لا جدال في ان قمة الرياض كانت "استثنائية"، بمقياس رئيسي هو وضع اليد العربية على كل القضايا العربية أو إعادة "تعريب" قضايا العرب وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية، و"في الطريق" إعادة تعريب الأمن القومي العربي.
ربّ قائل هنا ان هذا المقياس لا يصحّ اعتباره استثنائياً، لأن من البديهي أن يكون قرار العرب للعرب. بيد انّ تطورات الوضع في المنطقة خلال السنوات الماضية، كانت تفيد بما لا يدع مجالاً للشك، ان "القرار العربي" كان غائباً، بين "الهجوم" الأميركي في المنطقة وعليها من ناحية و"التغلغل" الإيراني في سياق مشروع لجعل إيران قوة إقليمية ناطقة باسم الصراع العربي ـ الإسرائيلي من ناحية ثانية.
وبهذا المعنى "المحدّد"، فإنّ قمة الرياض أعادت تظهير "المشروع العربي" المستقلّ عن الولايات المتحدة، لكنها وجّهت في الوقت نفسه رسالة واضحة إلى الجارة الإسلامية بأن تداخلها مع العديد من قضايا المنطقة غير مقبول عربياً.
"الرباعية العربية"
وإذا كان من المسلّم به انّ هذه النقلة العربية "النوعية" بمقياس "ردم" الفراغ العربي "المخيف" خلال الأعوام السابقة، قد تمّت بدور رئيسي من المملكة العربية السعودية، فإنّ ما يجب تسجيله هو انّ القمة مقدماتٍ ونتائج، أبرزت تشكّل ما يمكن تسميتُها "الرباعية العربية" على رأس "النظام العربي"، وهي "رباعية" تضمّ إلى المملكة، مصر والأردن والإمارات، وكان لتوافقها أثره الواضح على مجرى العمل العربي.
ووسط هذه "الصورة" الجديدة، ثمّة أسئلة كثيرة تتعلّق بالنظام السوري وبمدى قدرته على التكيّف مع هذا الجديد العربي.
قبل التطرّق إلى عناوين عديدة في هذا المجال، لا مفرّ من الإشارة إلى انّ إعلان قمّة الرياض استعادة القرار العربي ـ على أساس مشروع واضح ـ هو بمثابة "فرصة أخيرة" يعطيها "النظام العربي" للنظام السوري كي يحدّد موقعه وموقفه. ذلك ان نظام بشار الأسد بات عليه أن يدرك أمرين رئيسيين. الأول هو انّ "النظام العربي" الذي يستعيد قراره، يقوم على تكافؤ بين دوله أي على استقلال كل منها، فلا نفوذ لدولة في أخرى، ولا دور إقليمياً لإحداها يستتبع دولاً أخرى. والثاني هو انّ "الاستقلال" عن إيران شرط لا بدّ منه.
الأسد: إشارة أولى هي "الاقتضاب"
ممّا لا شكّ فيه انّ رئيس النظام السوري بشار الأسد فهم جيداً رسالة قمّة الرياض ومضامينها وأبعادها.
لكن في موازاة "فهمه" هذا، أعطى في القمّة إشارتين متناقضتين. الأولى، انه وخلافاً لعادته في الإدلاء بـ"مطوّلات" وفي "الأستذة" على القادة العرب، اكتفى الأسد بدقائق معدودة لخطاب ألقاه في الجلسة الختامية، قصد منه الايحاء بأنه على استعداد للسير في المقرّرات التي وصفها بـ"التاريخية". أمّا الثانية، المتناقضة مع الأولى، فتمثّلت بايكال الأسد إلى إميل لحود مهمة تقديم مطالعة تتعارض ومواقف القمة.
..وثانية عبر لحود
وقد تمّت قراءة كلمة لحود على هذا الأساس. وهو أعلن اعتراضاً واضحاً على المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مستحضراً الذريعة السورية المملّة أي "التسييس". واستحضر حرب تموز التي كانت في الأصل مرفوضة عربياً من زاوية "مبادرة" حزب الله إلى اختطاف جنديين إسرائيليين خلف "الخطّ الأزرق" ما أعطى ذريعة لعدوان إسرائيلي واسع، ومن زاوية العدوان الإسرائيلي نفسه أيضاً. كما انه في استحضاره لحرب تموز قدّم "النموذج" الذي يعاكس تماماً المشروع العربي للسلام، والذي يناقض على طول الخطّ فكرة المرجعية العربية "المركزية" للصراع مع إسرائيل.. فضلاً عن كون هذا "النموذج" موضوعاً خلافياً في لبنان.
