8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

برّي يصرّ على توقيع لحود رئيس المشتبه بهم والمتّهمين!

عندما أتى الرئيس نبيه بري الى قريطم للتعزية بالرئيس رفيق الحريري بُعَيدَ استشهاده، قال للسيدة نازك ولسعد الحريري وأخوته أن "دماء أبو بهاء برقبتي". وسرعان ما اتخذ صفة الادعاء باسم المجلس النيابي على من يظهره التحقيق مشتركاً في الجريمة الإرهابية التي أودت برمز لبناني وطني كبير ورفاقه.
كان ذلك قبل أن تجدّد له الأكثرية "الجديدة" في رئاسة مجلس النواب منذ أقلّ بقليل من عامين.
الشريط المملّ من "الاعتكاف" إلى "الحوار الوطني"
استمر بري "يداري" موقفه هذا الى أن أصبحت المحكمة ذات الطابع الدولي استحقاقاً داهماً. بدايةً كان الاعتكاف المشترك لوزراء "أمل" و"حزب الله" في يوم استشهاد جبران تويني. كان مجلس الوزراء على موعد في ذلك اليوم لطلب إنشاء محكمة ذات طابع دولي ولطلب توسيع صلاحية لجنة التحقيق الدولية لتشمل ولايتها كل جرائم الاغتيال التي بدأت بمحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة.
انتهت "الأزمة" آنذاك بعد سبعة أسابيع وفي إطار "تسوية" معيّنة. لم ينكشف "تماماً" الموقف "الفعلي" لطرفَي الثنائية الشيعية أمام مجمل الرأي العام، وذلك بسبب المماحكات التي دارت على طريقة "قلنا وقالوا". "قلنا" أي وزراء "أمل" و"حزب الله" إننا نطالب بتأجيل جلسة مجلس الوزراء لثلاثة أيام فقط فـ"رفضوا" أي وزراء الأكثرية.
جرت "شنكشة" الموضوع كما يُقال واستطاع بري أن يواصل "مداراة" موقفه. ثم كان "مؤتمر الحوار الوطني" في آذار 2006. وأقرّ المؤتمر بالإجماع قيام محكمة ذات طابع دولي. كان القرار هذا جيداً و"انطلى" على بعض الرأي العام، أي أن الوسط السياسي المنتمي الى 14 آذار كان يساوره شك بهذه الموافقة، وكان مقيماً على "ظنّ" بأن هذه الموافقة ليست نهائية ولا بد أن فصولاً من القضية "سوف" تظهر تباعاً.
.. الى أن كان "الاجتماع التشاوري" بعد الحرب وقد جرى تحديد جدول أعماله بطريقة ديكتاتورية ليقتصر على بندَي "حكومة الوحدة الوطنية" وقانون الانتخاب. "حزب الله" وحلفاؤه يريدون أن يهربوا من النقاش حول الحرب ونتائجها، وأن يهربوا من مجرّد عملية "تفقّد" ما كان جرى الاتفاق عليه بالإجماع، وأن يهربوا من متابعة ما توقّف عنده الحوار.
بشار لا يحب سماع كلمة المحكمة!
كان واضحاً أن "الاجتماع التشاوري" في طريقه الى نهاية فاشلة. وعشية الجلسة الأخيرة منه زار رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط الرئيس بري في عين التينة، وتبلّغ من رئيس "حركة أمل" أن النظام في سوريا "لا يحبّ سماع كلمة المحكمة".
في هذه الفترة، كان التفاوض بين لبنان والأمم المتحدة، المقرّر في مجلس الوزراء، قد أفضى الى مسوّدة حول النظام الأساسي للمحكمة. دعا رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الى جلسة للمجلس لمناقشة المسودة وإقرارها. وكما صار معروفاً، فقد أبدى السنيورة استعداده لتأجيل الجلسة عن الموعد الذي حدّده. لكن "حليمة عادت الى عادتها القديمة".. الى "قلنا وقالوا". "قلنا" ـ أي وزراء "أمل" و"حزب الله" ـ أن أجّلوا الجلسة ليتسنّى لنا درسُها فـ"قالوا" ـ أي وزراء الأكثرية ـ لا نؤجّل!
ثم راح اللبنانيون يسمعون على مدار الأيام والأسابيع أن "الجماعة" موافقون على "مبدأ المحكمة" لكنهم يريدون "التدقيق". ثم صارت "السمفونيّة" أن لدى "الجماعة" ما يسمى تعديلات. وعندما يُسألون عنها يشترطون تشكيل حكومة لهم فيها الثلث المعطّل. وبقيت التعديلات سرية.
