8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

انتخاب رئيس جديد سيحصل حكماً كي لا يُغتال الطائف

منذ إندلاع الأزمة اللبنانية، "مرّت" على مسامع اللبنانيين مجموعة من المصطلحات التي لا تمتّ إلى اتفاق الطائف والدستور بأي صلة.
طالب تحالفُ ما يسمّى "المعارضة" بـ"حكومة وحدة وطنية". وفي الطائف لا ذكرُ لما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" إلا لدى الحديث عن "حكومة الوفاق الوطني" الأولى بعد الاتفاق والتي جرى تحديد مهمّاتها نصّاً.
وطالبت "المعارضة" بما يسمّى الثلث المعطّل قبل أن تعود فتسمّيه "الثلث الضامن". وفي الطائف ـ والدستور ـ لا حديث عن "الثلث" إلا مرّة واحدة عند تحديد واحد من الأسباب التي تجعل الحكومة مستقيلة، إذ تُعتبر الحكومة مستقيلة إذا استقال ثلث أعضائها زائد واحد. أمّا سائر نصوص الطائف والدستور فتتحدث عن الحالات التي تفرضُ أن تتّخذ القرارات بشأنها في مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين.
حتّى "الوزير الملك" الذي جرى التداول فيه كصيغة ممكنة لـ"المخرج" من الأزمة في جانبها الحكومي، فهو "بدعة" لا أصل لها في اتفاق الطائف وفي الدستور.
وأخيراً، وصلت "المعارضة" تحت عنوان النصاب المطلوب لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وفي إطار التمسّك من جانبها بنصاب الثلثين، إلى حدّ الكلام عن ثلث معطّل في مجلس النواب أيضاً.
"الاعتداءات" على الطائف والدستور..
وكلامُ الكنيسة
انّ هذه "الجردة" السريعة بالمصطلحات المنافية لاتفاق الطائف وللدستور، لا تختصر المخالفات الدستورية "الغزيرة" التي ارتكبها تحالف ما يسمّى "المعارضة" على رأس المواقع الدستورية التي يشغلها. وليس الهدف منها ـ أي الجردة هذه ـ كشف كميّة "الاعتداءات" على النصوص الميثاقية والدستورية التي نفّذها هذا الفريق.
طبعاً، يمكن الردّ على تلك المصطلحات ـ البدَع بالقاعدة الحقوقية والقانونية والدستورية التي تؤكد انّ أحداً لا يمكنه تفسير الدستور باتجاه العرقلة، أي انّ أحداً لا يستطيع أن يفسّر الدستور على أساس كيفيّة تعطيله وتعطيل آلياته وتعطيل تنفيذه. وكذلك يمكن الردّ، خصوصاً في ما يتعلّق بنصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، بما قالته الكنيسة المارونية في البيان الأخير لمجلس المطارنة، حيث أكدت انّ المسألة ليست كيفيّة إحتساب النصاب بل هي تأمينه أيّاً يكن، وفي جميع الأحوال، على أساس انّ في تعطيل النصاب ضرباً لميثاق العيش المشترك وللشراكة الوطنية.
إذاً، انّ الهدف من الجردة ليس كلّ ما سبق على أهميته، بل هو تسليط الضوء على حجم التشويه المقصود لاتفاق الطائف وللدستور، بهدف جعلهما موضوعاً إشكالياً وخلافياً، والتبرّؤ منهما وإيجاد أوضاع ملائمة لـ"المشروع" الذي تنفذه "المعارضة".
عون يعود إلى "أصله"
قبل أيام، وفي معرض التعليق على خطوة الأكثرية النيابية توجيه عريضة إلى الأمم المتحدة بشأن المحكمة ذات الطابع الدولي، اتّهم الجنرال ميشال عون الأكثرية بـ"الخيانة العظمى". وتأسيساً على هذا الاتهام طالب بحلّ مجلس النواب. ومن ذلك، استطرد ليقول انّ الأكثرية، كما مجمل نواب مجلس العام 1972، تضع المسألة اللبنانية في يد وصاية خارجية، كما وضع النواب السابقون عام 1989 المسألة اللبنانية في يد وصاية خارجية عندما ذهبوا إلى الطائف وأقرّوا وثيقة الوفاق الوطني هناك.
