8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ويُظهر مجموعةً من "الاستحالات" واجهت سعي الحريري إلى "شبكة الأمان" الحوار بعدَ القمّة: إعلان نوايا يسبقه و"سحب" المحكمة الدوليّة منه

ثمّة، في مرحلة ما بعد الانسحاب السوريّ "الرسميّ" من لبنان، ثلاث تجارب حوار رئيسيّة، يمكن القول انّها لم تفضِ إلى النتائج المتوخّاة منها.
تجربة "التحالف الرباعي" وأهدافها
التجربة الأولى، مثّلها ما سُمِّي "التحالف الرباعي" في انتخابات العام 2005 التي كانت الانتخابات الأولى بعدَ زمن الوصاية السوريّة. وإذا كان كثيرون نظروا إلى "التحالف الرباعي" في حينه بوصفه تحالفاً إنتخابياً للتأثير في معادلة نتائج الانتخابات، أو بوصفه تحالفاً إسلامياً يهمّش المسيحيين، أو بكونِه تحالفاً أجهض ولادة تيّار شيعيّ إستقلاليّ في خضمّ انتفاضة 14 آذار، فإنّ لـ"التحالف الرباعيّ" آنذاك "فلسفتُه".
إنطلق زعيم "تيّار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "الحزب التقدّمي الاشتراكي" وليد جنبلاط يومئذ من قناعتين. الأولى آنيّة يومَها وتتمثّل في الحرص على إنجاز الاستحقاق الانتخابيّ بسرعة نسبيّة تأميناً لانتقال هادئ من مرحلة الوصاية إلى مرحلة الاستقلال، وتأميناً لانتقال سلميّ للسلطة مِن النظام الأمنيّ إلى حكم الاستقلال الثاني. والقناعةُ الثانية تتمثّل في حقيقة انّ بناء دولة الاستقلال اللبناني الثاني لا يمكن أن يحصل في غياب مشاركة "الشريك الشيعيّ".
والحقّ يُقال هنا انّ الحريري وجنبلاط كانا يعرفان تماماً "عمق" العلاقة التي تربط فريقَي التمثيل السياسيّ الشيعي بالنظام الأمني "الراحل" وبالنظام السوريّ.. وإيران في ظلّ التحولات التي فُرضت على الوضع الشيعي خلال نحو عقدَين من الزمن. لكنّهما ـ أي الحريري وجنبلاط ـ كانا يراهنان على ان يدفَع المنعطف الذي دخله لبنان باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي فجّر انتفاضة الإستقلال، الفريقَين الشيعيّين إلى نسبة من "التلبنن"، أي أن يجدا في "العودة" إلى لبنان ضمانةً لمجمل الشيعة من جهة، كما كانا يأملان في أن يتيحُ تقدّم العلاقة تباعاً بينهما وبينَ كلّ من "أمل" و"حزب الله" تشكيل ما يمكن تسميتها "شبكة أمان" لدولة الإستقلال الثاني من جهة أخرى.
لا شكّ إذاً انّ "النيّة" بالنسبة إلى "التحالف الرباعي" كانت "التدرّج" من نقطة إلى نقطة. ولذلك كان إهتمام ركنَي 14 آذار مركّزاً ليس على "بيان سياسي" مفصّل لـ"التحالف"، بل على خلق مناخٍ من الثقة يتيح التقدّم تدريجاً نحوَ بلورة أسس قيام دولة الاستقلال بمرجعيّة اتفاق الطائف.
ويمكنُ القول "الآن" انّ هذه التجربة فشلت. وقد فشلت بالفعل عندما إصطدم رهانُ الحريري وجنبلاط على "تلبنن" متدرّج لفريقَي التمثيل الشيعي بإصرار هذين الفريقَين على التمسّك بعلاقتهما بالنظام السوريّ وبتحالفهما مع المحور السوريّ ـ الإيرانيّ، في وقت كان تحالفهما هذا ولا يزال يمثّل عقبةً كبرى أمام إستمكال الإستقلال. وبكلام آخر، لم يكن بدّ من الإعتراف بأنّ الوجهَ الرئيسيّ لمعركة 14 آذار في هذه الفترة، هو إجبار النظام السوريّ على وقف تدخّله السياسيّ والمخابراتيّ في لبنان، وعلى وقف مسلسل الإغتيالات الذي إستهدف حركة الاستقلال به.
