"انّ من يتسلق على سلاحه ليطلق مواقف رافضة للمحكمة الدولية ويتبنى كلّ الفريق المتهم بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ويغفل أي ذكر لإسرائيل ومزارع شبعا في خطابه، هو من يتحمّل مسؤولية تغيّر نظرة اللبنانيين إلى سلاحه من سلاح مقاوم إلى سلاح غير شرعي".
بهذه الكلمات، لخّص رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري إشكالية سلاح "حزب الله".
معايير شرعية السلاح ولا شرعيته
في المبدأ، ثمة معايير تُقاس بها "شرعية" السلاح في يد فريق من الفرقاء. هناك أولاً معيار "الوظيفة" التي يؤديها ذلك السلاح. وهناك ثانياً معيار "الظروف" التي جعلت هذا السلاح ينوجد ليؤدي تلك "الوظيفة". وهناك ثالثاً معيار "الجدوى" من بقاء السلاح في ظروف متبدّلة. وهناك رابعاً معيار "نظرة" من يُحمل السلاح باسمهم لـ"مهمّة" محدّدة، إلى هذا السلاح عندما يصبح دعامة لموقف سياسي "داخلي". ويمكن أن تضاف معايير عدة أخرى.
من المفيد التذكير هنا بانّ النقاش اللبناني في "وظيفة" سلاح "حزب الله" لم يبدأ في الآونة القريبة الماضية، بل هو بدأ فعلياً منذ العام 2000 بعد إنجاز التحرير في أيار من ذلك العام. ومن المفيد أيضاً التذكير بانّ الفئات اللبنانية المتحفّظة عن إستمرار مشروع مقاوم بعد العام 2000 يدورُ حول مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، لم تذهب فوراً إلى اعتبار السلاح في يد "حزب الله" غير شرعي، لكنها إذ سجّلت حقيقة انّه "لا يجوز" بقاء سلاح "مستقلّ" عن سلاح الدولة وتشكيلات قتالية "مستقلّة" عن التشكيلات الشرعية أي "الرسمية"، دعت إلى مناقشة المسألة تحت عنوان "الاستراتيجية الدفاعية" للدولة.
كذلك، مِن المفيد التذكير بانّ الفئات اللبنانية المتحفّظة عن استمرار السلاح "المستقلّ" عن الدولة في أيدي "حزب الله"، اعتبرت انّ إنجاز تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000 من ناحية، وإنجاز إستعادة السيادة من سوريا عام 2005 من ناحية ثانية، يؤسسان ـ بتكاملهما ـ الظرف "الموضوعي" المناسِب للشروع في عملية بناء الدولة بمرجعية اتفاق الطائف بحيث تقوم هذه الدولة بـ"استيعاب" كلّ جوانب أدوارها السيادية، علماً انّ نشوء المقاومة في الأصل في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 "تزامن" مع "غياب" الدولة في خضمّ الأحداث والحروب التي غرق فيها لبنان ابتداء من عقد السبعينات. كما انّ الفئات اللبنانية نفسها أكدت على الدوام انّ إستعادة السيادة إلى الدولة "يتلازم" مع الانطلاق من كون إسرائيل عدوّاً ممّا يستدعي صوغ استراتيجية دفاعية للدولة على هذا الأساس.
"حزب الله" يقطع مسار شرعية الدولة وسيادتها
إذاً وفقاً للمعايير الآنفة، ومعها "المضمون" الذي انطلقت منه الفئات اللبنانية المتحفّظة عن استمرار "مشروع مقاوم"، كان اقتراحها أن يتمّ الانتقال بسلاح "حزب الله" من "الشرعية" التي اكتسبها بحكم "الوظيفة" ـ أي قتال إسرائيل ـ و"الظروف" ـ أي في غياب الدولة ـ إلى "شرعية الدولة" بمعيار "الجدوى".
بيَد انّ هذا المسار المقترح، قطعه "حزب الله" نفسه. "تصدّيه" للمسار الاستقلالي عن النظام السوري ووصايته على لبنان كما في 8 آذار 2005، أعطى "الفلاش" الأول. ومبادرته إلى خطف جنود إسرائيليين وراء الخطّ الأزرق ممّا شكّل ذريعة للعدوان الإسرائيلي الواسع في تموز 2006، كانت بمثابة "الفلاش" الثاني. لكنّ النتيجة السياسية لـ"مواجهة" تموز 2006، أي القرار الدولي 1701، أتت لتنهيَ موضوعياً استراتيجية "العمل المقاوم" إذ وضع القرار 1701 الجنوب اللبناني في عُهدة ثنائية الجيش ـ القوات الدولية.
..ويُنهي بنفسه "شرعية" سلاحه
على انّ الشرعية المتراجعة لسلاح "حزب الله" إلى حدّ الإنعدام بعدَ حرب تموز والقرار 1701، ترافقت مع ارتداد لحزب الله نحو الداخل اللبناني.
