اليوم تُنهي القمّة العربيّة في الرياض أعمالها، وسيكون أبرز قراراتها بدون شكّ إعادة إطلاق "المبادرة العربية" التي كانت قمّة بيروت في العام 2002 قد وافقت عليها بناء على طلب خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز الذي كان لا يزال آنذاك ولياً للعهد في المملكة.
"المشروع العربي للسلام"
يمكنُ القول من دون تردّد ان الاسم "الفعليّ" لهذه "المبادرة" هو "المشروع العربي للسلام" في المنطقة. وبهذا المعنى، فإنّ "النظام العربي" قيد إعادة التأسيس يحمل "مشروعه للسلام" وليس مشروعاً لـ"المواجهة"، أي انّ "النظام العربي" يقدّم بعد نحو ستة عشر عاماً من مؤتمر مدريد ومن المفاوضات المتعثّرة والمتعذّرة على غير مسار، البديل من "عملية التسوية" بكلّ متعرّجاتها، وهو البديل الذي يفترض أن يذهب به العرب إلى مجلس الأمن لطرحه بوصفه المخرج السلميّ من مأزق "عملية التسوية" التي قادتها الولايات المتحدة على مدى أكثر من عقد ونصف العقد.
ثمّة عوامل عديدة تجعلُ "مشروع السلام العربي" أمام فرصة مختلفة تماماً عمّا جرى في العام 2002، حين عاجلت أميركا وإسرائيل "المبادرة العربية" آنذاك بضربة قاسية إبتداء من تشديد الحصار على الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في "المقاطعة" في رام الله.
لا شكّ ان العامل الأول هو انّ "المشروع العربي" بالرغم من "البرود" الأميركي المعلن حياله ومن "التشدّد" الإسرائيلي بشأنه، يقدّم للولايات المتحدة فرصة حقيقية للخروج من مأزقها الإقليمي في الشرق الأوسط.
والعامل الثاني هو انّ تجديد إطلاق "المشروع العربي" إذ يشكّل إعلاناً لاستقلال "النظام العربي" عن الولايات المتحدة، فإنّه في الوقت نفسه يشكّل إعلاناً عن "إستعادة" القضية العربية وفي أساسها القضية الفلسطينية إلى "يد" عربية، بعد سنوات من "التغلغل" الإيراني داخلها.
"السلام العربي" سقفاً فلسطينياً
أمّا العامل الثالث، ولعلّه الأهم بل هو الأهمّ، فهو انّ "المشروع العربي" يعاود حضوره هذه المرة، وقد أخذت به فلسطين سقفاً. فإذا كانت منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيّتان أقامتا منذ عقد التسعينات من القرن الماضي تحت هذا السقف، أي انّ خيارهما "الوطني" تماشى مع روحيّة هذا المشروع منذ ذلك الوقت، فإنّ "الجديد" الفلسطيني يتمثّل في "تطوّر" موقف حركة "حماس" باتجاهه.
فرئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل بدا أكثر من أي وقت مضى مدافعاً عن "المشروع العربي للسلام". وهو في تصريح له قبل بضعة أيام، إذ "استبعد" أي تأثير للضغوط ـ الأميركية ـ على الرأي العربي الرسمي بشأن "مبادرة السلام العربية"، تحدّث عن "صلابة الموقف العربي وتماسكه".
والعامل الرابع، وهو شديد الأهمية أيضاً، يتعلّق بـ"حقيقة" ان إعادة تأسيس "النظام العربي" مسبوقة هذه المرة بتحديد دقيق من جانب المملكة العربية السعودية والدول العربية الرئيسية للمعادلة الآتية: لا يمكن لأيّ فريق سياسي داخل أيّ بلد عربي أن يشقّ "الشرعية الوطنية" في بلده ويتخذ قرارات منفردة على حسابه من جهة، ولا يمكن لأيّ بلد أن يورّط بقرار منفرد منه "الشرعية العربية" وأمنها من جهة أخرى.
وبكلامٍ آخر، صحيح ان "النظام العربي" يقدّم "أقصى" ما يمكنه أي "مشروع السلام"، لكنّه يرسم "استراتيجية" عربية مشتركة. وفي ظل الظروف القائمة من ناحية والعوامل التي أدّت إلى صوغ المشروع من ناحية ثانية، تغدو هذه "الاستراتيجية" ملزِمة ولا يعود الالتزام بها استنسابياً، طالما ان "النظام العربي" يُعاد تأسيسُه على قاعدة التكافؤ بين مجموع "الشرعيات الوطنية" في الدول العربية.