عند هذه المحطّة من الفشل، كانَ وليد جنبلاط "أسرع" من سعد الحريري في "قطع الأمل" من العلاقة "الرخوة" بالثنائيّة الشيعيّة السياسيّة.
تجربة "مؤتمر الحوار": 14 آذار و"شبكة الأمان"
والتجربة الحواريّة الثانية، التي أتت بعد تجربة أولى فاشلة كانت خاتمتها أزمة وزارية بين كانون الأوّل 2005 وكانون الثاني 2006، تمثّلت بمؤتمر الحوار الذي دعا الرئيس نبيه برّي إلى انعقاده ابتداءً من مطلع آذار 2006.
كانت شكوك عدد من قوى 14 آذار كثيرةً في نوايا برّي وراء الدعوة إلى هذا الحوار. وكانَ ثمّة تشكيك بأنّ الهدف من الدعوة إلى "موتمر الحوار الوطني" هو فرملة اندفاعة حركة 14 آذار التي كانت كرّرت للتوّ في 14 شباط 2006 المشهد المليوني في الذكرى السنويّة الأولى لاستشهاد الرئيس الحريري، وبأنّ الهدف هو انتزاع المبادرة من حركة 14 آذار في سياق هجوم سوريّ معاكس.
ومع ذلك، لبّت حركة 14 آذار الدعوة، بتفاهم بين جناحَيها المسلم والمسيحيّ. واعتبرت حركة الاستقلال انّه يجب ـ بالرغم من ضآلة الآمال ـ عدم تضييع فرصة لدخول الجميع في المسار الإستقلالي من ناحية ولإفساح المجال أمام تفاهمات وطنيّة كبيرة من ناحية ثانية ولتشكيل "شبكة أمان" لبنانيّة لدولة الإستقلال الثاني من ناحية ثالثة، ولـ"فحص" إمكانيّة "التلبنن" عند الشريك الشيعي أو إمكانيّة نسبة من الاستقلال عن النظام السوريّ لديه من ناحية رابعة.
الكلّ بات يعرف "الآن" انّ "مؤتمر الحوار الوطني" سمَح به نظام الأسد فقط كي يكون محطّة لـ"تنفيس" إندفاعة 14 آذار. فهو ـ أي نظام الأسد ـ بادرَ إلى إطلاق النار على الحوار بعدَ الجولة الثانية منه، ولم يوافق على أيّ من العناوين التي أقرّها الحوار، وناورَ وصعَّد في كلّ الاتجاهات. وقبلَ حرب تمّوز 2006 التي أطاحت الحوار برمّته، كانَ حلفاء النظام السوريّ، لاسيّما فريقي التمثيل الشيعي، قد ارتدّوا عمّا تقرّر إذ دافعا عن نظام دمشق وحمّلا الحكومة ورئيسها فؤاد السنيورة مسؤوليّة الفشل في نقل ما قرّره الحوار إلى الواقع، وكانوا ميّعوا بنداً رئيسياً يتعلّق بما يسمّى "الاستراتيجيّة الدفاعيّة"، بعد أن أجهضوا عمليّة التغيير الرئاسي، في ما بدا انّه تمهيدٌ مبكّر لطرح التغيير الحكوميّ بديلاً.
إذاً، كانت التجربةُ الثانية فاشلة. والعنوان الأبرز لهذا الفشل تجلّى في ضرب "حزب الله" عرض الحائط بالشركاء "المفترضين" في الوطن وبتحذيراتهم المسبقة من الذهاب إلى أيّ عمليّة عسكريّة في الجنوب.
الثنائي الشيعي: العلاقة بسوريّا أقوى من "التلبنن"
في هذه الفترة، وبالرغم من كلّ الأقاويل، التزم فريق 14 آذار بـ"قانون التضامن الوطنيّ". بدايةً أعطى سعد الحريري إشارة "إنزعاج" من إقدام "حزب الله" على عمليّة أسر الجنديين لأنّه "شخصيّاً" كانَ أبلغ الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله بالتداعيات الخطيرة المنتظرة لعمليّة من هذا النوع، لكنّه جالَ العالم كلّه بعدَ ذلك من أجل وقف العدوان الإسرائيلي بـ"شروط لبنانيّة".
