8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خطة ما بين البقاع وإقليم التفاح

في معلومات ديبلوماسيّة غربيّة انّ الإدارة الأميركيّة استاءت في الآونة الأخيرة من إستقبال "رجل الأعمال" السوريّ المقرّب من النظام في دمشق ابراهيم سليمان في الكنيست، وأبلغت استياءها هذا إلى إسرائيل، طالبةً وقف هذه "الصلة". وأسباب الإستياء الأميركي متعدّدة: منها انّ هذه "الخطوة" تعطي للنظام السوريّ "إيحاء" بإمكان فكّ عزلته، ومنها انّ خطوة من هذا النوع قد تعطيه إشارةً إلى انّ حمايته ممكنة، ومنها انّ نظام الأسد بما انّه لم يعتمد قناة رسميّة للتفاوض، يمكن أن يأخذ من الخطوة "إيجابيّاتها" وأن يتنصّل مِن النتائج. وفي جميع الأحوال، فإنّ الإستياء الأميركي يعني انّ الإدارة في واشنطن ماضية في تشدّدها حيال بشّار الأسد. وتضيف المعلومات انّ الحكومة الإسرائيليّة "فهمت" الموقف الأميركيّ جيّداً.
الإنزعاج الإيراني من موفد دمشق إلى الكنيست
في هذه الأثناء، وبالتوازي مع الإستياء الأميركيّ، ذكرت معلومات مِن مصادر أخرى انّ إيران أبدت إنزعاجاً كبيراً من إيفاد سليمان إلى الكنيست. وتقول هذه المعلومات انّ اجتماعات سوريّة ـ إيرانيّة شارك فيها "حزب الله" تلت تبلّغ الأسد الانزعاج الإيراني "الشديد". وبطبيعة الحال فإنّ للإنزعاج الإيرانيّ أسباباً واعتبارات يقعُ على رأسها رفض طهران للمبادرة العربيّة التي تَجدّد اعتمادُها في قمّة الرياض الأخيرة، فكيفَ تقبل إيران بخطوة سوريّة "دنيا" وهي ترفض المبادرة الشاملة أصلاً؟.
وتفيد المعلومات نفسها انّ النظام السوريّ حاوَل في الاجتماعات الثلاثيّة المذكورة الدفاع عن نفسه تحت عنوان انّه أراد مِن الخطوة "المستنكرة" فتح قناة حماية في وقت يتعرّض لضغوط أميركيّة ـ دوليّة شديدة ولإحتمال تصعيد قويّ، "متسلّحاً" بأنّ إسرائيل واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة حملا باستمرار راية حماية النظام في سوريّا وواجها مشروعاً أميركياً لـ"تغييره".
بقي الجانب الإيرانيّ في الاجتماعات المذكورة "مكشّراً" بالرغم من "التوضيحات" السوريّة. لكن بما انّ "الأساس" هوَ الموقف الإيرانيّ، تعهّد الجانب السوريّ بإصدار توضيح علنيّ جاء في وقت لاحق في صيغة انّ "سليمان لا يمثّل النظام في سوريّا"، وهو "توضيح" لا يتنصّل علناً ممّا حمله "رجل الأعمال" على اعتبار انّ هذا الأخير لم يقُل أصلاً انّه جاء إلى إسرائيل مكلّفاً رسمياً بل أتى إليها عارفاً ومعروفاً. بيدَ انّ أهم ما قرّرته الاجتماعات الثلاثيّة هو أن يتولّى "حزب الله" تباعاً وبالتدريج القصف على المبادرة العربيّة، على اعتبار انّه ليس جهة "رسميّة" مباشَرة.
"حزب الله" ومهمّة "مراشقة" المبادرة العربيّة
سبقَ للنظام الإيرانيّ أن أعلن عدم موافقته على هذه المبادرة بعدَ أن كان الرئيس محمود أحمدي نجاد وافق عليها خلال القمّة بينه وبينَ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز. لكن النظام في طهران لا يرغبُ في أن يتولّى بنفسِه المواجهة مع "النظام العربيّ". ..الآن على الأقل والنظام السوريّ سبقَ له أن وافق على المبادرة خلال مشاركته في قمّة الرياض الأخيرة ولا يستطيع أن يخرج "دفعة واحدة" منها. وفي المناسبة، فإنّ ممثّل النظام السوريّ وليد المعلّم أعطى موافقَته قبلَ يومَين على تكليف مصر والأردن "تسويق" المبادرة العربيّة لدى إسرائيل، ممّا يدلّ على انّ خروج نظام بشّار الأسد مِن المبادرة سيكونُ متدرّجاً، أو بطيئاً على أقلّ تقدير.