وفي هذا الارتداد نحو الداخل، تقدّم "حزب الله" بوصفه مشروع "سلطة" أي حاملاً لمشروع استيلاء على "السلطة" عبر إنقلاب سياسي موصوف متعدّد الوسائل والأدوات. وأعلن الحزب بالتوازي موقفه من الدولة إذ أكد بقاء "دولته" إلى حين قيام "الدولة القوية القادرة" مع شرط مانع لقيامها هو سيطرته على السلطة لتُبنى تلك الدولة على صورتها ومثالِها. واتخذ الحزب مواقفه من عناوين وطنية رئيسية، لا سيما بشأن المحكمة الدولية رفضاً لها ودفاعاً عن ضالعين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أكد من خلالها علاقة الارتباط بالمحور السوري ـ الإيراني تحت عنوان "الممانعة".
وهكذا، انتهت الشرعية "المرحلية" لسلاح "حزب الله" تماماً: إنعدام "الوظيفة التحريرية"، رفض الانخراط في مشروع الدولة، والانتقال "المدوّي" إلى الداخل بمشروع يعادي نصف اللبنانيين على الأقل. وقد سقطت بالفعل مقولة "حزب الله" حول عدم استخدامه لسلاحه في الداخل وضدّه، ليس فقط لانّ هذا السلاح استُعمل بعدّة أشكال، بل لأنّه صار موظفاً في مشروع داخلي "مرفوض" وصار "رافعة" لهذا المشروع المنافي للتعدّدية اللبنانية وللنظام السياسي الديموقراطي، وصارت "المقاومة" طرفاً تُرتكب باسمها آثام "الاعتداء" على الصيغة".
وعليه، فانّ "الحكم" على سلاح "حزب الله" بانّه غير شرعي، يتأسس على المعطيات الآنفة جميعها، أي لا يدخل في هذا "الحكم" أيّ معطى ذو علاقة بـ"الصراع" مع إسرائيل. وبكلام آخر انّ الحكم بلا شرعية سلاح "حزب الله" من ضمن السياق المشار إليه، ليس حكماً على "مهمّة" استعادة ما تبقّى من الأراضي اللبنانية المحتلة، التي ينبغي أن تكون مهمّة للدولة.
ومع ذلك، أي بالرغم من كلّ ذلك، يريد "حزب الله" أن يقول ما يشاء وأن يفعل ما يشاء.. وألاّ يقول له أحد "ما أحلى الكحل في عينيك"!.
معنى الهجوم على "المبادرة العربية"
غير انّ "التوتّر" الذي قابل "حزب الله" به ما جاء في بيان "كتلة نواب المستقبل" بشأن سلاحه، كشف مزيداً من "المستور" في مواقف الحزب، لا بل أوقعه في "أفخاخ" عدّة.
ففي ردّه على بيان "المستقبل"، أعلن رئيس كتلة نواب "حزب الله" انّ الكلام عن لا شرعية سلاحه هو "ذهاب إلى المدى الأبعد في مشروع التصالح مع الصهاينة والأميركيين الذين يريدون بناء شرق أوسط جديد محوره الاعتراف بالكيان الصهيوني وتطبيع العلاقات معه وإلغاء كلّ حالة ممانعة ومقاومة للعدوان الإسرائيلي". وأضاف النائب محمد رعد انّ "هذا شأن معظم النظام العربي الرسميّ الذي يسعى إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني". وقال "إذا كنّا قد أشرنا الى انه لم يتم التنازل عن بنود المبادرة العربية في القمّة الأخيرة إلا انّها في الأصل انطوت على تنازلات سابقة أقرّت بشرعية الاحتلال الصهيوني لأراضي العام 1948 وتريد التفاوض حول أراضي العام 1967(..)".
انّ هذا الموقف "المتوتّر" صبّ هجوماً عنيفاً على المبادرة العربية أي على "المشروع العربي للسلام"، أي على "الاستراتيجية العربية" التي أقرّتها القمّة الأخيرة في الرياض. ومع انّ رئيس كتلة نواب "حزب الله" قال انّ "هذه وجهة نظر لا نناقشها"، أي "لا نريد مناقشتها"، فانّ ما أعلنه في هذا الصدد يعني رفض الاعتراف بـ"الاستراتيجية العربية" الموحّدة ويعني رفض وضع الاستراتيجية اللبنانية تحت سقف الاستراتيجية العربية.
وإذا أُخذ في الاعتبار واقع انّ القمّة الأخيرة بما هي قمّة إعادة "النظام العربي" إلى المعادلة في المنطقة، وانّ الاستراتيجية العربية تعني وضع مسألة الصراع العربي ـ الإسرائيلي في يد عربية "مركزية"، بحيث لا يكون أي انفراد من جانب أي دولة أو أي جهة داخل دولة من الدول، فانّ ما يعلنُه "حزب الله" هنا هو بالضبط توجّه إلى إخراج لبنان من "النظام العربي" واستراتيجيته.