كذلك، كان أداء الرئيس فؤاد السنيورة الذي تصرّف كرجل دولة من عيار كبير ومسؤول عن كلّ بلده، وخاض صراعاً تفاوضياً دفاعاً عن حقوق لبنان ومصالحه كياناً ودولةً. أمّا وليد جنبلاط، وبإستغراب من الجميع آنذاك، فقد أعلن "حزب الله" منتصراً سلفاً في الحرب ولم يكن قد مضى يومان على إندلاعها، وسأل سؤاله الشهير: إلى مَن سيُهدي السيّد نصرالله إنتصاره؟. ولم يشذّ سائر أركان فريق 14 آذار عن هذه القاعدة بالرغم من الاتهامات، وهم وإن أبدوا ملاحظات تتعلّق بأصول الشراكة الوطنيّة بالدرجة الأولى، فإنّهم اعتبروا انّ مرحلةً جديدة من التفاهم الوطنيّ واجبة الوجود.
فشلت التجربةُ الثانية هذه لأنّ "الإختبار" أفاد انّ علاقة الثنائيّ الشيعيّ بالمحور الإقليميّ السوريّ ـ الإيرانيّ "أقوى" من "دوز اللبننة".
لا داعي للتوّقف كثيراً عندَ تجربة "الاجتماع التشاوري" الذي دعا إليه الرئيس برّي إلاّ من بعض الزوايا. فهو كانَ اجتماعاً معدّاً ليكون مرحلة تمهيديّة لإنتقال الثنائيّ الشيعيّ وحلفائه إلى الهجوم "الانقلابيّ". وكانَ تمهيداً لإسقاط الحكومة بالاستقالة منها بدايةً. وكانَ محطّة باتجاه إسقاط المحكمة الدوليّة. وكانَ هروباً واضحاً من الحوار الذي كانت تُفرضُه مرحلة ما بعد الحرب بكلّ نتائجها.
تجربة حوار الحريري
مع برّي
أمّا التجربة الحواريّة الثالثة، فهي التي بدأت بين برّي والحريري قبلَ أكثر من أسبوعين، و"توقفت" الثلاثاء الماضي في أعقاب المؤتمر الصحافي لرئيس "حركة أمل"، و"قد" تُستأنَف في الأيّام المقبلة.
صارت "عيوب" هذه التجربة معروفة وكُتب عنها الكثير. غير أنّ "أهمّ" ما أثبتته هو الآتي: في هذا الحوار الثنائيّ، وبقدر ما كان سعد الحريري المفوّض من حركة 14 آذار ساعياً إلى مقاربة مسألة تشكيل "شبكة أمان" للدولة، كانَ برّي مكلّفاً من جانب فريق 8 آذار يسعى في المقابل إلى مقاربة مسألة "السلطة" بنيّة واضحة هي الإمساك بمقاليدها. وفي "المهمّ" من هذه التجربة الثالثة أيضاً، انّ إختبار إمكان "إستقلال" ما يسمّى "المعارضة" عن دمشق، جاءت نتائجه سلبيّة.
مساء أوّل من أمس، أصدرت قيادات 14 آذار بياناً يؤكّد ثابتَين رئيسيين لديها، هما المحكمة الدوليّة ورفض الثلث المعطّل، ويقطع الطريق على محاولات التشكيك بوحدة رؤيتها ومواقفها.
استحالات ثلاث
غير أنّه، وبالعلاقة مع الاستعراض السابق لتجارب ثلاث في الحوار بعدَ الانسحاب السوريّ "الرسميّ" من لبنان، ثمّة ما يمكن إضافته إلى سجلّ ذاكرة الفريق الإستقلالي ممّا يفيد أخذُه في الاعتبار في الفترة اللاحقة.
فواقع الأمر انّ التجارب الثلاث أبرزت مجموعةً من "الإستحالات" حتّى الآن.
الإستحالة الأولى هيَ إستحالةُ فكّ تحالف ما يسمّى "المعارضة" بفريقَيها الشيعيّين عن العلاقة بالنظام السوريّ.. وبإيران، ما يعني انّ "الداخل" اللبناني لا يزال "مفخوتاً" في موقع رئيسيّ من مواقع إجتماعه السياسيّ، وما يعني أيضاً انّ الحلّ اللبنانيّ ـ اللبنانيّ ليس متيسّراً.
والإستحالة الثانية هيَ الإستحالةُ التي تعترف بها حركة 14 آذار أصلاً، أي إستحالة إنجاز الاستقلال الثاني واستكماله وبناء دولته بدون مشاركة شيعيّة، وهذا الأمر هو ما دفع فريق 14 آذار إلى خوض التجارب الحواريّة الثلاث، وهو ما يفسّر سعيَها الدائم إلى تشكيل "شبكة الأمان".
