في ردّه على رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط الذي أمِل ألاّ يسجّل رئيس المجلس "علامة سوداء" في تاريخه وتاريخ المؤسسة الدستورية الأم، بإبقائه أبواب المجلس مغلقة وبامتناعه عن إقرار نظام المحكمة ذات الطابع الدولي، أكد الرئيس نبيه بري أن "أبواب المجلس ستبقى مفتوحة دائماً ومن منطلقات الدستور ذاته الذي تحرص عليه"، وأن "المجلس سيقرّ المحكمة في مهلة غير بعيدة وسأبقى أحاول أن أجعلها علامة جمع لكل اللبنانيين وليس تمزيقاً لهم كما يعمل بعض مدّعي الحرص عليها، وما أظنّك منهم".
ردّة فعل مرحّبة:
لم يتضمّن الردّ شروط "المسكوب"
حيال تصريح برّي، برزت في الوسط السياسي ردّتا فعل أوليّتان.
الأولى "ترحيبية"، تنطلق من ملاحظة أن الردّ على جنبلاط لم يكن "قاسياً" أو "عنيفاً"، وأنه لم يتضمّن ـ كالعادة ـ شروط "المسكوب" التي دأب برّي وحلفاؤه على تكرارها، أي مناقشة نظام المحكمة لإدخال "تعديلات" عليه ثمّ إقراره بعد التعديلات في إطار "حكومة وحدة وطنية"، ثم إحالته الى المجلس النيابي لإبرامه.
إعتبرت ردّة الفعل الأولى هذه أن كل ذلك يؤلّف إيجابية "تنبئ" بأن ثمة جديداً في تعاطي الرئيس برّي ـ وحلفائه ـ مع موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي، أي أن ثمة جديداً قد يكون طرأ على المواقف الإقليمية والمحلية من هذا الموضوع، بات يسمح بـ"حلّ" هذا العنوان.
ردّة الفعل "الحذرة": شروط برّي قبل 24 ساعة
أمّا ردّة الفعل الثانية ـ الغالبة ـ فكانت "حذرة" حيال تصريح برّي.
فغنيّ عن القول هنا إن رئيس المجلس كان قبل أربع وعشرين ساعة من هذا التصريح، أصدر بياناً "يوضح" فيه أسباب عدم تسلّمه إحالة رئاسة مجلس الوزراء لمشروع نظام المحكمة على المجلس النيابي. وفي "التوضيح" المذكور أن رفض التسلّم ينهض على سبب رئيسيّ هو أنّ الحكومة التي تُحيل هي حكومة "بتراء" أي غير شرعية وغير دستورية من وجهة نظر برّي وحلفائه وانّ الإحالة يجب أن تكون مقترنة بتوقيع رئيس الجمهوريّة.
لذلك، فعندنا يكون "تصريح" في معرض الردّ، مسبوقاً بـ"موقف"، من الطبيعي بالنسبة الى أصحاب ردّة الفعل الثانية أن يؤخذ "الموقف" لا "التصريح" في الاعتبار. وعليه، فإن كلمات التصريح ـ أي مفرداته ـ لا تحتمل تأويلاً، إذ تُبقي فراغاً يجب ملؤه بالاستناد الى الموقف المعروف.
غير أن ما يلفتُ إليه أصحاب ردّة الفعل هذه، هو أن تصريح برّي في معرض الردّ على جنبلاط، إنما يعكس "حشرة" رئيس "حركة أمل". ذلك أنه، وقد تعهّد بعدم التفريط بالدورة العادية من ناحية، وبعد مضيّ نحو أسبوعين على موعد بدئها من ناحية ثانية، وفي وقتٍ لا بد أنه يقرأ جيداً معنى التضامن مع لبنان في قمّة الرياض ومعنى التأكيد من جانبها على استمرار المبادرة العربية أساساً لكل بحث في التسوية من ناحية ثالثة، يجد برّي نفسه محشوراً بالوقت الذي أصبح دوره ـ أي الوقت ـ كاشفاً لأداء الجميع "وحقيقة" مواقفهم.
نيسان: إستحقاق إقرار المحكمة
طبعاً، ليس تصريح برّي الأمر الوحيد الذي دار بشأنه نقاشٌ "عميق" في الوسط السياسي خلال الساعات الماضية.
