لا شك انّ قيام الأكثرية بتسليم عريضة وقّع عليها نوّابُها السبعون تدعو الأمم المتحدة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لإنشاء المحكمة الدولية، يمثّل خطوة سياسية متقدّمة، لا بل خطوة تنقل حركة 14 آذار إلى موقع المبادرة السياسية، أو هي ـ بكلام أ دقّ ـ خطوة تضع الصراع السياسي في لبنان أمام منعطف جديد.
الأكثرية لا تقفل السبل الدستورية
غنيّ عن القول ان الأكثرية النيابية مارست ـ بهذه العريضة ـ حقاً دستورياً إمتنع عليها بسبب تعطيل التحالف السوري ـ الإيراني ممّا يسمّى "المعارضة" آليات العمل الدستوري البرلماني أو ما يسمّى "اللعبة الديموقراطية". غير انّ 14 آذار التي كانت أعلنت في البيان الصادر عن قياداتها نهاية الأسبوع الماضي، انّها ستسعى إلى استنفاد السبل الدستورية لإقرار المحكمة ذات الطابع الدولي دستورياً، لم تعلن بخطوتها هذه انها وصلت إلى "النهاية" في الوسائل الدستورية، بل هي لا تزال تعتبر ان إقرار المحكمة في مجلس النواب ممكن.
بكلامٍ آخر، وضعت الأكثرية بعريضتها النقاط على الحروف أمام الجميع، وأمام المجتمع الدولي بشكل خاص، إذ تعلمه بالمعوّقات التي تعترض سبيل إقرار المحكمة في المجلس النيابي. وإذا كان صحيحاً انّ الأكثرية تؤكّد في هذا المجال انّ إقرار المحكمة في مجلس الأمن وفي إطار ميثاق الأمم المتحدة، متاح جدياً، وانّ هذه المحكمة ستقرّ حتماً، فإنّ الصحيح أيضاً هو انّ الأكثرية بعريضتها تمارس ضغطاً أعلى لإقرارها لبنانياً، أي انها تعطي فرصة إضافية كي "ينتبه" الفريق الآخر إلى "حقيقة" انّ المماطلة لم تعُد تجدي نفعاً. وتقول الأكثرية كلاماً واضحاً مفاده انّ خيار إقرار المحكمة في مجلس الأمن متاح، فليحزم الفريق الآخر أمره نهائياً.
إذاً، تمارس الأكثرية النيابية حقاً دستورياً مُنع عنها لجهة التعبير عن إرادة غالبية مجلس النواب والغالبية اللبنانية، لكنها لا تقفل السبيل الدستوري بل تعطيه فرصة جديدة تحت ضغط العريضة التي أرادت من خلالها القول انها لن تكون "مهمومة" بعد اليوم بما يتعلّق بمصير المحكمة لان المحكمة آتية فعلاً.
..لكنّها تضع حدّاً للابتزاز
بيد ان ما هو أكثر أهمية ـ في السياسة ـ في خطوة الأكثرية، هو انّ حركة 14 آذار تقوم بـ"تحرير" الصراع السياسي الدائر ـ بما في ذلك "الحوار" ـ من الابتزاز.
مارس فريق ما يسمّى "المعارضة" ابتزازاً موصوفاً في موضوع المحكمة. وعلى الرغم من رفض الأكثرية "المقايضة" بين المحكمة وأية أمور أخرى، مكتفية باعتبار إقرار المحكمة معبَراً إلى التسوية السياسية للأزمة، فإن التحالف السوري ـ الإيراني في لبنان سعى إلى مقايضة المحكمة بما يسمّيه "حكومة وحدة وطنية" يصرّ على تعريفها بحكومة "الثلث الضامن"، أي الثلث المعطّل في واقع الحال.
ودلّت التجربة، من "التشاور" إلى الحوار الثنائي بين رئيس "حركة أمل" نبيه بري ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، على انّ "الحدّ الأدنى" الذي يريده "التحالف المعارض" هو "أخذ" السلطة في مقابل "إعطاء" المحكمة، في حين انّ "الحدّ الأقصى" ـ وهو المطلوب من جانبه فعلياً ـ هو "أخذ" المحكمة والسلطة معاً أي إطاحة المحكمة وإستلام السلطة، بما انّه يطرح إقرار المحكمة في إطار "حكومة الثلث المعطّل"، ويرفض إقرارها مسبقاً وتمهيداً للحكومة.
المقايضة غير الأخلاقية بين المحكمة والسلطة
وكان آخر تعبير عن هذا الموقف، ما أعلنه أحد نوّاب "التيار العوني" باسم ما يسمّى "المعارضة" في المجلس أول من أمس، إذ خاطب الأكثرية بالقول إذا كنتِ تريدين المحكمة وتريدين معرفة الحقيقة فما عليكِ إلا القبول بحكومة "الوحدة الوطنية". وفي هذا الإعلان ذروةَ المقايضة اللاأخلاقية بين "حقيقة" تشكّل ضماناً للبنان ولكل اللبنانيين، وبين السلطة التي يتمتّع فيها حلفاء النظام السوري وإيران بالقدرة على تعطيل القرار.
