اللبناني هو الرئيس المسيحي الوحيد بين الرؤساء في المنطقة العربية. والتشديد على هذه النقطة الأخيرة بالتحديد، يعني انّ رئيس جمهورية لبنان، ماروني من زاوية ضرورات "الصيغة" وموجباتها، لكن كونه مارونياً يدخل في صلب دور لبنان في المنطقة، بما هو كيان "فريد" مؤهل لأداء دور مميّز في منطقته والعالم. وبكلام آخر، انّ مارونية الرئيس هي ميزة ومكسب من وجهة نظر الفرقاء المسلمين ـ في 14 آذار ـ بالصلة مع صيغة لبنان ودوره في آن.
الإنتماء إلى الاستقلال الثاني
ويكتسبُ هذا التحديد لـ"ماهيّة" الرئيس الماروني في هذه المرحلة، أبعاداً مضاعفة من زاويتين رئيسيتين.
الأولى، هي انّ الرئيس الماروني المقبل للجمهورية، لا يمكن في أي حالٍ من الأحوال أن يرمز إلى مرحلة سابقة، أو أن يعني انّ ثمّة مرحلة انتقالية لا تزال مستمرّة بكلّ ما يتداخل فيها من عوامل ومعطيات تفيد انّ لبنان لم يتقدّم في مسيرته الاستقلالية و"الدولتيّة"، ولا يمكن إلا أن يكون منتمياً إلى المرحلة اللبنانية الجديدة التي بدأت مع 14 شباط 2005 تاريخ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأخذت مداها في إنتفاضة الاستقلال التي بدأت في 14 آذار 2005.
..وإلى النظام العربي الواحد
أمّا الزاوية الرئيسية الثانية، فهي انّ في موازاة المرحلة اللبنانية الجديدة، مرحلة عربية جديدة. فبمعنى آخر، تتزامن الولادة الجديدة للاستقلال اللبناني مع ولادة جديدة لـ"النظام العربي"، وهذا معطى أساسي لا يجوز تجاهله.
فقد ترافقت مراحل الاستقلال اللبناني "الأول" مع نظام عربي كان عملياً نظامَين أو أكثر، ومع نظام دولي كان عملياً نظامَين هو أيضاً. وللمرة الأولى منذ عقود ثمّة نظام عربي "واحد" باستراتيجية واحدة، فيه مصلحة لبنانية. فلبنان الذي لعب في مراحل من استقلاله الأول، دوراً "بين" المحاور العربية ودفع أثماناً مباشرة من حركة التمحور العربي، ولبنان الذي "اقتيد" إلى الوصاية السورية نتيجة لإنهيار استقلاله الأول و"دولة" هذا الاستقلال، يحظى اليوم بفرصة وحدة النظام العربي ما يمنحه فرصة دور عربي، يأتي داعماً لاستقلاله "الثاني" ومحرّراً له مِن ضغوط الوضع العربي، وترجمة للإنتماء العربي.
الرئيس الماروني للبنان إذاً، هو في هذه المرحلة الرئيس الميثاقي ـ الدستوري، وهو الرئيس الاستقلالي فعلاً، لكنه أيضاً الرئيس العربي أي الملتزم بالانتماء العربي للبنان والملتزم بـ"معنى" لبنان في إطار النظام والأسرة العربيَين.
بعد إنفراط "الظاهرة" العونية
حيال هذا التحديد، مِن المهمّ بطبيعة الحال أن يجري التأكيد على البُعد المسيحي ـ الماروني للاستحقاق الرئاسي المقبل. بيد انّ هذا التأكيد "يجب" ان يأخذ في الاعتبار ضرورة تجنّب عدد من المحاذير، لا سيّما من جانب القادة المسيحيين في 14 آذار.
ليس خافياً على أحد انّ مسيحيي 14 آذار في الإجمال، "اضطرّوا" في فترة العامَين المنصرمين الى "إثبات" تمثيلهم وصدقه لـ"العصب" المسيحي، من جهة تأكيداً للدور المسيحي الريادي ـ التأسيسي الذي لا جدال فيه في الإستقلال اللبناني الثاني، ومن جهة أخرى لـ"تصويب" المسار السياسي المسيحي الذي كان الجنرال ميشال عون ينحرف به عن أصله مدمراً تراثاً مسيحياً كبيراً. وليس سراً ان هذه المهمة ـ بمختلف مساراتها المعقّدة ـ أفضت الى نتائج ملموسة. فـ "الظاهرة" العونية لم يبقَ منها الا بعض "العظم" أي الكوادر المتحزّبة، وخسرت "الشحم واللحم" أي الرأي العام نتيجة سياسة الجنرال الإلتحاقية بحلفاء النظام السوري ونتيجة تعديل مسيحيي 14 آذار لتوازن القوى مسيحياً في آن.
ولعل دعوة تحالف ما يسمى "المعارضة" الى "التوافق" على الرئيس المقبل، تعكس في أحد جوانبها "إنتهاء" تلك "الظاهرة" وإنتهاء الرهان على دورها.
لذلك فان ثمة حذراً مطلوباً من "المبالغة" في الحاجة الى مواصلة "التعبئة" المسيحية أو في الحاجة الى استمرار "المنافسة" مع عون على "المساحة" المسيحية، لأن واحداً رئيسياً من أسباب فشل الجنرال ليس فقط إخراجه للمسيحيين من تاريخهم بل عدم قدرته على "الوصل" مع الشركاء الآخرين في الوطن.
