لا شك أن المواقف التي تعبّر عنها الكنيسة المارونية في الآونة الأخيرة، سواء على لسان رئيسها البطريرك نصرالله بطرس صفير أو في بيانات مجلس المطارنة، لا سيما آخرها أول من أمس، إنما تعكس استياء عارماً من الوضع القائم في البلاد، كما تعكس "حساسية" لافتة حيال ما يؤدي أو ما يمكن أن يؤدي الى إدخال لبنان في الفراغ الذي تؤكد التجارب أن "الفوضى" وحدها يمكنها أن تملأه.
لحود والإساءات الى موقع الرئاسة
في العوامل "المباشرة" لاستياء الكنيسة وعلى رأسها البطريرك، ثمة انطلاقٌ من "ملاحظة" أن لبنان لم يشهد قبلاً واقعاً رئاسياً كالذي يشهده منذ مدة. وفي هذا الواقع الرئاسي القائم، من الواضح أن إميل لحود يتحمّل مسؤولية الإساءة الى موقع الرئاسة. فهو فعلياً غير موجود، ومعزول على الصعد المحلية والعربية والدولية، في وقتٍ يحاول اللبنانيون تلمّس سُبل الخروج من الأزمة السياسية ـ الوطنية، والابتعاد قدر الإمكان عن ارتدادات الصراع الإقليمي والدولي.
لا حاجة الى تقديم "الأدلّة" على هذا التوصيف للواقع الرئاسي في ظل رئاسة لحود. وإذا كان البطريرك كشف أكثر من مرة أنه بادر الى الطلب من لحود التنحّي، مما يعكس اقتناعه بأن بقاء هذا الرئيس يحمل الكثير من معاني الإساءة الى الرئاسة وإلى لبنان، فإن ما قاله سيد بكركي حول "يوميات" لحود في بعبدا إنما يعبّر عن المرارة من تحوّل رمز المشاركة المسيحية في المعادلة الوطنية الى ناطور لمكان فارغ، لا يزوره أحد ممن لهم "معنى" وآخرهم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والمستشارة الالمانية أنجيلا ميركل ورئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، ويكتفي بالانشغال ببيانات الردّ على الآخرين لإحداث "ضجيج" ليس من تقاليد الرئاسة "الفعلية".
إذاً، لا شك أن واقع الرئاسة، هو في مقدّم الأسباب التي تحمل الكنيسة والبطريرك على الاستياء.
الخطاب العوني المتهافت
وإذا ما تلفّت البطريرك من حوله، وجد أن الوضع المسيحي ليس أشفى حالاً، في وقتٍ يقوم من يدّعي أنه الأكثر تمثيلاً للمسيحيين بـ"كشفهم" لا بحمايتهم.
فالموقف المسيحي السياسي، على لسان الجنرال ميشال عون، أي الخطاب السياسي العوني، يتنافى تماماً مع تاريخ المسيحيين اللبنانيين وتراثهم. فهو خطاب القطيعة مع العرب أي "النظام العربي" باستثناء سوريا، في وقت أتت قمة الرياض تطلق تعريفاً واضحاً للعروبة وللعلاقات العربية ـ العربية، على قاعدة التكافؤ بين دول سيّدة ومستقلّة وحرّة، وتطلق استراتيجية عربية يستطيع لبنان أن يكون مساهماً فيها، لأن هذه الاستراتيجية تنسجم مع ما يستطيع لبنان كياناً ودولةً واجتماعاً تحمّله. كذلك، هو خطاب القطيعة مع الغرب، أي مع المجتمع الدولي، ولطالما كان لبنان بحاجة الى مظلّتي المجتمعَين العربي والدولي.
وأكثر من ذلك، وفي لحظة لبنانية تاريخية، وإذ يرفع المسلمون في لبنان شعار "لبنان أولاً" تأكيداً على ولائهم لنهائية الكيان اللبناني، وتشديداً على العلاقات المتكافئة بين لبنان والدول العربية، يأتي الخطاب العوني لـ"يسحب" المسيحيين نحو إيران، والمحور الإيراني ـ السوري في مقابل النظام العربي والمجتمع الدولي في آن.
هذه المفارقات جميعها، تشكّل أساساً لاستياء الكنيسة والبطريرك: رئيس الجمهورية الماروني يسيء الى الرئاسة ويعطّل الدور المسيحي في الشراكة الوطنية، والجنرال الذي يقف على رأس أكبر كتلة نيابية مسيحية يسيء الى المسيحيين بإدخالهم في تحالفات غير "طبيعية" وخارج نهائية الكيان وخارج "التاريخ".
قال البطريرك قبل أيام ما مفاده أن وضع الجنرال غير طبيعي ولعلّه يعتقد أن في السياسة التي ينتهجها ما يوصله الى الرئاسة. وهكذا، بين الرئيس المسيء الى الرئاسة، والمرشح الرئاسي الذي يسيء الى الثوابت المسيحية، يحقّ للكنيسة ورئيسها أن يكونا مستاءين.
