8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التسوية المستحيلة مع إما الهيمنة على الدولة وإما الدولة "الخاصّة"

ما هي النتائج السياسية "العميقة" المترتّبة على الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله؟
في الجواب عن هذا السؤال، جرى خلال اليومين الماضيين تسليط الضوء على نتيجة أساسيّة "مباشرة" هي انّ نصرالله أتى في خطابه يعلنُ تمديد الأزمة السياسية في البلاد بكلّ مفاعيلها ومضاعفاتها.
بيد انّ هذا الاستنتاج، على بديهيّته وصحّته، لا يمكن أن يلخّص "المعاني" التي تضمنّها الخطاب، والتي أعادت تظهير أبعاد "المشروع" الذي يحمله "حزب الله".
نصرالله: إمّا السلطة وإمّا الفوضى والتعطيل
يعلنُ نصرالله تمديد الأزمة فترة إضافية، لكن من ضمن مجموعة من المعطيات التي لا يمكن إغفالها.
في السياسة "المباشرة"، أعلن نصرالله إقفال أبواب الحوار والتسوية. وقال في هذا المجال كلاماً واضحاً: إمّا الثلث المعطّل في الحكومة أو لا حلّ، إمّا انتخابات نيابية مبكّرة "نرى بعدها ما إذا كنّا نقبل بإعطائكم الثلث المعطّل" أو لا حلّ. وبكلام آخر، قال إمّا أن يكون الحكم على شروطي وبشروطي وإلا لا تنتظروا حلاً.
الدولة "الخاصة" والحصّة في الدولة "الرسميّة"
وهذا الأمر ليس سوى جزء "صغير" من "الصورة". غير انّ الجزء الأهم هو الذي يتعلّق بنقطتين مركزيّتين.
الأولى، إعلان نصرالله انّ "دولته"، أي "دولة حزب الله" باقية إلى ان تقوم الدولة المركزيّة "القوية القادرة". وهنا، لم يعُد مفيداً كثيراً النقاش "المنطقي" حول مَن يجب أن يسبق مَن أو ماذا يجب أن يسبق ماذا، أي هل انّ حلّ "دولة حزب الله" شرط لقيام "الدولة القويّة" أم انّ حلّ "دولة حزب الله" نتيجة لقيام "الدولة القويّة".
لم يعُد كلّ ذلك مجدياً لأنّ "حزب الله" يتمسّك بوجود دولته، بجيشها ومالها ومؤسساتها وعلاقاتها الخارجية. ولم يعُد كلّ ذلك مجدياً لأنّ "حزب الله" على الرغم من عدم إعترافه بالدولة "الرسميّة" وبأدوارها ووظائفها، "يأخذ" منها ما يريد، أي انّ "حصّته" في الدولة " الرسميّة" تمثّل امتداداً لدولته "الخاصّة".
أمّا النقطة الثانية، في امتداد الأولى، فهي انّ "حزب الله" المتمسّك بدولته الخاصّة وبحصّته من الدولة "الرسميّة"، انّما اتّخذ قراره بالحلول مكان الدولة "الرسميّة" في مجال مسألة "الحرب والسلم" أي في مجال التحالفات الإقليمية والخارجية، وتحميل لبنان تالياً ما تقرّره "دولة حزب الله".
فإذا رُبطت النقطتان الآنفتان بالنقطة التي سبقتهما أي بالشروط على الحكم والحكومة، يصبحُ الأمر واضحاً على النحو الآتي: إمّا السيطرة على الحكم للسيطرة على الدولة وإمّا الدولة "الخاصّة" في موازاة الدولة "الرسميّة" مع حِصّة في الثانية.
مشروع جمهورية إسلاميّة "مقنّعة"
إذاً، ثمّة حدّ أدنى في مشروع "حزب الله" هو الدولة "الخاصّة" المتغلغلة في الدولة "الرسميّة".. وعلى حسابها. وثمّة حدّ أقصى هو السيطرة على الدولة "الرسميّة" بالكامل عبر السيطرة على الحكم.
وواقع الأمر انّ ذلك ما يجب تسليط الضوء عليه. نعم انّ هذا المشروع لحزب الله الذي لم يفعل نصرالله في خطابه الأخير سوى إعادة تظهيره، منافٍ لاتفاق الطائف. ونعم انّ مشروع "حزب الله" هذا مناقض لـ"الصيغة". ونعم هو مشروع "أقصويّ" مرّ في تاريخ البلد ما يشبهه تحت عنوان إمّا كلّ الدولة وإمّا دولتي. ونعم انّه مشروع "الجمهورية الإسلامية" المقنّع الذي يطرحه "حزب الله" بالتدرّج، آخذاً في الاعتبار انّ ثمّة حاجة إلى "مراهِم" لتمريره في عدد من البيئات الطائفية من ناحية وانّ ثمّة حاجة لـ"تكييفه" مع بعض الخصائص اللبنانية من ناحية ثانية.