إذاً، أخرجت حركة 14 آذار النقاش السياسي من دائرة الابتزاز بالمحكمة، ووضعت حدّاً للمقايضة غير الأخلاقية بين المحكمة والحكومة، أي السلطة. وبذلك تكون قد استعادت المبادرة، واستعادت موقع "الهجوم" السياسي.
ما المقايضة الجديدة
التي سيطرحها "التحالف المعارض"؟
بعد ذلك، ما الذي "يُفترض" أن يحصل؟
إذا كان ما لا شكّ فيه انّ الوضع السياسي، بعد العريضة، انتقل إلى مكان آخر، فممّا لا شكّ فيه أيضاً انّ حركة 14 آذار تعتبر انّ هذا التطوّر يجب أن يقود إلى حوار سياسي متكامل، أي انّ ما بعد العريضة غير ما قبلها.
وما بعد العريضة غير ما قبلها، بمعنى انّ على "التحالف المعارض" أن يفتّش على مقايضة أخرى. كان حتّى الآن يطرح مقايضة المحكمة بالحكومة، فماذا سيطرح في مقابل الثلث المعطّل بعد الآن؟ ماذا سيطرح إذا كان سيمضي في عدم إقرار المحكمة في المجلس؟ وماذا سيطرح إذا وجد نفسه مضطراً إلى إقرارها بعدَ أن بات واضحاً انّ البديل أي إقرارها في مجلس الأمن جاهز فعلاً؟ وماذا سيطرح اذا سلك هذا "التدويل" الجديد دروبَه؟
مِن شأن "التحالف المعارض" أن يقرّر لنفسه السياسة التي سينتهجها. لكنّ حركة 14 آذار "تعرض" حواراً سياسياً حولَ الخيارات الوطنيّة الكبرى.
الحوار وعناوينه المقترحة
تعتبرُ الحركة الاستقلاليّة اللبنانيّة انّ هذا النوع من الحوار لم يتمّ بعدَ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والانسحاب السوريّ الذي تلاه، كما لم يتمّ بعدَ حرب تموز آب 2006. وحتّى في "مؤتمر الحوار الوطني" بين آذار وتموز 2006 لم يحصل هكذا حوار ولا حصلَت تفاهمات حول عناوين كبرى، ما خلا بعض النقاط المهمّة التي أمكن التوصّل اليها قبلَ أن تعود فتتعرّض للنسف.
جرى تهرّب من الحوار حول الخيارات الوطنيّة وهروبٌ منه مِن جانب "التحالف المعارض". لكنّ التهرّب والهروب اليوم من هذا الحوار يُعتبران سداً لفرص إخراج لبنان من الأزمة.
وفي الحوار حول الخيارات الوطنيّة الكبرى الذي تقترحه حركة 14آذار، عناوين رئيسيّة لا بدّ من التطرّق اليها. العلاقة بين لبنان واستراتيجيّة "النظام العربيّ" بعد قمّة الرياض عنوان أوّل. العلاقةُ بينَ لبنان والمجتمع الدوليّ عنوان ثانٍ. العلاقة بينَ الفرقاء والدولة في لبنان عنوانٌ ثالث. كيفيّة بناء الدولة بمرجعيّة اتفاق الطائف عنوان رابع. وكيفيّة تحصين إستقرار لبنان سياسياً واقتصادياً في ظلّ الظروف الإقليميّة والدوليّة عنوان خامس. ومِن هذه العناوين الكبرى، ثمّة عناوين متفرّعة ينبغي التطرّق اليها.
حتّى الآن، كان "الحوار" عندما يحصل قائماً على مجموعة من "الثنائيّات" أي المقايضات، وأثبت عقمه. لكنّه لا يمكن أن يستمرّ عقيماً إلى ما لا نهاية. وحتّى الآن كانَ ثمّة ما يشبه لعبة "الغمّيضة"، اذ يطرح "التحالف المعارض" انّ لديه تعديلات على نظام المحكمة لكنّه يُبقيها سرّية، ويطالب بالثلث المعطّل لكنّه لا يُفصح عمّا يريدُ تعطيله، ويتحدّث عن "المشاركة" لكنّه لا يوضح أين الخلل في المشاركة بمقياس إعتماد اتفاق الطائف.
تجربة اتفاق مكة
انّ الحوار المطروح على هذا النحو يستحضرُ تجربة الحوار بين حركتَي "فتح" و"حماس" في فلسطين، والتتويج الذي كان له في اتفاق مكّة.
كانَ على هذين الطرفَين أن يدركا بسرعة أمرين رئيسيين. الأول هو انّ الصراع على السلطة ليس سوى مشروع حرب أهليّة داخليّة. والثاني انّ المشكلة بينهما ليست "تنظيمية"، وانّ الابتعاد عن "السياسة" لا يساهم في الحلّ.