فانطلاقاً من التقدير الذي يرجّح أن ما تضمّنه تصريح برّي ليس جديداً، وأنه لا يعكس ـ تالياً ـ تحوّلاً في موقف النظام السوري وحلفائه من المحكمة الدولية، يعتبر معظم الوسط السياسي أن شهر نيسان الجاري هو بمثابة المهلة الزمنية "الأخيرة" المتاحة للبنان كي تقرّ المحكمة الدولية ضمن الأطر الدستورية اللبنانية، أي في المجلس النيابي.
وفي العمق، هذا هو المعنى الفعلي لما ورد في إعلان الرياض حول لبنان، حيث حضّت القمة العربية الفرقاء السياسيين اللبنانيين على التوافق لإقرار المحكمة لبنانياً. وهذا هو المعنى الفعلي لما أدلى به الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خلال زيارته الى بيروت قبل يومين، حيث أبدى نوعاً من الاستغراب حيال تلكّؤ لبنان في المصادقة على اتفاقية وقّعتها المنظمة الدولية. وهو إذ اعتبر أنه "من السابق لأوانه" النظر في إنشاء المحكمة تحت الفصل السابع من الميثاق، إنما كان يؤكد أن فرصة إقرارها لبنانياً لا تزال قائمة وإن كانت تضيق بالفعل.
"أكذوبة" نظام الأسد حول عدم النقاش معه
وهنا، لا بد ـ في هذا السياق ـ من توضيح مجموعة من العناوين المتصلة باعتراض النظام السوري وحلفائه على المحكمة وتعويقهم لها من جهة والمتعلّقة بـ"ملاحظاتهم" على هذه المحكمة من جهة أخرى.
العنوان الأول يتعلّق بادعاء النظام السوري أنه "غير معنيّ" بالمحكمة، وبتكراره القول أن أي نقاش معه لم يتمّ بشأنها.
فأن يقول نظام الأسد أنه غير معنيّ بالمحكمة، فذلك أمر مفهوم من زاويتين. الأولى هي محاولته الدائبة للقول أن لا علاقة له بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى. اما الزاوية الثانية، فهي ان إعلان "عدم العلاقة" بالمحكمة يؤكد نية تعطيلها بالضبط لأنه معني بها، ولأن التحقيق الدولي توصّل الى معطيات سواء بالنسبة الى "المناخ السياسي" للجريمة أو بالنسبة الى كيفية تنفيذها، توجّهُ أصابع الاتهام الى النظام المخابراتي السوري وملحقه اللبناني بالجرائم الإرهابية.
لكن أن يقول نظام الأسد أنه لم يجر أي نقاش معه في موضوع المحكمة، فذلك أكذوبة. وفي هذا المجال، تؤكد مصادر ديبلوماسية دولية ان الادعاءات السورية مستغربة، على إعتبار ان السفير السوري في نيويورك، والمكتب البريطاني للمحاماة الذي كلفته دمشق بالنواحي القانونية كافة، كانا على تشاور مستمر مع المنظمة الدولية، بالتوازي مع الحوار القانوني بين لبنان والأمم المتحدة والذي أفضى إلى صياغة نظام المحكمة.
الفصل السابع بين المادة 41 والمادة 42
اما العنوان الثاني فيتعلق بالتحريض الذي يقوم به النظام السوري وحلفاؤه وأتباعه ضد صدور المحكمة الدولية تحت الفصل السابع، بحجة أن الفصل السابع يعني "حتماً" إعتماد القوة في التنفيذ.
طبعاً، لا الحكومة اللبنانية ولا فريق 14 آذار طالبا حتى الآن بالذهاب الى الفصل السابع، وهما يستمران في نضالهما من أجل إقرار المحكمة كما وردت تحت الفصل السادس، في مجلس النواب. لكن التدقيق في مواد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يدحض ما يدعيه نظام دمشق وأتباعه.
يقع الفصل السابع في ثلاث عشرة مادة من المادة 39 الى المادة 51.
تنص المادة 41 من الفصل السابع على أنه "لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب إتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب الى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصِلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكيّة وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً وقطع العلاقات الديبلوماسيّة".
أما المادة 42 فتنص على انه "إذا رأى مجلس الأمن ان التدابير المنصوص عنها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تفِ به، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبحرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لاعادته الى نصابه، ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصار والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء الأمم المتحدة".
