لا يمكن القول إن القرار الأخير الرقم 1747 الذي اتخذه مجلس الأمن بتشديد العقوبات على إيران، يعني الانتقال "آلياً" الى الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة والمجتمع الدولي من جهة والجمهورية الإسلامية من جهة أخرى. لكن في المقابل، من غير المنطقي اعتبار أن القرار الدولي "المضاف" الى الحشود العسكرية الأميركية في مياه الخليج، لا يعني تكويناً متدرّجاً لـ"ملفّ الحرب".
وإذا كان مما لا شك فيه أن "قرار" الحرب يتعلق في وجه أول بأميركا وبمدى قدرتها على الخوض في "مواجهة" أخرى في المنطقة وبمدى تطابق أطراف المجتمع الدولي حيال هكذا "مواجهة"، فمما لا شك فيه أن الوجه الثاني يتعلق بإيران، أي بمدى استعدادها للسير في "المواجهة" وتقبّل نتائجها، وهذا يتوقف على توازن القوى الداخلي الإيراني، وما إذا كان ثمة تغيير ما يمكن أن يرى النور في إيران لتجنّب هذا "الاستحقاق".
"الحالة الكورية" مختلفة
لكن في جميع الأحوال، لم تعد الحالة الإيرانية النووية، بعد حشد الأساطيل الأميركية في مياه الخليج وبعد القرار 1747، تشبه الحالة الكورية. ذلك أن كوريا الشمالية بادرت الى التراجع عن مواصلة برنامجها النووي قبل أي تطور دراماتيكي، عسكري على وجه الخصوص، ما يعني أن أي تراجع من جانب إيران يدعمه تغيّر على مستوى مراكز القوى في طهران، لن يكون شبيهاً بالتراجع الكوري، ومما يعني أيضاً أن أي تراجع سيكون بحاجة الى مستوى عال من الدهاء الإيراني.
بيدَ أن هذه المقدّمات لا تهدف الى إفراد حيّز واسع للنقاش في الموضوع الإيراني في حدّ ذاته، بل الى مناقشة تداعيات المسألة الإيرانية على المنطقة ككل وعلى لبنان خصوصاً.
بدايةً، مِن نافل القول أن قمة عربية "استراتيجية" كالتي تنعقد غداً في الرياض في المملكة العربية السعودية، وعلى تقاطع إشتباك محتدم بين إيران وأميركا والمجتمع الدولي، معنية بتحديد موقف واضح من قضية تتحرك في جوار المنطقة العربية بل في قلبها. وإذا كانت الدول العربية قد أعلنت مراراً رفضها حصول مواجهة إيرانية ـ أميركية أو إيرانية ـ دولية قريباً منها، وذلك من منطلق رفضها مزيداً من الفوضى الإقليمية، فإن "النظام العربي" الذي تسعى المملكة وعدد آخر من الدول العربية الرئيسية الى إعادة تأسيسه، كي ينجح في طموحه الى التشكّل المستقلّ عن الولايات المتحدة.. وعن "الشرق الأوسط الكبير" الأميركي، لا بد أن يكون مستقلاً عن إيران ومشروعها الإقليمي، أي ضاغطاً على إيران، ليشكّل مع العوامل الداخلية الإيرانية، معطى رئيسياً في "تنظيم" التراجع الإيراني عندما يحين أوانه.
بيدَ أن ذلك كله هو للقول إنه في وقت يتوقف شطر رئيسي من وضع المنطقة بل مصيرها على السياسة التي سوف تنتهجها طهران، فإن مرحلةً من التأزم العربي ـ الإيراني ستكون "سائدة"، خصوصاً في وقت لا تزال الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعطي إشارات تشدّد.
رئيس تحرير "كيهان": "حزب الله" مجرّد عيّنة
وماذا عن لبنان؟
قبل أيام، جاء في افتتاحية جريدة "كيهان" الإيرانية الرسمية المحافظة، أن معركة الملف النووي الإيراني ستخاض في شوارع بيروت وبغداد والقدس وغيرها.
ربما لم ينتبه كثيرون وقتها الى ما تضمّنته الافتتاحية المذكورة. لكن رئيس تحرير الصحيفة نفسها حسين شريعتمداري قال في مقابلة مع صحيفة "الشرق الأوسط" نشرت أمس ما حرفيّته "نحن جاهزون عسكرياً وعلى أهبّة الاستعداد". وأضاف "أعتقد أنه إذا حدث أي شيء فإن الأميركيين والإسرائيليين سيندمون، وحزب الله مجرد عيّنة لما يمكن أن يحدث، ويمكن مقارنة ذلك بما نستطيع أن نفعله (..)".
وليس خافياً في هذا السياق أن رئيس تحرير "كيهان" مقرّب من المرشد الأعلى في إيران السيد علي الخامنئي ويعبّر عن التوجهات الإيرانية "شبه" الرسمية.