غير انّ كلّ ما ذُكر حتّى الآن على أهميّته الشديدة، لا يجيبُ عن سؤال جوهريّ: هل يمكن عقد تسوية مع مشروع هذه أبعادُه وتلك نتائجه؟
المشروع ليس مجرد انقلاب سياسي
وغنيّ عن القول هنا انّ السؤال لا يطرح فقط اشكاليّة التسوية مع مشروع حدّه الأقصى السيطرة وحدّه الأدنى "الانفصال" و"الاستقلال" و"التقسيم" العمليّ، بل انّ الجواب عن هذا السؤال سوف يحدّد اتجاه الصراع السياسي في البلاد لمرحلة غير قصيرة. وبمعنى آخر، يمكن لـ"التعبئة" ضدّ قرار "حزب الله" تمديد الأزمة أن تستخدم موقف نصرالله مِن المحكمة الدولية أو علاقة الحزب بالنظامَين السوري والإيراني، لكنّ الموضوع الفعليّ هو انّ ما يعرضه "حزب الله" وما يقوم به بالفعل ليس مجرّد انقلاب "سياسيّ" بل هو تنفيذ لمشروع إطاحة الكيان. وهنا بالضبط يجب وضع الأصبع.
إذاً، قبلَ إعلان نصرالله وبعدَ هذا الإعلان عن إنتهاء الحوار، لا مفرّ مِن ان تُعلن حركة 14 آذار موقفاً حازماً من ذلك كلّه. لا مفرّ من أن تعلن أن التسوية مع مشروع هذه أبعاده ونتائجه غير واردة، وهي مستحيلةٌ أصلاً، وأن تؤكد أنها ترفض سياسة "ما لي لي وما لكم لي أيضاً"، وأن تقول بصراحة إن قواعد أي حوار لاحق لا بد أن تتغيّر، لأن "حزب الله" لا يبحث عن "شراكة" بل هو يتطلّع الى "هيمنة" بإحدى وسيلتَين: إما السيطرة على "السلطة" و"الدولة" وإما بواسطة دولته "الخاصة".
إن صراع 14 آذار مع "حزب الله" هو صراعٌ على الدولة ووحدة الدولة وسيادة الدولة.
لا شك في أن السيد نصرالله قال لفريق كبير من اللبنانيين في خطابه الأخير: لن أعيش معكم إلاّ مسيطراً عليكم. ولا شك في أن كلامه هذا استفزازي بكل معنى الكلمة. و"قد" يدفع الاستفزاز كثيرين الى القول: ومعك يا سيّد بهذه الشروط "ما بينعاش". لكن "14 آذار" هي "أم الصبي" ولا يمكن أن تصل الى هذا الحد مهما بلغت درجة "القرف" من الوضع القائم.
14 آذار والمبادرة
ففي موقع المبادرة، يجب أن تكون حركة 14 آذار. ماذا يعني ذلك؟
مما لا شك فيه أن حركة 14 آذار انتزعت المبادرة السياسية، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، عندما وجّهت أكثريّتها النيابية الى الأمم المتحدة العريضة التي تدعو المنظمة الدولية الى الشروع في إجراءات إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي.
والدليل على أنها انتزعت المبادرة بخطوتها هذه، هو أن ما يسمى "المعارضة" وعلى لسان السيد نصرالله اضطرّت الى الإفصاح عن موقفها "الحقيقي" ضدّ قيام المحكمة الدولية.
الآن، إن الاحتفاظ بالمبادرة السياسية يعني أن تطرح حركة 14 آذار مشروعها السياسي المتكامل وأن تنفّذ ما تستطيعه منه.
صحيحٌ أن المشروع السياسي لـ14 آذار معروفٌ بشكل "عام"، لكن ما هو مطلوبٌ اليوم مبادرةٌ بديلة من الحوار الذي كان قائماً والذي أعلن نصرالله إنتهاءه، قادرة على استنهاض "شعب 14 آذار" من جهة وعلى تحصين مواقعها في مواجهة مشروع "حزب الله" المفتوح على الفتنة بالتعريف من جهة ثانية ومتطلّعة الى تشكيل "شبكة أمان" حول لبنان وحركته الاستقلالية من جهة ثالثة. ولا شك أن المدخل الى ذلك كلّه، نسبةٌ من التعديل على الخطاب السياسي بما يظهّر استحالة التسوية مع مشروع "حزب الله" لكن بما يقول له بوضوح: تعال الى سراط مستقيم أيضاً.
التحالف مع النظام العربي: حشرة النظام السوري وحلفائه
وفي الحديث عن "شبكة أمان"، لا بد أن يحضر في "الوعي" واقع أن حركة 14 آذار ستكون بحاجة دائمة ومستمرّة الى الدعم العربي.