إذاً، في الفصل السابع، ثمة تدرج. يبدأ الأمر بـ"التزام" الدولة أو الجهة المعنية بتطبيق قرار مجلس الأمن. وإن لم يكن ثمة التزام، تُطبّق المادة 41 التي تتحدث عن "التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة". وإن لم تفِ التدابير المذكورة بغرض تطبيق القرار الدولي، تُطبق المادة 42 عندئذ.
وعلى هذا الأساس، فان التحريض ضد الفصل السابع، بالتزامن مع تعطيل إقرار المحكمة تحت الفصل السادس دستورياً في المجلس النيابي، انما يشكل، بالاضافة الى كونه تضليلياً، وجهاً من "سياسة" واحدة ضد المحكمة.
الأكثرية اللبنانية من القضاة:
إستعادة التجربة الكمبودية الفاشلة
أما العنوان الثالث فيتعلق بالرغبة غير الخافية لدى نظام الأسد وحلفائه وأدواته في إفراغ المحكمة من مضمونها، وهذا ما تجلى في ما جرى تسريبه إعلامياً حول تركيبة المحكمة، حيث يطالب هؤلاء بأن تتشكل هيئة المحكمة من أربعة قضاة لبنانيين وثلاثة قضاة دوليين، وليس العكس، أي أن تكون أكثرية القضاة من اللبنانيين.
وفي هذا المجال، تلفت مصادر ديبلوماسية دولية الى أن تجربة حصلت في كمبوديا بين منتصف الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الماضي، حيث شُكلت آنذاك محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة "الخمير الحمر" على جرائمهم ضد الإنسانية في هذه البلاد. وإذ جرى في ذلك الوقت تقدير انّ أكثرية القضاة في المحكمة يمكن ان تكون كمبودية، تبين في وقت لاحق ان المحكمة المشكلة على هذا الأساس فشلت، وكانت المحكمة "الدولية" الوحيدة التي لم تستطع ان تقوم بعملها وأن تصل الى نتائج.
هكذا إذاً، وتأسيساً على ما تقدم ذكره، يتبين بوضح انّ إعتراض النظام السوري وأتباعه على المحكمة ذات الطابع الدولي والمترجم نية صارخة في تعطيل إقرارها، انما يقترن بجملة أكاذيب على الصعد السياسية والقانونية كافة.
"لعبة الوقت" انتهت ونيسان يدهم
طبعاً، سوف تحرص الأكثرية على إقرار نظام المحكمة في مجلس النواب. لكنها سترفض بالتأكيد أمرين. الأول إدخال تعديلات تمس بجوهر المحكمة اختصاصاً وصلاحيات ونطاق ولاية وتركيبة. والثاني، مواصلة الابتزاز من جانب "الفريق السوري"، وهي تحمله مسبقاً مسؤولية "الدفع" باتجاه الفصل السابع، لكن مع كل التوضيحات التي تفيد أن الذهاب الى الفصل السابع "إضطراراً" لا يعني إخضاع لبنان لـ"القوة الدولية"، كما تفيد ـ أي التوضيحات ـ أن هذا "الفريق السوري" باعتراضه سبيل المحكمة تحت الفصل السادس، هو الذي يستدرج لوناً من ألوان "التدويل".
من هنا، وبالعودة الى تصريح الرئيس برّي رداً على الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، يعرب أصحاب ردّة الفعل الحذرة على التصريح عن أملهم في أن يكون رئيس "أمل" مدركاً تماماً لتداعيات عدم فتح المجلس النيابي فوراً ونتائجه، وأن يكون مقتنعاً بأن "لعبة الوقت" شارفت على نهايتها. لكنهم إذ يسجّلون هذا "الأمل"، لا يقرأون متحوّلاً جديداً في وقت يواصل "رأس" ما يسمّى "المعارضة"، أي "حزب الله" تمسّكه بشرطَي التعديلات على نظام المحكمة من ناحية وإقرارها في حكومة مشكّلة على أساس الثلث المعطّل من ناحية ثانية.
إن شهر نيسان الجاري أمام استحقاق المحكمة الدولية.. وبقوة. ولن تبقى المحكمة بدون إقرار، ولا يستحق المجلس النيابي، أن يُحرم من إنجاز تاريخي بكل معنى الكلمة، إنجاز يمثّل ضمانةً كبرى لاستقلاله، ولمساره السياسي الديموقراطي والدستوري.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.