نصّ الكنيسة حول رئاسة الجمهورية
من هنا، يجب قراءة ما ورد في بيان مجلس المطارنة الموارنة أول من أمس، في موضوع رئاسة الجمهورية، بدقّة وأمانة.
يقول البيان "نتمسّك بوجوب إجراء الانتخابات الرئاسية في المواعيد المحدّدة دستورياً على أبعد حدّ". ويضيف أنه "بصرف النظر عن الجدل الدستوري حول حجم النصاب لانعقاد جلسة انتخاب الرئيس، ومع تمنّينا أن يتمّ التوافق على رئيس جديد للبلاد يتمتّع بالمواصفات والكفاية الوطنية المطلوبة من دون خرق جديد لأحكام الدستور، إلاّ أننا وفي حال تعذّر ذلك نعتبر أن امتناع أي قوة سياسية أو تكتّل أو حزب عن تأمين نصاب الجلسة المخصّصة لانتخاب رئيس الجمهورية يشكّل التفافاً على أحكام الدستور وتعطيلاً للأصول الديموقراطية". ويشدّد على أنه "لا يجوز ربط انتخاب رئيس البلاد بشرط الاتفاق المسبق على أحد المرشّحين لئلا يتحوّل توفير هذا الشرط الى أداة ضغط يلجأ إليها البعض لفرض رئيس ما خلافاً للأصول الديموقراطية السليمة (..)".
.. يؤكد رفض مخططات الفراغ
لا يتضمّن هذا النصّ أي لبس. فهو إذ لا يتّخذ موقفاً قانونياً من كيفية إحتساب النصاب في جلسة انتخاب الرئيس، يردّ مباشرةً على لحود وعون. وفي هذا السياق يؤكد ـ استباقاً ـ أن أي عمل غير انتخاب الرئيس في الموعد المحدّد، مرفوض، وإنّ الكنيسة ترفض ما يتمّ تسريبه عن حكومة موازية للحكومة القائمة أو عن رئيسين. ويؤكد أن التوافق لا يمكن أن يكون شرطاً مسبقاً لإجراء الانتخابات الرئاسية، لأنه يرى أن الانتخاب الديموقراطي بديل من التوافق إذا تعذّر. ويؤكد أن كل التهديدات بجعل الاستحقاق الرئاسي محطّة دامية إن لم يحصل التوافق كما هدّد عون، مرفوضة أيضاً. وليس خافياً في هذا المجال أن مجلس المطارنة في تأكيداته هذه، إنما يعتبر ليس فقط أن انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المواعيد الدستورية، هو المدخل الى تصحيح الخلل في مشاركة المسيحيين في الصيغة، بل يعتبر أيضاً أن انتخاب الرئيس الجديد يجب أن يشكّل محطّة حاسمة في مسار حلّ الأزمة. "لكأن" مجلس الطارنة يقول لعون: إن لم يتمّ التوافق عليك كما يبدو من المعطيات، فلا حجّة لديك لتعطيل نصاب جلسة الانتخاب، و"لكأنه" يقول للحود: عند انتهاء ولايتك عليك ان تغادر بعبدا فلا تتذرّع بأي شيء ولا تعطّل هذا الاستحقاق الدستوري بإجراءات غير دستورية.
الردّ على "العقلية الذمّية".. والبرنامج "النضالي"
على أن أهمية "بوح" الكنيسة بهذه المواقف، تكمن في "مكان" آخر.
بالتزامن مع "لحظة" إنهيار الجنرال في البيئة المسيحية تحت وطأة اندراجه في مشروع سياسي غير لبناني، تعطيلي لمسار استكمال الاستقلال اللبناني، برزت في هذه البيئة أصوات يائسة دعت الى الانسحاب المسيحي من السياسة. وإذا كانت هذه الدعوات لم تصدر عن مواقع مسيحية بارزة، إلاّ أن "مناخاً" من هذا القبيل جرى ضخّه بقوة، مع العلم أن هذه الدعوات أتى معظمها من مجموعات صدمها الخطاب العوني وغادرت علاقتها به، فحملت السؤال الآتي: ما علاقة المسيحيين بما يجري في البلاد بين السنّة والشيعة؟
من هنا، فإن "بنية" النص الصادر عن مجلس المطارنة أول من أمس، تشكّل رداً على "أطروحة" الاستنكاف أو الانسحاب المسيحي عن السياسة ومنها، وهي "أطروحة" تجعل من المسيحيين "أهل ذمّة" لأنها تنطوي على "عقلية ذمّية" في الأساس. ولذلك فإن نصّ المطارنة يشكّل تصويباً لعلاقة المسيحيين بالمسار السياسي في البلاد، ويطرح عليهم "برنامجاً" نضالياً بكل معنى الكلمة. فالبيان يتناول موقع لبنان ودوره في الأسرَتين العربية والدولية، ويشجب الممارسات غير الديموقراطية في إشارة لا تخفى الى استخدام القوة ووسائل تعطيل حياة الناس، ويتحدّث عن دور المؤسسات الدستورية. والأهم أنه إذ يستعيد اتفاق الطائف يؤكد أن "صيغة لبنان السياسية تقوم على مبدأ التوافق بين أبنائه وفقاً لقواعد حدّدها الدستور اللبناني تحول دون تحكّم فئة بأخرى أو انفراد فريق من اللبنانيين في السلطة دون غيره". ويشدّد النصّ على أن "التوافق المحدّدة شروطه وقواعده في الدستور لا يعني تعطيل آلية الحكم والقرارات في البلاد ومنح كل مذهب أو حزب أو فئة حقّ الفيتو على القرارات السياسية لأن في ذلك خروجاً على أحكام الدستور وتفسيراً يتناقض وروحية الوفاق الوطني مما يؤدي الى ضرب هذه الصيغة ودفع لبنان مجدّداً الى المغامرات والأخطاء".