لم يتبدّل موقف الجنرال من اتفاق الطائف بعد ثمانية عشر عاماً، وهو مقيم على عدم الإعتراف به. وفي العمق يرفض عون كلّ ما لا يعطيه هو شخصياً ويعتبره باطلاً. وفي الواقع التاريخي انّ الجنرال بموقفه من اتفاق الطائف عام 1989 وتمرّده عليه، هو الذي ساهم في نقل الاتفاق إلى الوصاية السورية مما أدّى إلى إطالة أمد هذه الوصاية خمسة عشر عاماً. وبالتوازي مع رفضه اتفاق الطائف ودستور الطائف، "يفلّت" الجنرال بين وقت وآخر دعوات إلى إعادة النظر في صلاحيات رئيس الجمهورية لتعود إلى ما كانت عليه في جمهورية الاستقلال الأولى، محاولاً جعل هذا الأمر عنواناً لاستقطاب مسيحي يغطي به إنحرافه عن مسار الاستقلال والسيادة وانخراطه في مشروع تتقاطع فيه دمشق وطهران.
"حزب الله" ودولته
من جهته، لم يعترف "حزب الله" يوماً باتفاق الطائف. وهو في أحسن الأحوال مارس نوعاً من "التعايش معه"، وفي جميع الأحوال يستخدم الحزب الاتفاق لـ"المحاججة" مقدّماً تفسيراته له.
ولدى التدقيق في طبيعة المشروع الذي حمله في السنتين الماضيَتين، وفي الشهور الأخيرة على وجه الخصوص، ولدى ملاءمة "المصطلحات" التي "رماها" في السوق السياسية مع المشروع، يتبيّن انّ "حزب الله" سعى إلى إعادة لبنان إلى مرحلة الوصاية السورية، وإلى تطبيقات نظام الوصاية، تأميناً لبقاء لبنان ضمن المحور الإقليميّ الايرانّي ـ السوريّ.
من الواضح انّ "حزب الله" يعترف هذه الأيّام بفشل المشروع الذي قاد لإعادة لبنان الى المرحلة السابقة على 14 آذار 2005. والخطاب الأخير لأمينه العام السيّد حسن نصر الله هو إعلان فشل لهذا المشروع. بيد انّ هذا الخطاب حمل شيئاً آخر، هوالانتقال من مشروع العودة بلبنان الى الوصاية ونظامها الى مشروع "دولة حزب الله"، أي "تجديد" وجود هذه "الدولة" في مقابل الدولة اللبنانيّة بل في مواجهتها.
ومن نافل القول، انّ "الجماعات" الأخرى في تحالف ما يسمّى "المعارضة"، من أتباع النظام المخابراتّي السوريّ، اعتبرت اتفاق الطائف منتهياً بالخروج السوريّ من لبنان، وأكدّت تالياً انّ اتفاق الطائف والوصاية السوريّة صنوان، أي انّ الطائف "عُمل" في الأصل ليكون لبنان تحت الوصاية السوريّة. انّهم حلفاء الجنرال عند الخروج وعند الدخول، أي انّهم كانوا حلفاءه "الموضوعيين" بين 1990 و2005 وغدوا حلفاءه "الفعليين" منذ الـ 2005.
ردّ "المعارضة" على الاستقلال الثاني
في تاريخ لبنان أربع محطّات: دولة الاستقلال الأولى بين 1943 و1975، دويلات الميليشيات بين 1975 و1990، الوصاية السوريّة بين 1990 و2005، والإستقلال الثاني عام 2005.
في الردّ على مطالبة حركة 14 آذار بإقامة دولة الإستقلال الثاني بمرجعيّة اتفاق الطائف الذي لم يطبّق فعلياً، من الواضح الآن انّ "حزب الله" يحاول إعادة البلد الى "دولة الميليشيا" بعد فشل محاولة إعادته الى الوصاية، وانّ الجنرال يحاول إعادة لبنان الى "الجمهوريّة الأولى". وبين "حزب الله" وعون، يبدو الرئيس نبيه برّي "حائراً" مع انّه يحالف مصطلحات الحزب.
هنا إذاً جوهر المشكلة. و"الاعتداءات" المتتالية على اتفاق الطائف من جانب قوى هذا التحالف تهدف الى التمهيد لإسقاط الاتفاق ودستوره، والى جعل مشهد التعطيل والفراغ والفوضى في كلّ شيء مألوفاً. لكنّ المشهد الذي يجري تحضيره، هو ما بعد الاستحقاق الرئاسيّ.