محاولة بري التخلّص من عبء المحكمة
في هذه الأثناء، كان الرئيس بري يبدو محشوراً. أوحى مرات عدة بأنه مع المحكمة لكن لا قدرة له على أن "يمشّيها". وكيف "يمشّيها" وهو مبلّغ من النظام في سوريا بأنه "لا يحبّ سماع إسمها"؟ وفي مرة من المرّات اقترح بري على بعض المتّصلين به من الحكومة و14 آذار أن "خلّصوني من هذا الموضوع". كيف؟ يمكن إدخال تعديلات على نظام المحكمة بما لا يستدعي الإبرام في المجلس النيابي، لجهة ما يتعلّق بالكلفة المالية التي ترتّب مصادقة المجلس ولجهة مدة المحكمة لتكون سنة بدلاً من ثلاث سنوات. لكن النظام الأساسي أقرّ في الحكومة وأرسل الى المنظمة الدولية؟ "حاولوا" مع الأمم المتحدة قال بري. ومرة نُقل عن بعض أوساطه أنه "إذا كنتم يا أكثرية قادرين على إنهاء هذه المسألة في الأمم المتحدة ومعها من دون الحاجة الى إقرارها في مجلس النواب، يكون ذلك ممتازاً".
إذاً، عندما أصبحت المحكمة استحقاقاً داهماً، لم يعد "تزييت" الكلام مجدياً. فإمّا مع قيامها وإمّا ضدّ قيامها. وهنا سمع اللبنانيون الرئيس بري يقول في مؤتمره الصحافي قبل أسبوعين إن مشروع المحكمة ليس محالاً الى المجلس النيابي، ولا يمكن تالياً عقد جلسة نيابية بهذا الخصوص طالما أن ليس ثمّة إحالة. أحالت رئاسة الحكومة نظام المحكمة مرّتين وفي المرّتين رفض بري التسلّم.
هنا، كشف بري "طبّته" كما يُقال. فهو يريد الإحالة ممهورةً بتوقيع رئيس الجمهورية. هكذا، على الرغم من أن الدستور ينصّ على أنه عندما يرفض رئيس الجمهورية التوقيع مرة ثانية بعد تأكيد الحكومة لموقفها، يحقّ للحكومة أن تنشر مشروع القانون في الجريدة الرسمية، وهذا أمرٌ يعتبر ملزماً.
بعد الاستعراض المملّ.. الكلام الجدّي
عند هذا الحد ينتهي الاستعراض المملّ فعلاً لمحاولات بري وحلفائه التنصّل من إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي. وعند هذا الحد يبدأ الكلام "الجدّي".
في هذا الكلام الجدّي أولاً، أن بري وحلفاءه بعيداً من المماحكات ومن "قلنا وقالوا"، ليسوا سياسياً مع قيام المحكمة ذات الطابع الدولي.. بالضبط لأن نظام الأسد المتقلّب بين الاعتراض على بند الرئيس والمرؤوس في نظام المحكمة وبين إعلان عدم العلاقة بالمحكمة أصلاً، لا يسمح لحلفائه بالسير بالمحكمة لأنه لا يحبّ سماع إسمها.
لماذا الإصرار على توقيع لحود؟
وفي الكلام الجدّي ثانياً، أن ثمة مفارقةً عجيبة. فالرئيس نبيه بري يا أيها اللبنانيون لا يمشي إلا بتوقيع إميل لحود. وعندما يؤكد أن لا إحالة دستورية ما لم تكن مقترنة بتوقيع رئيس الجمهورية، فإنه يقول عملياً إنه حتى لو تمّ تشكيل ما يسمّى "حكومة وحدة وطنية"، وحتى لو أقرّت هذه الحكومة نظام المحكمة ورفضه إميل لحود، فلا سبيل الى إبرام المعاهدة في مجلس النواب. ومعنى ذلك أن بري يؤجّل إقرار المحكمة الى مطلع العام 2008 على أقلّ تقدير. فكيف إذا كان ثمّة من يعِد اللبنانيين بفراغ رئاسي ما لم يتمّ "التوافق" على الرئيس المقبل؟ وكيف إذا كان "التوافق" هنا يعني رضى نظام بشار الأسد؟
وفي الكلام الجدّي ثالثاً، أنّ الإصرار على "توقيع لحود" مفضوح. فكيف يوقّع لحود أصلاً مشروع قانون المحكمة، والمحكمة هذه ستحاكم في أقلّ تقدير رجاله أركان النظام الأمني الملحق بالنظام المخابراتي السوري، ممن اشتبه بهم التحقيق الدولي؟
المعادلات حول بري
وفي الكلام الجدّي رابعاً ما يتعلّق بالرئيس بري بالتحديد. فلا يمكن أن يكون رئيس "حركة أمل" على ما يُرام. المجتمع الدولي بأسره يطالبه بإقرار المحكمة في مجلس النواب ولا يقتنع بتفسيراته لإبقاء المجلس مشلولاً. أما المجتمع العربي فيطالبه بتحمّل مسؤولياته في إنتاج حلّ سياسي للأزمة اللبنانية، على قاعدة اعتبار أن إقرار المحكمة هو المعبر الى الحلّ. لكن، في المقابل، يطالبه نظام الأسد بتعطيل المحكمة والحلّ السياسي معاً. وتطالبه إيران بمواكبة "حزب الله" والسير وراءه. وأمام هذه المعادلات، لا يصعُب استخلاص النتيجة ولو على حساب "الموقعيّة" والمصداقيّة حيال المجتمعَين الدولي والعربي.
