8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ثلاثة نصوص مرجعيّة لمبادرة عربيّة "موسّعة"

خلال الأسبوعين المنصرمين، صدر نصّان على قدر عالٍ من الأهمية السياسية. الأول تحت اسم "إعلان الرياض" أصدرته القمّة العربية الأخيرة في المملكة العربية السعودية. والثاني جسّده البيان الصادر عن اجتماع نيسان لمجلس المطارنة الموارنة.
"إعلان الرياض": خارطة طريق عربية
"النصّ العربي" أي "إعلان الرياض"، اعتُبر ويُعتبر على نطاق واسع بمثابة "خارطة طريق" عربية، يشكل التزام الدول العربية كافة بها الطريق إلى تجديد التضامن العربي، وإلى استعادة حضور "النظام العربي" في المعادلة الإقليمية. ويتضمّن "إعلان الرياض" تأكيداً على "الهوية العربية"، الأمر الذي يعني التشديد على استقلال العرب على المشروعين الأميركي والإيراني على حدّ سواء. ويعيّن "الإعلان" السلام العادل والشامل على أساس المبادرة التي أقرّتها قمّة بيروت في العام 2002 خياراً استراتيجياً، الأمر الذي يعني تحديد استراتيجية عربية "مركزية" ملزِمة للدول العربية في إطار التضامن بينها. ويدعو "الإعلان" إلى احتواء الأزمات بين بلد عربي وآخر أو داخل أي بلد عربي بـ"روحية" التضامن، الأمر الذي يعني احترام كلّ دولة لاستقلال الدولة الاخرى وسيادتها، وعدم تدخل أي دولة في شؤون دولة اخرى واحترام حسن الجوار.
بيان المطارنة: خارطة طريق لبنانية
أمّا "النصّ اللبناني" أي بيان مجلس المطارنة الموارنة فقد اعتُبر هو الآخر على نطاق واسع بمثابة "خارطة طريق" لبنانية، فإنّه يؤكد على "وقف الممارسات غير الديموقراطية"، ويشدّد على العودة إلى المؤسسات الدستورية بدءاً من تفعيل مجلس النواب وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدّد بدون أي ذرائع تؤدي إلى تعطيلها، مروراً بمعالجة الأزمة الحكومية. كما يدعو البيان بوضوح إلى احترام الشرعيتين العربية والدولية.
هذان النصّان العربي واللبناني يتكاملان. وأكثر من ذلك، يمكن بكلّ "ثقة" و"راحة ضمير" اعتبار النصّين مرجعيتين لمقاربة الأزمة اللبنانية ومعالجتها. فالنصّ اللبناني في حديثه عن احترام الشرعيتين العربية والدولية يحيل عملياً إلى "إعلان الرياض" الذي إذ يتضمّن تحديداً دقيقاً لاستراتيجية السلام العربي، وإذ ينصّ على طبيعة العلاقة بين الدول العربية، إنما يقدّم الاتجاه الصحيح لمعالجة الأزمة اللبنانية في بُعدها "الإقليمي". وكذلك، فإن النصّ اللبناني يتضمّن دعوةً صريحةً وواضحةً إلى الاحتكام إلى المؤسسات الدستورية، راسماً الاتجاه الصحيح لمعالجة الأزمة اللبنانية في بُعدها "الداخلي".
إتفاق الطائف: مرجعية المرجعيات
وحقيقة الأمر هنا انّ النصّين العربي واللبناني، ليسا نصّين لا لفريق 14 آذار ولا لفريق 8 آذار، ويصحّان تالياً كمرجعيتين "حياديّتين".
غير انّ ثمة نصّاً أساسياً، هو إتفاق الطائف، وهو نصّ لبناني ـ عربي، لا بدّ أن يشكّل مرجعيّة المرجعيّات. وذلك بمعنى انّ إتفاق الطائف هو الميثاق، وهو أساس الدستور، ولا بدّ تالياً أن يشكّل المرجعيّة "الأخيرة" لأية حلول للأزمة، بحيث تكون الحلول ميثاقية ودستورية في آن.
هكذا إذاً، ثلاثة نصوص: لبناني ـ عربي (الطائف) وعربي ("إعلان الرياض") ولبناني (بيان المطارنة)، تتوافر لمقاربة الأزمة اللبنانية ومعالجتها.