"حزب الله": يخطئ من يراهن
على استقرار إقليمي!
بالتزامن كان رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد يتّهم الأكثرية ـ أو بعضها ـ بالرهان على ضربة أميركية لإيران. وقال في هذا السياق "أعتقد أن الإيرانيين يملكون من القدرات والإمكانات التقنيّة والخبرة والقدرة على الصمود أعلى بكثير مما يقاس الى قدراتنا في لبنان ونحن الذين قاومنا السلاح الأميركي المتطوّر الذي استخدمه الإسرائيليون في حرب تموز". وخلص رعد الى أن "من يظنّ أن المنطقة يمكن أن تستقرّ أو يراهن على ردّ فعل شكليّ من جانب الإيرانيين إذا ما تمّ الاعتداء على منشآتهم النووية، يقع في خطأ حسابات كبير قد يؤثّر على كل مصالحه وعلى كل البنية السياسية القائمة في المنطقة(..)".
مِن قراءة النصّين، يتبيّن أن ثمة مشتركاً بين شريعتمداري ورعد. فالإثنان إذ يتّخذان من صمود "حزب الله" في حرب تموز 2006 مقياساً لتأكيد قدرة إيران على الصمود عشرات ومئات الأضعاف، يعتبران على ما يبدو أن "المواجهة" ستتخذ صيغة حرب تشبه حروباً سابقة، سواء الحرب الأميركية على العراق أو الحرب الإسرائيلية على لبنان. لكن "تقديرهما" هذا يخالف كل التقديرات الأخرى التي ترجّح ضربات توجه إلى إيران "لإعادتها سنوات عديدة إلى الوراء" كما ورد على ألسنة محللين عديدين. وبكلام آخر، لن تحصل المواجهة إذا تمت "وجهاً لوجه".
ومع ذلك، ليس هذا ما يستوقف في كلام الرجلين. ففي حين تجنّب رئيس تحرير "كيهان" الاستطراد إلى ما سيكون عليه ردّ الفعل الإيراني، وحاذر تكرار القول ان "المعركة ستخاض في شوارع بيروت وبغداد والقدس"، وامتنع عن استذكار مقولة الخامنئي عن "هزيمة أميركا في لبنان"، ذهب النائب رعد إلى التحذير المباشر من "اللاإستقرار الإقليمي".
"معنى" التحذير.. ودور "حزب الله" بجانب إيران
طبعاً، لا "منطق" للقياس على صمود "حزب الله" في حرب تموز، لأن حرب تموز "شيء آخر" عن التقديرات لـ"المواجهة" الأميركية ـ الدولية ـ الإيرانية إذا حصلت. لكن ما يشير إليه رعد لا يقبل الالتباس بالرغم من عموميته: انّ "حزب الله" طرف في المواجهة بجانب إيران. وعندما يقول قيادي في "حزب الله" هذا الكلام، فإن له معنى مباشراً يتعلق بـ"مواجهة إسرائيل". فالنائب رعد ليس مراقباً أو محللاً استراتيجياً ليتحدث بـ"حيادية" عن اللاإستقرار الإقليمي في حال توجيه ضربة إلى إيران، بل هو هنا يوجّه رسالة سياسية مفادها ان "حزب الله" سيكون "فاعلاً" في إطار "ردّ الفعل" الإيراني. كذلك، عندما يتكلم قيادي في "حزب الله" عن رهانٍ من جانب الأكثرية أو بعضها على ضربة أميركية لإيران، فإنه يعلمُ يقيناً ان هذا الرهان غير موجود لكنه يمهّد لأداء معيّن في المرحلة المقبلة.
النظام السوري بين الاتصال
بإسرائيل والاستعداد لـ"حرب"
في مجال آخر غير بعيد، تتكاثر المعلومات في الآونة الأخيرة عن استعدادات يقوم بها نظام الأسد في سوريا من أجل "استدراج" حرب ما مع إسرائيل في الفترة القريبة المقبلة، وآخر المعلومات ما كشفه رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط في هذا الصدد.
ليس ثمة تناقض بين الاستعدادات هذه من ناحية وبين ما هو معلن من اتصالات سورية ـ إسرائيلية تدور منذ عدة أشهر من ناحية ثانية. فالحرب، إذا تجرأ نظام الأسد على القيام بها، تهدف إلى إكتساب شرعية مفقودة للنظام، وإلى إسقاط المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لجّة "حرب إقليمية".. وإلى الحضور مجدّداً في "معادلة" الوضع الإقليمي. أما الاتصالات مع إسرائيل، فحفاظٌ على "تقليد" تاريخي لهذا النظام، واحتفاظ بـ"علاقة" تؤدي إسرائيل من خلالها دور "الحامي" للنظام السوري من سياسات أميركية لزعزعته. وكذلك، يقدم نظام الأسد عبر هذه الاتصالات عروضه ومنها انه القادر إذا تم التعاطي معه، على تقويض الجماعات الفلسطينية المسمّاة "متطرّفة".. و"حزب الله" أيضاً. وهذا كله مما يؤكد "الازدواجية" في سلوك النظام السوري. وهذا كله مما يفيد ان نظام الأسد سوف يستغلّ "مناخ" المواجهة بين إيران وأميركا والمجتمع الدولي لفتح "مناوشة" متفرّعة.