في هذا الوضع، ليس إلاّ "حزب الله" مَن يستطيع "المراشقة". لكنّه في خطاب "المراشقة" يتجرّأ على إستثناء النظام السوريّ مِن هجومه على النظام العربيّ وإستراتيجيّته، فيتحدّث عن "معظم النظام العربيّ".. أي انّ "حزب الله" يحاول في آن تغطية نظام الأسد في "ذهابه" إلى إسرائيل وفي "خروجه" المتدرّج من النظام العربيّ!.
تطوّرات إيرانيّة ومرحلة إنتقالية
في غضون ذلك، تفيد معلومات "ثالثة" انّ ثمّة تطوّرات داخل إيران نتجت عنها معطيات رئيسيّة أهمها انّ هناك مرحلة إنتقاليّة في إيران وداخلَ النظام.
وفي ظلّ هذه المرحلة الانتقاليّة، تتنامى إعتراضات مِن جانب "الجناح الإصلاحيّ" والأجنحة الأكثر واقعيّة، وإن كان "نفوذها" ليسَ "كبيراً" لكن في وقت لم تتضح حتى الآن اتجاهات المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي لمعالجة مسائل المرحلة الانتقالية.
وفيما تشير المعلومات الى ان "مجلس الأمن القومي" الذي يرأسه علي لاريجاني يعترض في أحيان كثيرة على بعض السياسة غير الواقعية التي يعبّر عنها نجاد، يقوم الأخير بالتصعيد في الموقفَين السياسيّ والعمليّ بالنسبة إلى "المسألة النووية" من ناحية والدور الإيراني الإقليمي من ناحية أخرى، يعينه على ذلك تقدير ايراني "إجماعي" بأن للضغط الأميركي والدولي حدوداً لن يتجاوزها، وانّ المواقف والقرارات الأميركية والدولية لا تعدو كونها تهويلاً، وانّ إيران لا تواجهُ خطراً عسكرياً فعليّاً، وانّ أيّ عمل عسكري لو حصل بما يخالف هذا التقدير سيكون كارثة على من يقوم به وانّ "التسوية" غير مستحيلة ولو في مدى بعيد جداً.
وثمة معطى هو انّ "حزب الله" في لبنان الذي يرتبط عضوياً بالنظام الإيراني في "حلقة مركزية" هي المرشد ـ الوليّ الفقيه، تنتظم علاقاته الإيرانية مع سائر مراكز النفوذ و"يشترك" في القرارات الايرانية لا سيما تلك المتعلقة بلبنان.
بين النظامين الإيراني والسوري وحساباتهما
ما هي الإستنتاجات مِن هذه المعلومات ـ المعطيات؟
النظام السوري يعتبر انّ "ورقته الإسرائيلية" لم تنجح وانّ أميركا التي أفشلتها تنتظره عند أول "مفرق"، ويعتقد انّ استهدافه أميركياً قد يحصل بـ"إستقلال" عن أمور إقليمية أخرى وقد يحصل في سياق أمور إقليمية أخرى كالمواجهة مع إيران. وعلى ما يبدو، فانّ نظام الأسد لا يرى انّ المبادرة العربية تحميه من جهة وانّ استمراره فيها "يحيّده" عن المشروع الإيراني في المنطقة وعن المواجهة بين طهران وواشنطن إذا حصلت من جهة أخرى.
والنظام الإيراني الذي تؤكد المعلومات الآنفة انّه يجتاز مرحلة انتقالية على مستوى "قواعد اللعبة" فيه، فإذا كان يقدّر أن لا إحتمالات عسكرية وفقاً للمعلومات، فانّه مع ذلك لا يُسقط الاحتمال العسكري كلياً.
بين النظامين السوري والإيراني وحسابات كل منهما وحساباتهما المشتركة، يقف "حزب الله" في لبنان.