استراتيجية الدولة في لبنان
بالانتقال إلى لبنان، فإنّ لما تقدّم نتائج مباشرة.
النتيجة الأولى، هي انّ استراتيجية الدولة، وأيّ حكومة، لا بدّ أن تكون تحت سقف "الشرعية العربية" و"استراتيجية السلام العربي". فلا يمكن أن تكون للبنان إستراتيجية خاصة به للصراع مع إسرائيل، بما أن لا افق أصلاً لأيّ استراتيجية لا تأخذ الوضع العربي و"طاقته" في الاعتبار، وبما أن لا قيمة لأيّ استراتيجية لا تأخذ في الاعتبار الإجماع اللبناني أيضاً.
والنتيجة الثانية هي انّ إعادة إحياء "المشروع العربي للسلام" في الظروف المتبدّلة المشار إليها، تعني منح لبنان مظلّة عربية، مستقلّة فعلاً عن الولايات المتحدة والغرب وعن الصراع الإقليمي ـ الدولي، ممّا يعني أن لا وصاية دولية ـ أميركية ـ غربية على لبنان. هذا مع العلم ان "المشروع العربي للسلام" لا يعني إنهاء الصراع مع إسرائيل، لكن تُقرّر أشكال هذا الصراع من ضمن الاستراتيجية العربية المشتركة.
والنتيجة الثالثة، هي انّ التزام لبنان باستراتيجية "السلام العربي"، لا يعني هنا فقط إلتزاماً بـ"النظام العربي" وبـ"الشرعية العربية"، بل يعني إلتزاماً بالشرعية الدولية أيضاً بما انّ "المشروع العربي" يقعُ تحت سقف قرارات "الشرعية الدولية"، وبما أنّه يتوجّه إلى هذه "الشرعية الدولية" من أجل تصحيح المسار في المنطقة.
1559 و1701,. والمحكمة الدولية
أمّا النتيجة الرابعة الأساسيّة، المبنيّة على سابقتها، فهي انّ كل القرارات الدولية المتعلقة بلبنان والتي "تنسجمُ" مع "المشروع العربي للسلام"، لا بد ان تشكّل معه كلاً متكاملاً، او "سلّة واحدة" بمصطلحات هذه الايام.
ولا شك هنا ان المسألة تتعلق بالقرارات الدولية الحامية لـ"لشرعية الوطنية" اللبنانية، وبالقرارات التي تعنى بالصراع "اللبناني" ـ الاسرائيلي.
وبهذا المعنى، يشكل القراران 1559 و1701 مع "المشروع العربي" كلاً متكاملاً. ويتكامل مع هذه القرارات ايضاً، تلك المتعلقة بالتحقيق الدولي والمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الإغتيال الأخرى.
والنتيجة الخامسة الرئيسية لاعادة الاعتبار لـ"المشروع العربي" من ناحية وللقرارات الدولية "المنسجمة" معه من ناحية ثانية، هي إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف الذي يبقى المرجعية الأصلية والأصيلة لأي استراتيجيات لبنانية.
الحوار "السابق" أغفل "السياسة"
ماذا يعني هذا الكلام كلّه؟.إذا كان لا جدالَ في ان توجّه "النظام العربي" نحو تجديد تبنّي "المشروع العربي للسلام" يؤمّن بمفعول رجعي "تغطية" فعلية لسياسة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، ولاسراتيجية حركة 14 آذار بما هي استراتيجية لبنانية ـ عربية، أو استراتيجية لبنانية بـ"بُعد" عربي، فمما لا جدالَ فيه ايضاً ان "الحوار" بعد قمّة الرياض يجب ان يكون غير ما قبله.
"يجب" الانطلاق من الاعتراف بأن الازمة في لبنان ناشئة عن خلاف حول الخيارات الوطنية الكبرى ومن ضمنها الخلاف حولَ النظام السياسي وطبيعته.
تجربة "فتح" و"حماس"
وهنا، على سبيل المثال "لا بأس" من استحضار التجربة الفلسطينية "الاخيرة". ففي هذه التجربة، انّ الصراع الدامي بين حركتي "فتح" و"حماس"، وكان صراعاً على السلطة في وجه رئيسيّ من وجوهه، انتهى أو هو في طريقه الى الانتهاء، عندما حسمَ الطرفان الخيارات الوطنية ليتمّ ادخالها ضمن "الشرعية الوطنية" الفلسطينية. وعليه، فان هذه التجربة تفيدُ أن لا غالب ولا مغلوب فلسطينياً بالمعنى "التنظيمي" او "الاداري".. لكن بعد التفاهم حول الخيارات الوطنية.