بيدَ أن في الكلام الجدّي خامساً، ما يجب أن يكون واضحاً لدى بري. فإذا كان كثيرون يقدّرون أن نظام الأسد يطالبه بـ"إنهاء" المحكمة، ويهدّده إن هو تراخى في متابعة إفشال هذا الاستحقاق، فإن الكثيرين ينصحون بري بالمضيّ قدماً نحو المحكمة، فليس غير المحكمة ما يحمي بري أيضاً مِن أي تهديدات.
سقوط تاريخي: بري يهدر ما راكمه في الحرب
وبعد الكلام الجدّي، ثمة كلام أكثر جدّية.
وفيه أن الرئيس بري لا ينقلب فقط على دور المجلس النيابي، وعلى "القواعد" القانونية والدستورية وعلى تجارب غنيّة في تاريخ المجالس النيابية، لكنه يسجّل على نفسه سقوطاً تاريخياً في لحظة تاريخية من تاريخ لبنان.
حاز بري فرصة "ثمينة" في "مؤتمر الحوار الوطني". ففي هذا المؤتمر كان هو المبادِر والداعي. وفيه، "بدا" أنه الوحيد القادر على "إمساك العصا من الوسط"، أي أنه الوحيد الذي لم تنقطع علاقاته بكل الأطراف من دون استثناء، والقادر تالياً على قيادة المؤتمر نحو تسوية متكاملة. لا يمكن القول أنه لم يلتقط الفرصة، لكنه لم يسِر فيها الى النهاية. وعندما كانت نهاية مؤتمر الحوار استنسبَ عدم تحديد موقف.
أما الفرصة الثمينة الثانية، فكانت خلال حرب تموز ـ آب 2006. في هذه الفترة لعب بري دوراً مهماً. واكتسب دورُه أهميّته من كونه عمل جنباً الى جنب مع الرئيس السنيورة لتجسيد فكرة الدولة ومشروعها. واكتسب خلال هذه الفترة ثقةً لبنانية ـ عربية ـ دولية مركّبة.
لكنه للأسف أهدر بعد هذه الحرب ما راكمه. والقول أن أهمّ ما راكمه كان "تميّزه" عن "حزب الله" وعن التحالفات الإقليمية، ليس فيه أي تحريض له على الحزب، لأن المقصود هنا أن بري كان بعد الحرب في وضع يتيح له أن يشقّ طريقه الى تاريخ البلد كياناً ودولةً.. لكنه تنازل واستسلم.
لذلك، لا مبالغة في القول أن الرئيس بري ومنذ "الاجتماع التشاوري"، وتحديداً أكثر منذ استقالة وزرائه من الحكومة ودخوله في "أعراس المعارضة"، بدأ مساراً انحدارياً، تخسر بسببه "قوى الحلّ" دوراً كان يمكن أن يكون "وسطياً" وموقعَ "تقاطع" لو دافع عن كونه جسراً بين الفرقاء، وهو دورٌ لم يكن في وسع أحد أن يلعبه.
الشيعيّة السياسية وإسقاط الفرص
ما بالُها الشيعيّة السياسية في لبنان لا تحسن القبض على اللحظة المناسبة؟. ففي العام 2000 بعد إنجاز التحرير، توجّه كثيرٌ من اللبنانيين إلى "حزب الله" لدعوته الى الدخول "دخول الفاتحين" في الكيان والصيغة والدولة. ثمّ لاحت فرصةٌ أخرى في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كي يشكّل رافداً أساسياً للاستقلال اللبناني الثاني. لكن "حزب الله" فوّت فرصتين تاريخيّتين.
وها هو الرئيس بري يهدر فرصاً أيضاً.
مع الأسف، صار حضور بري في المشهد السياسي بلا بريق.. رئيس "مرتبك" لمجلس يضجّ حيويةً. وصار الدهاء السياسي ميزةً غير قابلة للصرف في إطار السجن الذي يضع نفسه فيه.
رحمات الله عليك يا شهيد لبنان الرئيس رفيق الحريري. لم تعد دماؤك أمانةً في أعناق بعضهم. لكنها ستمضي بلبنان قدماً نحو العدالة والحرية!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00