انّه يتّهم 14 آذار بالعروبة هذه المرّة!
طبعاً، انّ "حزب الله" مشكور هنا. فـ"التهمة" التي كان يوجّهها إلى حركة 14 آذار والحكومة حتى الآن هي انّهما متواطئتان مع "العدو الصهيوني" ومع الولايات المتحدة. أما "التهمة" الآن فهي انّهما عربيتان تتبعان "النظام العربي" الذي "يريد التصالح مع الصهاينة والأميركيين". صارت حركة 14 آذار والحكومة "عميلتَين" غير مباشرتَين لإسرائيل وأميركا، أي عميلتين بـ"واسطة" النظام العربي (!).
بيد انّ الوجه الآخر لهذا الموقف، هو انّ "حزب الله" يؤكّد تحت عنوان "الممانعة والمقاومة" انّه جزء عضوي في مشروع آخر غير مشروع النظام العربي، يسير على إيقاع "المسألة الإيرانية". فالحزب، على لسان رعد، لم يكتفِ بتجاهل واقع انّ نظام الأسد في سوريا، وهو حليفه، وافق على "المبادرة العربية" وأشاد بها في الرياض، لا بل انّ هذا النظام ذهب باتجاه سقف أدنى من سقف هذه المبادرة من خلال التفاوض الأخير مع إسرائيل، لكنّه ـ أي "حزب الله" ـ التزم بالموقف الإيراني الذي أعلنه الرئيس محمود أحمدي نجاد تنصّلاً من الموافقة التي كان أعطاها أثناء زيارته إلى المملكة العربية السعودية، على المبادرة هذه.
اعترض على إسقاط النظام السوري..
ويواجه الأنظمة العربية!
هذا كلّه خطير. غير انّ الأخطر هو انّ "حزب الله" بموقفه المتوتّر من "النظام العربي" و"المبادرة العربية" إنما يطرح على "مقاومته" تكراراً مهمة غير لبنانية، في وقت انتفى البعد اللبناني منذ زمن، هي مهمة "ضدّ" استراتيجية "النظام العربي"، أي ضدّ الأنظمة التي يتشكل منها "النظام العربي".
فالحزب الذي "زعم" انّ ثمّة في حركة 14 آذار أطرافاً يعملون على إسقاط النظام السوري ويحرّضون عليه باتجاه إسقاطه، يضع نفسه بهذا الموقف المتوتّر في مواجهة الأنظمة العربية، أي الشرعيات العربية القائمة، منتدباً نفسه لـ"مهمّة" لا علاقة للبنان بها.
والحال انّ هذا الموقف "قد" يكون مؤشراً إلى الموقف الإيراني. فهو من ناحية يشكّل ترجمة لقول "المرشد" انّ لبنان والمنطقة سيكونان ساحة لهزيمة الولايات المتجدة، ومن ناحية أخرى يشكّل ترجمة للتهديد بانّ أي تعرّض لإيران سيؤدي إلى إغراق المنطقة في اللاإستقرار. وعلى كلّ حال، كان النائب رعد نفسه أوّل من حذّر من عدم الاستقرار الإقليمي، كما انّ السيد حسن نصرالله لم يخفِ في خطابه الأخير الرهان على إحتمالات ثلاثة، إمّا تسوية إيرانية ـ أميركية وإمّا مراوحة بين الجانبين، وإمّا هزيمة أميركية.
هكذا إذاً، يكشف هذا التصعيد من جانب "حزب الله" من مدخل الدفاع المتوتّر عن شرعية سلاحه، انّ الحزب لا يقف فقط في مواجهة "الشرعية الوطنية" في لبنان، والمصطلح مستخدم هنا للحديث عن العيش المشترك والصيغة اللذين يتطلّبان تفاهماً وطنياً، بل يقف في مواجهة "الشرعية العربية".. كما في مواجهة "الشرعية الدولية".
أين كنّا وأين صرنا؟
أين كان اللبنانيون وأين صاروا؟
من الواضح انّ هذا الخطاب التصعيدي يعطي مزيداً من "الحجج" لكلّ من لا يرى "شرعية" لإستمرار سلاح "حزب الله" بالعلاقة مع كلّ التطورات والمعطيات المذكورة آنفاً.
لم يعُد توجه "حزب الله" في حاجة إلى "تخمين" أو "تبصير". فها هو معلن بوضوح. لكن عندما يكون معلناً على هذا النحو، بدون "ديبلوماسية" وبدون مراعاة لشيء، فما على اللبنانيين إلاّ أن يتوقّعوا "شرّاً" ما. والله وحده يعلمُ ما في الغيب!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.