وغنيّ عن القول إن تطوّر الموقف العربي خلال الشهور الماضية من جهة وتطوّر تعاطي فريق 14 آذار مع الموقف العربي من جهة أخرى، جعلا حركة الاستقلال اللبناني بما هي قوى سياسية وحكومة في آن جزءاً لا يتجزأ من "النظام العربي" الذي أعادت قمّة الرياض بمقرّراتها واستراتيجيتها إستحضاره في معادلة المنطقة. ويمكن القول إن ثمة تحالفاً جدياً بين 14 آذار و"النظام العربي الجديد".
وهذا المعطى هو بالضبط ما يزعج النظام السوري وإيران وحلفاءهما في لبنان وعلى رأسهم "حزب الله"، لا بل يفضحهم جميعاً. والهجوم الذي تتعرّض له قوى 14 آذار هو بسبب حيازتها هذا الموقع العربي، لا بل انسجامها مع الاستراتيجية العربية. وذلك في وقت يؤكد نظام الأسد، بعد أقلّ من أسبوعين من انتهاء القمة العربية خروجه على "النظام العربي" ومواقفه، بعد أن ذرف "دموع التماسيح" اعتذارا من المملكة العربية السعودية.. وفي وقت يكشف "حزب الله" عمق رهانه على إيران تسويةً مع الولايات المتحدة أو حرباً أو مراوحة.
إن الانتماء العربي الواضح والقاطع لحركة 14 آذار هو ما يحشر "حزب الله". والدليل أن الحزب لم يستطع في تعليقه على نتائج القمة أن يكتم امتعاضه من مقرّراتها، ومن استراتيجيّتها بالتحديد، فذهب الى الحديث المتكرّر عما يسمّى المقاومة والممانعة. حتى نصرالله في خطابه الأخير كاد أن يغلط بحقّ المملكة حين لاحظ انسجام موقفها مع موقف الأكثرية لجهة الدعوة الى اتفاق لبناني ـ لبناني في لبنان قبل أي اجتماع يعقد في السعودية.. ووقع في "الغلط" عندما نسبَ هذا الموقف السعودي الى "مصالح الدول في تحقيق إنجازات" وليس المساعدة.
الشرعية الدولية والحماية
أما الاتهامات الموجهة الى 14 آذار بأنها جزء من "مشروع أميركي ـ غربي ـ إسرائيلي"، فهي لا تصمد أمام الواقع. ذلك أن حزباً يمارس سياسة الالتحاق بالنظام السوري وإيران، لا يستطيع أن يميّز بين الانتماء المزعوم الى "مشروع أميركي ـ غربي ـ إسرائيلي" وبين العلاقة بالمجتمع الدولي وشرعيّته التي تشكّل ـ أي هذه العلاقة ـ جزءاً مهماً من "شبكة الأمان"، والتي يشكّل التمسّك بها حمايةً للبنان.
تعديل في الخطاب السياسي. فضحٌ للمشروع الذي يحمله "حزب الله". تمسّك بشبكة أمان عربية ودولية. كلّها عناوين لبقاء حركة 14 آذار في موقع المبادرة، تماماً لأنّ مشروع "حزب الله" المفتوح بالضرورة على الفتنة، لن يُكتب له النجاح في ظلّ وضع عربي ـ دولي "مغلق" ضدّ الفتنة التي يستولدها مشروع من هذا القبيل، وفي ظلّ وضع لبناني يرفض القسم الأكبر منه مثل هذه الانزلاقات.
لينتظر "حزب الله" ما شاء
لينتظر "حزب الله" سنتين إذا شاء. لينتظر تسوية إيرانية ـ أميركية أو حرباً إيرانية ـ أميركية إذا رغب. ليراهن على إدخال البلد في المواجهة الإيرانية ـ الأميركية كما هو واضح. لا يستطيع أحد منعه من كلّ ذلك.
لكنّ اللبنانيين في غالبيّتهم الساحقة سيبقون على رفضهم لمشروعه الهادف إلى تهديم الهيكل، وستزداد هذه الغالبيّة وفي كلّ البيئات عندما تتمّ "فصفصة" هذا المشروع بكلّ أبعاده أمام اللبنانيين.
وإذا "عاد" الحزب في يوم من الأيام، ليس قريباً على كلّ حال، إلى لبنان، سيجدُ انّ حركة 14 آذار قد أعطت للوطن معناه ومعنى مستقبله.
لن يقول أحد "ما بينعاش مع من تمثّل يا سيّد". لن يُستدرج أحد إلى حيث تخطّط. لن يراهن أحد على حسن تقديرك للموقف. لكنّ الرهان هو على "الاصطدامات" الحتميّة بين مشروعك والبلد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00