أمّا الإستحالة الثالثة فهي التي يجب أن يعترف الثنائيّ الشيعيّ بها، أي إستحالة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وإعادة لبنان إلى الوصاية السوريّة سواء جرت ممارستها من داخل الحدود أو من خارجها.
تصحيح منهج الحوار
ولذلك، وإذا كان لا بدّ من عودة إلى الحوار، وبالتأكيد ثمّة بدّ من العودة إليه، فإنّ المنهج القائم للحوار منذُ "الاجتماع التشاوري" وصولاً إلى حوار رئيس "أمل" ورئيس "المستقبل"، يقتضي "تصحيحاً" إذا جاز التعبير.
مِن المنطقيّ أوّلاً، أن يبدأ الحوار بإعلان نوايا لا أن ينتهيَ به. وإذا كانت حركة 14 آذار قدّمت من جهتها إعلان نوايا أكثر من مرّة بأنّها تسعى إلى تأكيد الشراكة الوطنيّة بمرجعيّة اتفاق الطائف ومن ضمنها الشراكة الشيعيّة، وبأنّ التزامها بقاعدة "لا غالب ولا مغلوب" التي ينهض عليها إتفاق الطائف، لا رجعةَ فيه، وبأنّها لا تعمل لاستبدال وصاية بأخرى، فإنّ المطلوب إعلان نوايا من جانب فريق 8 آذار بالتخلّي عن "مشروع" إعادة لبنان الى 14 شباط 2005، وعن مشروع تأسيس الدولة على أساس "الغلَبة" التي يعبّر عنها الثلثُ المعطّل أي حقّ "الفيتو" أفضل تعبير.
لا يمكنُ لحوار جدّي ومُنتج ألاّ يبدأ بإعلانَي نوايا. وبعدَ ذلك، لا بدّ من سحب موضوع المحكمة الدوليّة في جريمة إغتيال الرئيس الحريري وسائر جرائم الإغتيال الأخرى، من الحوار، أي ألا يكون هذا الموضوع بنداً في الحوار. فلإعتبارات انسانيّة وأخلاقيّة وسياسيّة ووطنيّة، لا يمكن أن يبقي هذا الموضوع مطروحاً في أيّ "بازار"، أو أن يُستخدم من جانب 8 آذار للإبتزاز، فلا علاقة بين المحكمة والحكومة.
بكلامٍ آخر يجب الإفراجُ عن دور المجلس النيابيّ في إقرار الاتفاقيّة الموقّعة بينَ الحكومة والأمم المتّحدة في هذا الخصوص، أو في عدم إقرارها. هذا مع العلم انّ مشاركة 8 آذار في إقرارها يعتبر اشارة حسن نيّة. لكنّ أن يبقى إقرارُها مشروطاً بقيام حكومة تحدّد "المعارضة" معادلتها مسبقاً، فهذا غير مقبول.
ثمّ يمكن للحوار بعدَ ذلك أن يناقش المسألة الحكوميّة بدون ضغوط. والمسألة الحكوميّة ترتبط بمجموعة عناوين: البرنامج الذي على أساسه ستتولّى الحكومة الحكم أوّلاً، والقواعد الدستوريّة التي تحكُم تشكيل الحكومات ثانياً وقاعدة "لا غالب ولا مغلوب" المشتقّة من ميثاق الطائف ثالثاً.
بدون إعلانَي النوايا، بدون إخراج المحكمة الدوليّة مِن الحوار وتركِها لمسارها الدستوريّ الحرّ، وبدون النقاش في المسألة الحكوميّة برنامجاً وتحت سقف الدستور والميثاق، لَن يكون الحوار جدّياً.
قد لا ينتج تسويةً في أمد منظور. لكنّ البلاد لا تستطيع تحمّل الأزمة المفتوحة ويُفترض أياً تكن نتنيجة الحوار أن تبقى المؤسّسات الدستوريّة قائمةً وعاملة. وفي جميع الأحوال لا خارطة طريق فعليّة لحوار جدّي إلا هذه.. حتّى لو لم ينتهِ الى اتفاق سريعاً. كذلك، في جميع الأحوال، انّ حواراً يسيرُ على هذه الأسس يشكّل "شبكة أمان" في حدّ ذاتها.
هذا هو الحوار المُنتظر بعد القمّة العربيّة في الرياض. هذا هو الحوار المفترض قيامُه تحصيناً للبنان حيالَ التطوّرات الإقليميّة المحتملة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00