لذلك، "يجب" الاعتراف تالياً بأن "الحوارات" التي قامت في البلد منذ اكثر من عام، بما في ذلك تجربة "مؤتمر الحوار الوطني" بالرغم من كونها التجربة "الأفضل" نسبياً، انما كانت حوارات حول شؤون "تنظيمية" او "إدارية" بعيدة عن الأساس أو الأصل السياسي. ذلك انه يستحيل ان يتوصّل أيّ حوار مبتور أو مجتزأ الى نهاية منطقيّة بتغييب السياسة. فكيف لحوار أن ينجح مثلاً إذا لم يكن ثمة تقويمٌ مشترك لحرب تموز ظروفاً وسياقاً ونتائج؟. والآن كيفَ يمكن لحوار ان يكون طبيعياً بتغييب المعطى العربي الجديد في ضوء قمّة الرياض؟.
من هذه المنطلقات جميعاً، ينبغي القول ليس فقط انّ أقصر الطرق الى "الجدوى" و"الإنتاجية"، هو "السياسة" بل انّ ثمّة فرصةً جدّية لحوار فعليّ في لحظة تشكّل مرجعية عربية واستراتيجية عربية وسقف عربي، وفي لحظة رعاية عربية للبنان تفوق في أهميتها الاهتمام الدولي بهذا البلد.
فرصة ما بعد القمّة
وينبغي القول ايضاً ان الاستراتيجية العربية إذ تنهض على عامل رئيسي هو "الجديد الفلسطيني" المشار اليه، تشكل فرصةً لـ"إعفاء" حزب الله من "مشروع المواجهة" الذي يحمل ويتقدم به نيابة عن الجميع.. ومن دون موافقتهم. والاستراتيجية العربية إذ تنهض على عامل رئيسي آخر هو الاستقلال عن "المشروع الاميركي" لا بل "قلب الطاولة" في وجه هذا المشروع، يُفترض ان تشكّل فرصةً لحزب الله من اجل "التخفّف" من مطالب النظام السوري. واكثر من ذلك، تمنح الاستراتيجية العربية فرصة لـ"عقلانية" ولـ"تعقّل" بحيث يدور الحوار الجدّي حول الاستراتيجية اللبنانية بما يؤسس لرؤية مستقبلية.
غنّي عن القول ان الحوار الثنائي بينَ الرئيس برّي ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري متوقّف الآن او هو "معلّق". وفي العمق، لم يتوصل هذا الحوار الى نتيجة "فعليّة"، لأن فريق 8 آذار هربَ على الدوام من المناقشة في الأساس والأصل. والمشكلة معه ليست فقط موضوع المحكمة الدولية، بل الرؤية الى المرحلة المقبلة من حياة لبنان ايضاً.
وحتّى الآن، "يطيبُ" لفريق 8 آذار أن يناور. فتارةً تكون المناورة بتوهّم إنقسام في صفوف 14آذار، وهذا ما يدأب عليه "حزب الله" منذ مدّة. وتارة أخرى تكون المناورة بـ"التسلّي" على طريقة الرئيس برّي بفتح عنوان قانون الانتخاب إمّا لتقطيع "الوقت الضائع" وإمّا بوهم إمكان شقّ فريق 14 آذار بين مسلميه ومسيحييه، الأمر الذي لن يحصل، وقد سبق لهذا الفريق أن توحّد قبل انتخابات العام 2005، حول مشروع القضاء (مشروع العام 1960).
لكن، بعد قمّة الرياض، يرى فريق 14 آذار انّ الاستراتيجية المتبنّاة إذ تتيح للبنان الإنضواء تحتُها، تمنحه فرصة للخروج من أزمته على قاعدة لا غالب ولا مغلوب التي لا تعني ثلثاً معطّلاً، لكن على أساس سياسي متين وراسخ.
حركة 14 آذار جاهزة من ناحيتها. واتفاق الطائف موجود. ولا معنى لـ"التفاصيل" قبل حسم الخيارات الوطنيّة.. بل لا معنى للهروب إلى "التفاصيل" إلا تفويت الفرصة على الحوار "الفعليّ".
اليوم إذاً تبدأ مرحلة عربية جديدة. فهل تبدأ مرحلة لبنانية جديدة بالتوازي؟. كان الله في عون "أصحاب العقول"!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.