إيران "في" سوريا
إذاً، في موازاة "فهمه" لرسالة القمّة، أعطى الأسد ـ في الشكل والمضمون ـ إشارتين متناقضتين. غير انّ ما يجب إضافته ممّا لا يجوز تغييبُه عن الأذهان، يتعلّق بالعلاقة السورية ـ الإيرانية.
ليس خافياً ـ تكراراً ـ ان قمّة الرياض إذ تؤكد الاستقلال عن المشروع الأميركي وعن المشروع الإيراني في آن، انما تدعو ـ عملياً ـ إلى "الفصل" العربي عن إيران في القضايا العربية، من أجل البحث في إمكانية "الوصل" معها بشأن القضايا الإقليمية العامة و"المصالح" المشتركة.
من هنا، فإنّ ثمّة سؤالاً كبيراً حول ما إذا كانت ثمّة قدرة لدى النظام السوري على "الفكّ" أو "الفصل" عن إيران، أي الاستقلال عنها، في وقت باتت العلاقة السورية ـ الإيرانية تمثّل مكوّناً عضوياً في هذا النظام، أي انّ إيران ليست بالنسبة إلى سوريا والنظام فيها عاملاً "خارجياً" وقد غدت عاملاً داخلياً بكل معنى الكلمة، في السياسة والاقتصاد والأمن، وتشبه إلى حدّ كبير العلاقة اللبنانية ـ السورية زمن الوصاية على لبنان، لكن بـ"المقلوب" هذه المرّة حيث إيران بمثابة "الوصي" على سوريا والنظام فيها.
كذلك، فإنّ الأسئلة الكثيرة تتعلق بمدى قدرة نظام الأسد على تغيير نفسه تكيّفاً مع المعطى العربي الجديد، ليس فقط من زاوية قدرته على إنهاء السياسة القائمة على "تجميع الأوراق" للمساومات، بل من زاوية مستقبل "شرعيّة" هذا النظام، أي من زاوية انعكاس أيّ تحوّل "سياسيّ على وضع النظام نفسه.
قمّة الرياض تضع الأسد في ظرف "دقيق"
تأسيساً على ما تقدّم، يمكن القول، في ما يخصّ لبنان، انّ قمّة الرياض أتت ينتيجتَين.
النتجية الأولى، هي انّ القمّة باستعادتها القضايا العربيّة الى القرار العربيّ، أعطت استقلال لبنان وسيادته وحريّته مظلّة "تعريبيّة" واضحة، وفي رسمها استراتيجيّة عربيّة مشتركة تحت عنوان "مشروع السلام" أعطته تأييداً لسيره في تنفيذ القرار 1701، بما انّ أيّ "حجّة" لإستمرار أيّ عمل مقاوم "فوق لبناني" لم تعد موجودة في ظلّ تأكيد واقع انّ القضيةّ الفلسطينيّة قضيّة عربيّة عامّة من ناحية، وانّ الموقف العربي يأخذ في الاعتبار مصلحة "الشرعيّة الوطنيّة" الفلسطينيّة من ناحية ثانية. وكذلك، أعطت القمّة لبنان دعماً للمحكمة الدوليّة دعماً لعمليّة سياسيّة حرّة في البلد بعيداً من ضغوط الاغتيالات والجرائم الإرهابيّة.
أمّا النتيجة الثانية، فهي انّ القمّة إذ وضعت النظام السوريّ أمام "فرصة أخيرة" بكلّ معنى الكلمة، انّما وضعته أمام ضرورة الاختيار وبسرعة بينَ أن ينضوي في إطار "النظام العربي" بـ"شروطه" المُعلنة من جهة وبينَ أن ينعزل و"يقلّع شوكه بيديه" من جهة أخرى.
لا داعي للتأكيد هنا انّ النظام السوريّ، في ضوء هذه الاستنتاجات، هو "اليوم" في وضع "دقيق" للغاية. و"أهمّ" ما في هذا الوضع "الدقيق" الذي ينوجد فيه، أن لا وقتَ "مفتوحاً" أمامه، إذ عليه أن يقرّر وبسرعة وجهتَه المقبلة.
8 آذار يروّج لـ"إتفاق" سوريّ ـ سعوديّ
وسطَ هذه "الصورة"، لا شكّ انّ ثمّة سؤالاً يلحّ على اللبنانيين هو الآتي: هل باتت الأزمة اللبنانيّة، في ضوء المعطيات الآنفة، على مشارف الحلّ؟.