وبكلام آخر، في لحظة إعلان "حزب الله" على لسان أمينه العام وصول الحوار إلى طريق مسدود، من الواضح انّ ثمّة أساساً جوهرياً وفعلياً للحوار يتمثّل بالنصوص الثلاثة التي تقدّم مادة الحوار واتجاهات الوصول به إلى نتائج إيجابية.
طبعاً، انّ الحوار الذي يُسلّط الابتزاز فوقه لا يمكن أن يقوم فكيف أن يستمرّ، والحوار الذي يتمسّك أحد طرفيه بشرط إستلام السلطة لا يمكن أن يصل إلى نتيجة، والحوار الذي تفصلُ فيه "السياسة" عن الأمور الأخرى أو تكون السياسة فيه مضمرة، لا يمكن أن يكون جدّياً. لكنّ حواراً على أساس النصوص المذكورة وفي إطارها وتحت سقفها، يمكنه أن يكون فعلياً وجدّياً.. وصريحاً.
برّي لا يستطيع المبادرة
والسؤال الآن هو: مَن يمكنه أن يُطلق مبادرةً للحوار على أساس النصوص المرجعيّة الثلاثة التي تتضمّن "مادّة" الحل؟.
لا شكّ بداية، ومن خلال المعرفة الدقيقة بالمواقف، انّ حركة 14 آذار في موقع القدرة على الترحيب بمبادرة للحوار على أساس النصوص المرجعيّة المذكورة. وواقع الأمر انّ 14 آذار في حال مبادرة مِن هذا القبيل، ستكونُ غير قابلة لـ"الاتهام" بأنّها تسعى إلى فرض أجندتها. فلا النصوص المحدّدة نصوصها، ولا هذه النصوص فيها أيّة "رائحة" غير لبنانية وغير عربية.
لكنّ السؤال المطروح يبقى مطروحاً: مَن لهذه المبادرة؟
في وقتٍ من الأوقات قبل الآن، كان يمكنُ الاعتقاد انّ الرئيس نبيه برّي يستطيع "التصدّي" لهذه المهمّة. فهو بالإضافة إلى كونه رئيساً لمجلس النواب "كان" نسبياً على علاقة "متوازنة" بأطراف الصراع السياسي اللبناني. بيدَ أن الرئيس بري ومنذ بضعة أشهر، وابتداء من بعد حرب تموز وصولاً الى الفترة القريبة الماضية، "حرق" موقعه "المنفتح" النسبيّ عندما لم يعد قادراً على الموازنة بين دوره كرئيس للمجلس وبين دوره كرئيس لحركة "أمل". والحال هنا، أن بري بما انتهى إليه موقفه وموقعه، سدّد ضربةً كبير لـ"حالة" كانت تملك إمكانية "الجمع".
أكثر من ذلك، وتعليقاً على ما تسرّب عن إحراج وجد بري نفسه فيه بعد الخطاب "الأقصويّ" للسيد حسن نصرالله، ترى أوساطٌ في 14 آذار أن طرفَي الثنائية الشيعية، بتنسيق مسبق أو بدونه، يخيّران الوضع السياسي بين "حدّ أدنى" يمثّله بري و"حدّ أقصى" يمثّله نصرالله، في وقت لا يمثّل "الحدّان" إذا صحّت تسميتهما كذلك، مخرجاً من الأزمة.
إذاً، ليس ثمة جهة لبنانية تستطيع حمل مبادرة للحوار على أساس النصوص المذكورة. ولو تقدّمت حركة 14 آذار بها لجرى أخذ الأمر على غير محمله.
المبادرة عربية أصلاً
لذلك، يبدو طبيعياً أن تكون المبادرة عربية. لماذا؟
فمع "اندلاع" الأزمة اللبنانية "الحامية"، منذ أكثر من عام بالتدريج مروراً بحرب تموز وصولاً الى المحاولة الانقلابية المستمرّة، كان التحرك العربي بشأن لبنان أساسياً. وفي الشهور الماضية تمحور البحث حول مبادرة عربية طرحها الأمين العام للجامعة عمرو موسى بناءً على اتصالاته في لبنان والمنطقة، أي أن هذه المبادرة شكّلت أساساً للبحث. والحركة السعودية النشطة، سواء عبر الاتصالات مع إيران أو القمة السعودية ـ الإيرانية، أو مواكبة سفير المملكة عبدالعزيز الخوجة للحوار الثنائي بين الرئيس بري ورئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري، ركّزت على أن المبادرة العربية هي الأساس.