.. والردّ على "جهبذ" عوني
فهل تسلم عون و"جهابذة" القانون في تيّاره وكتلته هذا الردّ؟ فليس سراً أن "جهبذاً" عونياً خرج الى الرأي العام قبل أيام ليعلن أن "الثلث المعطّل"، ولم يقل "الثلث الضامن"، هو حقّ دستوري لا بل هو ضمانة للمسيحيين(!). وذهب الى تأكيد أن البطريرك أعطى إجازته لاتفاق الطائف "على أساس الثلث المعطّل للمسيحيين"! فها هو بيان المطارنة يعلن أن التوافق لا يعني التعطيل ولا "اليتو".
إذاً، إن قيمة النصّ الصادر أول من أمس أنه فضلاً عن تناوله الأزمة السياسية مطالباً بحلّها من ضمن الدستور والمؤسسات الدستورية، إنما يعيد الاعتبار لقواعد الميثاق، ميثاق العيش المشترك مقدّماً القراءة "اللبنانية" الدقيقة له، معاكساً "أطروحات" المسيحيين "المرتدّين" وحلفائهم، داعياً المسيحيين الى الخروج من دائرة الاستنكاف أو الانسحاب، مؤكداً عليهم عدم الغوص في "إحباط" جديد "يصدف" أن وراءه دوراً لسياسيين مسيحيين.
وعلى هذه الخلفيّة، يمكن القول إن النص الأخير، هو أقرب النصوص في "روحيّته" الى مقرّرات المجمع البطريركي الماروني ربيع العام الماضي، بما هي مقرّرات تتعاطى مع مسألة لبنانية عامة وليس مع مسألة مارونية خاصة، وبما هي مقرّرات تؤكد على التلاقي بين جميع روافد الاستقلال اللبناني الثاني، وتشدّد على العيش المشترك.
المحكمة ذات الطابع الدولي: رفض البازار
وبعد، ثمة في البيان الآخير نصّ على أن "الكنيسة المارونية تدعو الى التفاعل الإيجابي مع المجتمع الدولي، والالتزام بتنفيذ مقرّراته واحترام أصول التعامل مع مؤسساته وعدم عرقلة مساعيه لإنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي (..) فلا تبقى مرتبطة بالصراع السياسي الداخلي أو بعوامل إقليمية ضاغطة (..)".
لا شك هنا أن البيان يعيد تأكيد دعم الكنيسة لقيام المحكمة "ذات الطابع الدولي". غير أنه من الواضح تماماً أن الكنيسة المارونية تدعو الى إخراج هذا الموضوع من المقايضات والبازارات، أي الى تحييده وإقراره، وذلك ما توضحه الجملة الإضافية التي تقول إن "قيام هذه المحكمة يشكّل بنظرنا قضية مبدئية مرتبطة بالحقّ والعدالة والأخلاق".
المحكمة ذات الطابع الدولي ليست إذاً مرتبطة لا بحكومة "وحدة وطنية" ولا بثلث معطّل ولا ببازار سياسي كما يطرح لحود وعون وحلفاؤهما. والعريضة النيابية الموقعة من قبل الاكثرية والموجهة الى الامم المتحدة ليست تخلياً عن السيادة اللبنانية لـ"وصاية" مجلس الأمن كما ادعى عون امس. ذلك ان مجلس الامن في النظام الدولي لا يمارس وصاية بل يحمي الدول، فضلاً عن كونه معنياً ومطالباً بمتابعة تنفيذ قرار اتخذه حول المحكمة هو القرار 1559.
كذلك، فان تذكير عون بأن النواب تخلوا عن سيادة لبنان في الطائف عام 1989، ليس سوى تأكيد على حقده على هذا الاتفاق الذي اكد الرعاية العربية لوحدة لبنان، في حين ان رفض عون له في حينه هو ما ادى الى الوصاية السورية.
اذاً، المحكمة الدولية في نص مجلس المطارنة، تكاد تكتسب معنى ميثاقياً، خصوصاً عندما يتعلّق قيامها بمحاكمة قتلَة رموز استقلالية من كلّ الطوائف.
على أساس هذه المقدّمات جميعاً، يبدو من الطبيعي جداً أن يصاب لحّود بصداع، وعون بهياج وسليمان فرنجية بتوتّر. فالكنيسة برئاسة البطريرك صفير "تعود" الى مقدّم الصفوف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.