مّن نافل القول انّ أمر الحلّ يتوقّف على قرار إيرانيّ بقبول التعاطي مع "تعريب" قمّة الرياض للقضايا العربيّة ومنها المسألة اللبنانيّة. ويتوقّف على قرار من النظام السوريّ بـ"النزول" تحت سقف هذا التعريب.
خلالَ الأيّام الماضية، برزت في الوسط السياسيّ اللبنانيّ مجموعةٌ من الآراء في هذا المجال.
الرأي الأّول، قام فريق 8 آذار بتسويقه، وفيه انّ العلاقات السوريّة ـ السعوديّة تجاوزت أزمتَها وعادت الى سابق عهدها قبل أكثر من عامين. وفيه أيضاً انّ الامكانيّة باتت متاحة لتفاهم سوريّ ـ سعوديّ "حول" لبنان، بحيث يتفق الجانبان على "تقاسم النفوذ" في البلد(!).
والرأي الثاني، يميلُ أصحابُه الى الاعتقاد انّه لا بدّ انّ "شيئاً ما" تغيّر في إطار العلاقات السوريّة ـ السعوديّة، وانّ رئيس النظام السوريّ بشّار الأسد وقد تعرّض لـ"محاسبة" سعوديّة "قويّة" في كواليس قمّة الرياض، ذو مصلحة في أن يستعيد شرعيّته العربيّة وفي أن يؤدي دوراً بنّاءً، لا سيّما انّه سيكون الرئيس المقبل للقمّة في العام 2008.
آراء تذكّر بدفاع الأسد عن مصيره في لبنان
أمّا الرأي الثالث، فهو يعتبر انّ الأوّل من نوع "البروباغندا" الهجوميّة ـ الدفاعيّة المبنيّة على تقديرات تنتمي الى مرحلة "بائدة" في فهم الديبلوماسيّة والعلاقات بين الدول ويعتبر انّ الثاني لا يأخذ في حسابه إنعدام المصداقيّة الذي يميّز نظام الأسد، وهو الذي يتعهّد ولا يفي بتعهّداته، و"يأخذ" ثمّ ينقلب، ويمارس "لعبة الوقت".
والرأي الرابع والأخير، يعتبرُ أصحابُه انّ نظام الأسد يواجهُ الآن إختبار "الفرصة الأخيرة"، ولن يتأخّر إتّضاحُ الوجهة التي سيسلكها، مع مَيل الى الاعتقاد ـ المبنيّ على التجربة ـ انّ النظام السوريّ الذي اعتبر على الدوام انّ مستقبله ومصيره يتقرّران في لبنان، سيواصل الدفاع عن مصيره في لبنان، حتّى لو كانَ الأفقُ السياسيّ مغلقاً في وجهه، وإلى أن "يهزم" دفاعه عن نفسه عبر لبنان.
وعلى أيّ حال، وفي غضون الساعات المقبلة، سينطقُ حلفاؤه وأتباعُه في لبنان بـ"التعليمة"، ولن يكونَ صعباً عندئذٍ "تقدير الموقف" وإحتساب الاحتمالات.
من هنا، وفي قراءة "إجمالية" لقمّة الرياض في ما يتعلّق بلبنان، "يجب" القول ان الموقف العربي يدعم المسار الاستقلالي للبلد ويدعم مشروع الدولة فيه ويدعم العملية السياسية السلميّة والديموقراطية، ويعترض على "نهج" الصراع بالقوة المستدرِج للفتنة.
14 آذار.. وفرصة إنهاء "المرحلة الانتقالية"
بيد ان الحذر من التفاؤل بأن يحصل انتقال فوريّ إلى "الحلّ" في لبنان، مطلوب ربمّا أكثر من أيّ وقت سابق. ذلك انّ الحلّ اللبناني ـ اللبناني الذي شجّعت قمّة الرياض عليه، يفترضُ أن يكون جميع الفرقاء "لبنانيين"، أي أن يملك عدد من الفرقاء القدرة على فكّ الارتباط بالنظام السوري، في لحظة مناسبة توفّرها مقرّرات القمّة. وهذا ما لا يمكن الاعتقاد به بطبيعة الحال. وكذلك، فإنّ حواراً لبنانياً ـ لبنانياً "تتوسّطه" عقد النظام السوري، لا يمكن الاطمئنان إلى جديّته.
لكن في المقابل، تقدّم قمّة الرياض فرصة كي يجتاز لبنان المرحلة الانتقالية العسيرة التي يمرّ بها. وعلى هذه الفرصة ستبني حركة 14 آذار.. وستسعى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.