وعندما يُقال انّ "حزب الله" يقفُ هنا بالضبط، فمعنى ذلك انّ تعاطيه مع الأزمة اللبنانية المفتوحة، التي يشكّل عاملاً رئيسياً من عواملها ومن عوامل إستمرارها مفتوحة، سيبقى ـ أي تعاطيه ـ مرتبطاً بالوضع الإقليمي، من جانبَيه الإيراني والسوري تحديداً. وفي جميع الأحوال، من الواضح انّ قرار الحزب هو "الانتظار" إلى أن يغلبَ احتمال على آخر في الوضع الإقليمي، ليبني على الشيء مقتضاه.
"البنية" القتالية في البقاع والإقليم
لكن في "الانتظار"، سيبقى الحزب يمارس "التوتير السياسي" الهادف إلى ملء المرحلة الانتظارية.
على انّ هنا أيضاً ثمّة معلومات تتعلّق بمواكبة "حزب الله" للانتظار المشار إليه.
في هذه المعلومات انّ "البنية" القتالية ـ العسكرية ـ التسليحية لحزب الله تتركّز حالياً بشكل رئيسي في منطقة البقاع من جهة وفي منطقة اقليم التفاح شمال الليطاني من جهة أخرى، وانّ الحزب تمكّن من إنجاز "الوصل" المطلوب بين مناطق بقاعية وأخرى جنوبية. ولا تقول المعلومات، كي تكون الأمور واضحة، انّ "حزب الله" أخلى منطقة جنوب الليطاني، في وقتٍ تؤكد المعلومات انّ السلاح موجود في "الداخل" لحسابات أمنية و"أهلية" وانّ هناك تدريبات قائمة على قدم وساق.
تجنّب الإصطدام بالطوارئ جنوباً
وفيها انّ "حزب الله" في ظلّ القرار الدولي 1701 ليس في صدد تحضير نفسه لعمليات عسكرية على "الجبهة الجنوبية" إلا في حال "الاضطرار" الذي يعتبره اضطراراً. وتقول المعلومات انّ الحزب، بما انّ المسألة العسكرية ترتبط بإيران وسوريا، يرغب في تجنّب مواجهة "مباشرة" مع قوات الطوارئ الدولية.. وعلى أرض الجنوب، خاصة انّه لا يريد توسيع جبهة "الأعداء".
وتضيفُ انّ التمركز في البقاع يهدف إلى جعله "جبهة موحّدة" حزب اللّهية ـ سورية، وانّ التمركز الآخر في إقليم التفاح ذو طبيعة "إسنادية".
وتلفت إلى انّ ذلك يعني انّ حرب "حزب الله" هذه المرّة إذا حصلت ستعتمد منطقتَين غير تقليديتين أي خلفيّتين إذا جاز التعبير، لكنه لا يعني انّ المناطق الأخرى ستكون بمنأى، بل ستشكّل بالضرورة "مدى أمنياً" ممّا يطرح أكثر مِن سؤال عن وضع سائر المناطق اللبنانية في هذه الحالة.
"فتحُ" الأزمة و"تعليق" الحلول
من خلال ما تقدّم، تعربُ مصادر المعلومات عن إعتقادها انّ المعلومات نفسها تدعو إلى إستنتاج انّ "حزب الله" يصرّ على إبقاء الحلول للأزمة معلّقة حتّى تنجلي تطورات إقليمية "حاسمة".
وترى انّ كلّ ما جاء في الخطاب السياسي لحزب الله في الآونة الأخيرة خطير، سواء تعلّق بالمحكمة الدولية أو رئاسة الجمهورية أو غيرها من العناوين اللبنانية، بيد انّ الأخطر على الإطلاق هو قصفُه على المبادرة العربية والنظام العربي، بالضبط لانّه يعني إشهاراً للارتباط بمشروع إقليمي "غير عربي".
ومع انّ مصادر المعلومات تميلُ إلى إعتبار انّ "حزب الله" يضع خطّته في إطار "دفاعي" مرتبط بتطورات المسألتين الإيرانية والسورية، ويعلن انّه "سيتصدّى" لأي حرب ولن "يبادر" إليها، فانّها تعتبر في الوقت نفسه انّ على "حزب الله" أن ينتبه جيداً إلى انّ إنخراطه في هكذا خطة مغامرة فعلية بنفسه تشبه "القتال التراجعي" أي "قتال ربع الساعة الأخير"، في وقتٍ لا يزال في وسعه المساهمة في "الافراج" عن الحلول بدلاً من تعليقها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00