الخطاب الماروني الجديد
وإذا كان ثمة حذر ضروري في المقابل من "المبالغة" في "الصوت الخفيض" حيال سياسة "المعارضة"، من أجل الاستحقاق الرئاسي نفسه، فان الحذر مطلوب من تصوّر ان ثمة تناقضاً بين "العصب" الماروني من ناحية وبين "التفكير" بإسم "التواصل" المسيحي ـ الإسلامي وبدور لبنان في الإطار العربي من ناحية ثانية.
وبكل وضوح، لا بد من القول ان القياديين المسيحيين الإستقلاليين مطالبون بخطاب مسيحي ـ لبناني ـ عربي مركّب، خاصة في "لحظة" سقوط "الظاهرة" العونية سياسياً، أي سقوط ظاهرة التناقض بين التجييش المسيحي لإستقطاب عطف الشارع وبين إلحاق التمثيل السياسي للمسيحيين بتحالف إقليمي ضد مصلحة إستقلال لبنان. "يجب" أن يقال للمسيحيين بوضوح ان مستقبلهم ومستقبل دورهم في هذه المرحلة اللبنانية ـ العربية ـ الدولية "الجديدة" يتوقفان على انتمائهم الى مشروع لكل اللبنانيين يلعبون في إطاره دوراً طليعياً.
لا معنى لـ "التوافق" المطروح
إلامَ تهدف هذه المقدمات جميعها؟
من نافل القول هنا ان المقصود "تظهيرُه" هو انّ الردّ على شعار "التوافق" المسبق المطروح من جانب التحالف السوري ـ الايراني والمراد به تعطيل الاستحقاق الرئاسي، لا بد أن يكون متكاملاً: الرئيس المقبل المطلوب يمثل الرأي العام المسيحي ويستطيع تمثيله في الشراكة الوطنية، والرئيس المقبل يملك رؤية للشراكة اللبنانية ولترجمة الانتماء العربي للبنان. ومن المعروف ان إحدى نقاط قوة 14 آذار ككلّ ومسيحيي 14 آذار من ضمن الفريق الاستقلالي، هي "العروبة" بمعناها المحدد آنفاً، في وقت يمثل الفريق "المعارض" الخروج على هذه العروبة ومنها.
بيد أن ذلك التشديد على رئيس ذي "عصب" ماروني ولبنانيّ ومتعاون مع العروبة بـ"طبعتها" الحالية، هو، بالعودة الى نقطة الانطلاق أي الى شعار "التوافق"، للتأكيد على انّ هذا "التوافق" خاصة مع إستبعاد "المعارضة" لموضوعاته كافة، غير "منطقي" وغير مقبول من الزاوية الآتية: فاذا كان من تحصيل الحاصل انّ رئيساً يرمز الى المرحلة السابقة لا يمكن أن يكون مقبولاً بعد المتغيّرات اللبنانية والعربية، فمن باب تحصيل الحاصل ان لا وجود لرئيس "حيادي" او لرئيس "بين بين"، ولا معنى للتفتيش عن اسماء أقل "سوءاً" لأن لا مبرّر لتمديد المرحلة الإنتقالية. وبهذا المعنى، فإن الرئيس المقبل "ذو لون وطعم"... وإذا كان لا بدّ من "توافق"، فليكن على قاعدة الاختيار بين "ذوي لون وطعم"، وعلى قاعدة الاتفاق حول الرؤية.
في خط البطريرك
لقد أعلنت الكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك نصر الله بطرس صفير مواقف عديدة خلال السنتين الماضيتين. وكان من بينها مواقف "تاريخية" بالمعنى الدقيق للكلمة. ففي نصوص المجمع البطريركي تحديدٌ للدور المسيحي في إطار الشراكة الوطنية بأفق الدولة المدنية بمرجعية اتفاق الطائف. والنداءات والبيانات الصادرة عن مجلس المطارنة، طرحٌ في معظمها لعناوين إستكمال الإستقلال وقيام الدولة ودور مؤسساتها والعلاقة اللبنانية ـ العربية.
وهنا، أي في هذا السياق، تبرز أهمية دور بكركي في الاستحقاق الرئاسي المقبل. وإذا كانت الكنيسة أعلنت موقفاً حاسماً، تأكيداً على حصول الإستحقاق في موعده الدستوري، وإدانةً مسبقة لأي تعطيل بأي حجة، فانّ "التوصيف" المشار اليه آنفاً للرئيس المقبل، يعني أول ما يعني أن يكون في خط بكركي والبطريرك وحائزاً على بركته لا سيما انّ البطريرك يعبّر أفضل تعبير عن متطلّبات خروج لبنان من المرحلة الانتقالية "القاتلة" تأسيساً لمرحلة جديدة.
مِن هذه المنطلقات جميعاً، لا بدّ أن يحصل الاستحقاق الرئاسي في مواعيده.. وسيحصل.
ومِن هذه المنطلقات، من الواضح انّ مصطلح "التوافق"، مُستخدماً في السياق المعروف والمحدّد سابقاً، سينضمّ إلى سواه من المصطلحات التي ابتدعها "التحالف المعارض" في الشهور الماضية نسفاً لاتفاق الطائف وتعطيلاً للمسار السياسي الدستوري الديموقراطي السلمي.
ومن هذه المنطلقات، على حركة 14 آذار أن تفتح معركة رئاسة الجمهورية، أي أن تبادر إلى فتحها بنقاش يعيد الاعتبار إلى هذا الموقع في الدولة اللبنانية، وبحركة سياسية داخلية وعربية.
لا سبيل إلى مواجهة الابتزاز إلا باستعادة الاستحقاق الرئاسي إلى سياق جدي، ووحده هذا الخيار يمكنه أن يعيد "الفريق الآخر" إلى جادة الصواب إن أراد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.