ولا مبالغة في القول انّ كلّ التمهيدات الجارية لتعطيل الانتخابات الرئاسيّة، مع الاستمرار في محاولة تعطيل مجلسَي النوّاب والوزراء، لا يمكنُ أن تُقرأ إلا بوصفها خطوات باتجاه محاولة إجتياح "دولة الميليشيا" للدولة كحدّ أقصى ومحاولة فرض أمر واقع "تقسيمي" كحد أدنى.
الاستحقاق الرئاسيّ: محاولة التفاهم بداية
وعليه، فانّ السؤال المطروح هو: ماذا على حركة 14 آذار ان تفعل في مواجهة هذه الإحتمالات جميعاً؟
لا شكّ انّ البداية يجب أن تكون مطالبة الرئيس برّي باعتماد الوسيلة الدستوريّة الوحيدة لتفسير الدستور، أي العودة الى المجلس النيابّي بوصفه المكان المحدّد دستورياً لهذه المهمّة.
لا ضمانة في أن يوافق برّي على هذا الطلب، لكن لا بدّ من "تجريبه". ويمكن لمبادرة عربيّة أن تكون موسّعة لتشمل مسألة رئاسة الجمهوريّة، أي يمكن بمبادرة عربيّة أن يتجدّد حوار حول عناوين متكاملة. لكن يمكن أيضاً أن يعرقل تحالف ما يسمّى "المعارضة" هذه المبادرة، كما يمكن الا يتم التوصّل الى توافقات. ولعلّ ذلك هو الاحتمال الأرجح.. والأكيد.
إذاً، لا شكّ انّ البداية هي محاولة "تفاوض" حول الموضوع. بيدَ انّ ما ينبغي أن يكون واضحاً، هو انّ أحداً لن يستطيع منح الاستحقاق الرئاسيّ من الحصول في مواعيده الدستوريّة. فمن غير المسموح أن يضع أحدٌ واحداً من شرطين: إمّا أن "آخذ" ما أريد وإمّا أعطّل.
.. لكن الأكثرية ستنتخب رئيساً
ينبغي أن يكون واضحاً منذ الآن انّ إنتخاب رئيس جديد للجمهوريّة سيحصل، ولن يكون فراغٌ في موقع الرئاسة، وأصلاً ليس فقط المسيحيّون يرفضون إسقاط دورهم في الشراكة الوطنيّة عبر موقع رئاسة الجمهوريّة، بل كلّ اللبنانيين يرفضون ذلك.
هل في قيام الأكثريّة بانتخاب رئيس للجمهوريّة، إذا بقي الفريق الآخر مصراً على لعبته، تقسيم؟. أبداً، لانّ الالتزام بمواعيد الاستحقاقات الدستوريّة هو الردّ على التقسيم. وأكثر من ذلك، إذا كان لـ"حزب الله" دولته وإذا كانَ مستغنياً عن الدولة، فانّ سائر اللبنانيين لا يتعرّفون على أنفسهم وعلى مصالحهم إلا في الدولة ومؤسسات الدولة.
رئيس جديد للجمهورية تنتخبه الأكثرية، ودائماً إذا استمرّ الفريق الآخر في نهجه التعطيلي، سيجسّد شرعية دستورية (أكثرية نيابية) وشعبية، وسيكون موضع إعتراف الشرعيّتين العربية والدولية.
يجب أن يكون واضحاً انّ الجواب على التعطيل لن يكون تسليماً بـ"القدر"، ولن يكون ذهاباً إلى "دويلات الميليشيات" في مقابل "دولة حزب الله"، ولن يكون متاريس حربية. الجواب هو الدولة ومؤسساتها، هو النظام الديموقراطي.
ستدخُل البلاد في مرحلة "متقدّمة" من الأزمة؟. بالتأكيد. لكن التحصّن باتفاق الطائف وبالدستور وبالدولة مِن جانب حركة 14 آذار هو الخيار الحقيقي والجدّي.. إذ يجب أن يبقى دائماً مَن يحرس الدولة ومَن لا يُستدرج إلى صراع الدويلات والحرب الداخلية. شرعية في مقابل لا شرعية. هكذا بلا تردّد. حتّى إذا ما عاد "الآخر" إلى رشده يوماً، لا يكون الانطلاق من الصفر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00