ومن نافل القول إن المملكة العربية السعودية والدول "الرئيسية" في "النظام العربي" تعتبر الأزمة اللبنانية تحدياً لهذا "النظام"، وتعتبر أن حلّها حماية للبنان وضمانة للأمن العربي ولاستقرار المنطقة، بل أن حلّها هو التطبيق الفعلي لـ"إعلان الرياض"، لا سيما في مضمونه المتعلّق بـ"احتواء الأزمات".
كما لا داعي لإعادة التذكير بأن الحلول للأزمات السياسية ـ الوطنية في لبنان كانت دائماً لبنانية ـ عربية كما في الطائف، أي أن التجارب تفيد أن الحلول اللبنانية ـ اللبنانية غير متيسّرة، وأن قوة الدفع العربية حاجة ماسّة، ولذلك كله علاقة بأمور كثيرة. كذلك، لا داعي لإعادة التذكير بأن التعريب "العربي" هو أقرب الطرق الى "اللبننة" بعكس "التعريب السوري" الذي أغرق لبنان في وصاية دامية ومنهِكة.
توسيع مبادرة موسى
على هذا الأساس، من الواضح أن المطلوب مبادرة عربية تستند الى النصوص المرجعية الثلاثة.
ذلك يعني أن المطلوب "توسيع" المبادرة العربية التي كانت قائمة حتى الآن. فالمبادرة "الحالية" اقتصرت على عناوين مباشرة، تتّصل بالمحكمة والحكومة بشكل رئيسي، في حين أن المضامين السياسية لم تحضر بـ"الحجم" الذي تستحقّ. ثم حتى في العناوين المباشرة، لم تحتلّ مسألة كرئاسة الجمهورية حيّزاً مهماً، وهو أمرٌ لا يمكن اليوم تجاهل حقيقة وجود نوايا لدى النظام السوري المتدخّل في لبنان وحلفائه بتعطيل انتخابات الرئاسة وإدخال البلد في الفراغ والفوضى.
على أن الأهم هو أن نصّين من الثلاثة "طازجان"، فضلاً عن أن ما بعد قمّة الرياض غير ما قبلها، أي أن ما بعد تحديد الاستراتيجية العربية غير ما قبل هذا التحديد، ولا يمكن فصل لبنان عن هذا التطوّر العربي "الاستراتيجي".
قبل إعلان السيد حسن نصرالله "تسكير" الحوار، لكن لأسباب مختلفة عن أسبابه، كان لا بد من تغيير منحى الحوار ومرجعيّاته. والآن باتت المرجعيات أوضح و"أفصح".
وتأسيساً على ما تقدّم، من الطبيعي أن تتّجه الأنظار من جديد الى رئاسة القمة العربية أي المملكة وإلى الجامعة العربية، من ضمن الوجهة المشار إليها آنفاً.
بين ظروف "الطلب" وضروراته
غنيّ عن القول أن هذا "الطلب" الموجّه الى المملكة والجامعة، يأتي في لحظة تتّسم بالآتي: غدرٌ متجدّد من جانب النظام السوري بالنظام العربي ومواقفه، سواء تراجعه عن "وعوده" في ما يتعلّق بلبنان أو عزفُه المنفرد مع إسرائيل بإرساله من يخطب باسمه في الكنيست قفزاً فوق مبادرة السلام العربية، "تملّص" من جانب "حزب الله" وحلفاء النظام السوري من المحكمة الدولية ومن الحوار، وتموضع لدمشق وأتباعها على إيقاع التطوّرات الإيرانية ـ الأميركية وإحتمالاتها.
معنى ذلك انّ مبادرة عربية متجدّدة بشأن لبنان، تواجه معطيات تعاكسُها، وهذا صحيح. بيد انّ الصحيح قبل كلّ شيء هو انّ إبقاء لبنان بلا مظّلة مبادرة عربية "متواصلة" سيؤدّي إلى ترك البلد لضغط المحور الإيراني ـ السوري. هذا لدى الحديث عن مبادرة عربيّة بـ"المطلق"، فكيف إذا كانت المبادرة قائمة على النصوص الثلاثة التي وحدها تحمل الحلّ أو إمكانيّة الحلّ؟.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00