الأزمة اللبنانية على تقاطع
الصراع الإقليمي ـ الدولي
ما تقدّم ذكرُه من معطيات، يهدف إلى تأكيد أمرين رئيسيين: الأول هو ان الأزمة اللبنانية "مقيمة" على تقاطع أزمة إقليمية كبيرة، وعلى تقاطع صراع إقليمي ـ دولي محتدم، لا تسويات فيهما في الأمد المنظور. أما الثاني فهو ان الخلاف بين حركة 14 آذار وبين "المعارضة" التي يتقدم "حزب الله" صفوفها، هو فضلاً عن كونه خلافاً حول النظام والصيغة، خلاف من طبيعة "وطنية". وهذا الخلاف "الوطني" ليس بين فريق يراهن على ضربة أميركية لإيران كما يدّعي "حزب الله"، وآخر لا يراهن على هكذا ضربة، بل هو خلاف بين فريق 14 آذار الذي يريد تحصين لبنان واستقلاله من تداعيات الصراع الإقليمي ـ الدولي وبين "معارضة" تريد إلحاق البلد بمحور إقليمي بداعي "التصدّي" للمشروع الأميركي.
من هنا، وفي غياب الحصانة اللبنانية الذاتية لدى "حزب الله" وحلفائه من جهة، وفي غياب أفق التسويات الإقليمية "الكبرى" وفقاً للمعطيات القائمة حتى الآن من جهة اخرى، لا يمكن الحديث عن ظروف مؤاتية للحلّ في لبنان.
قمّة الرياض: إشكالية "الاستقلال" عن أميركا
لكن بالرغم من هذا التحليل "الواقعي" للمعطيات القائمة، والذي يستند بشكل رئيسي على قراءة التقاطعات، ثمّة من يركّز أكثر من غيره على القمّة العربية بعد يومين ونتائجها.
وهنا أيضاً في القراءة التحليلية الواقعية، لا مفرّ من القول ان قمّة الرياض تواجه مجموعة من الإشكاليات. والأبرز من بين هذه الإشكاليات انه في الوقت الذي تسعى المملكة العربية السعودية ودول عربية رئيسية إلى إستيلاد "النظام العربي" على صورة مستقلة عن المشروعين الأميركي والإيراني في آن، تواجه "مبادرة السلام العربية" التي تبنّتها قمّة بيروت في العام 2002 بمبادرة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز يوم كان لا يزال ولياً للعهد، والتي يتمّ استحضارها بعد كل التطورات التي شهدتها المنطقة، بديلاً من "خطط السلام" الأخرى التي أثبتت فشلها، تواجه موقفاً أميركياً "بارداً" وآخر إسرائيلياً "هجومياً". الإشكالية هنا هي الآتية: الاستقلال عن الموقف الأميركي في موازاة التعاون مع أميركا والمجتمع الدولي، يقع بين "سندانة" السياسة الأميركية و"مطرقة" السياسة الإيرانية و"مستتبعاتها" في المنطقة.
..ولكن إيجابية استحضار "المشروع العربي"
ومع ذلك، لا خيار أمام قمّة الرياض إلا إعادة "المشروع العربي" إلى الواجهة. فبواسطة هذا "المشروع العربي" تُستعاد القضايا الفلسطينية واللبنانية والعراقية إلى أيدي "النظام العربي". وبواسطة هذا "المشروع العربي" تتحدّد العلاقات العربية ـ العربية بما هي علاقات بين دول مستقلة متكافئة لا مكان فيها لتدخل أحد في شؤون أحد.
وبهذا المعنى، فإن لم تكن القمّة العربية بعد يومين قمّة تستطيع أن تضع روزنامة زمنية للحلول، فإنها بالتأكيد قمّة قادرة على رفع "نقطة نظام" أمام الجميع، بمن فيهم إيران والنظام السوري.
وبهذا المعنى أيضا، ستكون الأزمة اللبنانية أمام معطى "جديد"، هو الموقف العربي الذي بدأ في التبلور قبل مدّة، مُبرزاً عمق العلاقة بين "لبنان المستقل" و"النظام العربي"، بين عروبة 14 آذار وهذا "النظام العربيّ".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.