ولذلك، ذهبت الحركتان الى السياسة لتحسما الخيارات الوطنية. وعندما تمّ هذا الأمر لم يعُد التوقّف عند توزيع الوزارات أمراً كبيراً. بناء على ما تقدّم، تقترح حركة 14 آذار بعدَ "تحرير" الحوار من الابتزاز، ومن موقع استعادة المبادرة، حواراً حول العناوين الوطنيّة للتأسيس لرؤية مستقبلية.
النظام السوريّ المحشور.. وحساباته
هَل يستجيب "الفريق الآخر"؟.
السؤال كبير والأجوبة عنه معقّدة.
إذا كان مِن المنطقيّ من وجهة نظر 14 آذار، أن يساعد تحريرُ النقاش من الابتزاز في الانتقال الى حوار جدّي وعميق ومنتج، فليس مِن الضروريّ أن يرى "التحالف المعارض" في هذا المنطق منطقاً. وثمّة سببان على الأقلّ لذلك. الأوّل هو أنّ هذا "التحالف" مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بمحور دمشق طهران ومكبّلٌ به. والثاني هو انّه حيال إسقاط الابتزاز، يرى نفسه في موقع دفاعيّ في مقابل الموقع الهجوميّ لـ14 آذار.
وإذا كان ممّا لا شكّ فيه انّ الخيارات غير خيار الحوار تضيقُ أمام الفريق الآخر، فلا بأس من التذكير بها ومِن التذكير أيضاً بأنّ ما تراه 14 آذار منطقياً ليس بالضرورة منطقياً مِن الضفّة المقابلة.
النظام في سوريّا محشور فعلاً. قمّة الرياض بالاستراتيجيّة العربيّة التي قرّرتها تحشره، وقد "أفهمه" خادم الحرمَين الشريفَين الملك عبدالله بن عبد العزيز ما "يلزم". زيارةُ رئيس الوزراء التركيّ رجب طيب أردوغان الى دمشق شكلت مناسبةً لـ"إفهامه" أيضاً انّ الوضع الاقليميّ الدوليّ ليس في مصلحته وانّ ثمّة موقفاً إسلامياً قاطعاً لجهة قيام المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وانّ عليه تالياً أن يتكيّف. وزيارةُ رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي "يفترضُ" أيضاً أن تكون قد شكّلت مناسبة لإفهامه انّ رهانه على خلافات استراتيجية حول السياسة الأميركية بين الديموقراطيين والجمهوريين ليس في محلّه.
لكنّ كلّ هذا "المنطق" لا يسمح بالاعتقاد انّ نظام الأسد سينحو نحو "التعقّل". وقد يلجأ في لبنان إلى التصعيد، وإلى الإرهاب الأمني.
"حزب الله" والمسألة الإيرانية
أمّا "حزب الله" باعتباره "رافعة" ما يسمّى "المعارضة"، فمن المنطقي في ضوء تجربة الشهور الماضية أنّ يكون استنتج انّ ثمّة خطراً عليه من الفتنة المذهبية، وانّ السير في السياسة نفسها يستنفر أيّما استنفار، فيراجع حساباته. غير انّ أحداً لا يمكنُه الظنّ بذلك، ليس فقط في ضوء الخطاب السياسي المستمرّ في توتّره، بل لسبب إقليمي ـ بنيوي. ذلك انّ "حزب الله" إذ يتّهم حركة 14 آذار بالمراهنة على ضربة أميركية لإيران تغيّر في مشهد المنطقة، انما هو من يدخل هذه المسألة في حساباته، أي انّ الحزب يربط الأمور بما سيحصل على صعيد "المواجهة" الإيرانية ـ الأميركية ـ الدولية.
وإذا أدخل هذا الأمر في الاعتبار، يغدو واضحاً ان خيارات "حزب الله" تتراوح بين "انتظار" التطوّرات الإقليمية من جهة والانضمام إلى "المواجهة" الإيرانية لأميركا من جهة ثانية أو المبادرة إلى استباق كلّ ذلك بتصعيد من جهة ثالثة.
يجب القول انّ التطوّر المحلي المتمثّل باستعادة الأكثرية للمبادرة السياسية، والتطوّرات الخارجية المشار إليها عربياً وإقليمياً ودولياً، انّ كلّ ذلك يربك "التحالف المعارض" في لبنان. ولذلك، فإنّ "القيمة" الفعليّة لاستعادة المبادرة من جانب 14 آذار هي في انّها تدفع "التحالف المعارض" في أحد اتجاهين: إمّا الإقرار بضرورة الحوار الشامل وإمّا المبادرة إلى التفجير لكن بلا أفق سياسي، أكثر من أيّ يوم مضى.
وغنيّ عن القول انّ 14 آذار تفضّل الاتجاه الأول!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.