أقام الرئيس نبيه بري الدنيا ولم يقعدها لأن نواب الأكثرية "تجرّأوا" على ممارسة حقّهم الدستوري بالتوجه إلى مجلس النواب في اليوم الأول من بدء الدورة العادية. توتّرت أعصابه لرؤية هؤلاء النواب يذكّرونه بأن المجلس معطّل وبدوره في تعطيله، وبأن الموقع الدستوري الأم مهدّد إذا استمر المؤتمن عليه على نهجه في إدارة المؤسسة فئوياً.
برّي بين "الذريعة" والحقيقة
اعتبر بري أنّ هذا "المشهد" الذي أمّنه نواب حركة 14 آذار يبيح له "الانقضاض"، فتذرّع به لعقد مؤتمر صحافي "عاجل". ولهذا المؤتمر "الطارئ" وضع بري عنواناً هو الدفاع عن الحوار، أي الحوار الذي كان قائماً بينه وبين رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، فحاول أن يغطي "الانقضاض" بهدف "نبيل" هو الحوار الثنائي، فراح يتّهم فريق الأكثرية ككل عموماً وبعض أطرافها خصوصاً بإطلاق النار على هذا الحوار. وحاول استغلال الموقف الذي أدلى به رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط ـ الذي فاجأ حضوره إلى ساحة النجمة رئيس "أمل" ـ للحديث عن عرقلة حلفاء سعد الحريري حليفهم، علماً ان موقف جنبلاط كان تشكيكياً بأداء الطرف الثاني في الحوار الثنائي، أي بري نفسه.
إذاً، أقدم بري على "مسرحة" الوضع. وفيما كان الدافع "المعلن" الى عقد المؤتمر هو الردّ على جنبلاط، ركّز برّي هجومه على الحريري والرئيس فؤاد السنيورة.. وجنبلاط في آن واحد. والحال انّ الجميع يعرف انه "تذرّع" بكل ذلك ليقول كلاماً كان أعدّه من قبل. فمن يستطيع أن يتناسى ان رئيس "حركة أ مل" كان منذ فترة سبقت لقاءاته بالنائب الحريري يهدّد بـ"بقّ البحصة" ويتحيّن الفرصة المناسبة لذلك؟ ومن ينسى ان بري وحلفاءه كانوا ومنذ بداية الحوار الثنائي "يجتهدون" لتقسيم صفوف الأكثرية بالحديث عن خلافات مزعومة داخلها ويتّهمون جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع بالعرقلة؟ ومن يمكنه أن ينسى ان بري الذي قال انه محتجب عن الإعلام، كان مطلاً يومياً على الإعلام "القريب" منه ليسرّب معطيات غير دقيقة عن وقائع الحوار الثنائي؟. ومن ينسى ان بري لم يقم يوماً بالتصدي لهجمات حلفائه على أطراف من الأكثرية وعلى الحوار نفسه؟ من ينسى سكوت بري على شتائم حليفه الجنرال من ناحية وعلى مطالبته بأجندة مختلفة للحوار الثنائي حيث دعا عون إلى بحث موضوعَي الحكومة والانتخابات من ناحية ثانية؟. ومن ينسى ادعاءات حليفه "حزب الله" بأن الأكثرية تنتظر قراراً أميركياً ـ فرنسيا للموافقة على حلّ ادعى الحزب انه بات ناجزاً؟.
على طريقة تغطية "السماوات بالقباوات"، شاء بري "المسرحي" أن يحوّل ممارسة الأكثرية لحقّها الدستوري بالتوجه إلى المجلس للمطالبة بفكّ أسره، وإعلان أحد أركانها وليد جنبلاط لموقف "احتجاجي" على سياسة كسب الوقت من جانب حلفاء النظام السوري، إلى "مناسبة" للتملّص من المسؤولية برميها على الآخرين.
أدب التفاوض بين بري والحريري
وهنا، وقع بري في مجموعة من "الأفخاخ" دفعة واحدة.
"الفخّ" الأول، هو ما يمكن تسميتُه الخروج عن آداب التفاوض وأصوله.
والمبدأ الرئيس في آداب التفاوض وأصوله، هو سرية البحث، وقد خرق بري هذا المبدأ في وقت كان الحوار لا يزال مستمراً. فقد خرقه عبر التسريبات المتتالية قبل الثلاثاء الفائت من جهة وفي المؤتمر الصحافي "الطارئ" الذي تبنّى فيه معظم التسريبات السابقة من جهة أخرى.
لقد التزم سعد الحريري بهذا المبدأ منذ أول لقاء للحوار بينه وبين رئيس "أمل". والتزام الحريري بذلك كان ناجماً عن قناعة لديه بممارسة الصراحة "داخل" الحوار لأن هدفه هو حلّ الأزمة السياسية ـ الوطنية وليس تسجيل النقاط على الطرف الآخر أو التشاطر عليه. وقد سعى الحريري باعتماده الصراحة إلى بناء الثقة بينه وبين بري، خاصة بعد قطيعة بينهما استغرقت وقتاً طويلاً.
وكان في وسع سعد الحريري أن يمارس الأسلوب نفسه الذي مارسه بري، أي التسريب.. ومن وجهة نظره. لكنه اعتبر ومنذ اللحظة الأولى ان أدب التفاوض "يمنع" ذلك، لان "التفاوض الإعلامي" لا يؤدي إلى نتيجة.
التجربة السابقة: مؤتمر الحوار
أما "الفخّ" الثاني الذي وقع فيه بري، فهو انه بخروجه عن أدب التفاوض وأصوله، قد أسقط كل مصداقية عن دوره كمحاور.
لا شكّ ان رئيس حركة "أمل" وضع الحوار الثنائي بينه وبين سعد الحريري أمام المجهول. وللناس هنا أن يتصوّروا صعوبة استئناف الحوار بعد كل الذي جرى، والعملية الشاقة التي يحتاج إليها استئناف الحوار إذا كان لا بدّ له من معاودة. ذلك ان حواراً ترمى المداخلات والمواقف داخله إلى "الخارج" في أي لحظة، ليس حوار ثقة. من في وسعه بعد الآن ان يضع يده تحت "بلاطة" برّي؟.
وعلى أيّ حال، فقد سمح أداء بري قبل أيام باسترجاع محطّات سابقة، حيث يبدو واضحاً ان هذه المحطّات السابقة من الحوار شهدت من جانب رئيس "أمل" تغليباً لـ"التشاطر" على ما عداه، بما في ذلك تغليباً لـ"التشاطر" على "الحقائق".
هذه المحطات السابقة الذي دعا بري إليه في بداية آذار من العام الماضي 2006، في بداية تموز من العام نفسه. وقد انتهى "مؤتمر الحوار" هذا مع حرب تموز، أي أنهاه "حزب الله". وبالرغم من هذه الواقعة "الدامغة"، لم يقل بري كلمة واحدة. وعلى الرغم من وجود مقرّرات اتخذها المؤتمر بالإجماع، فإن بري لم يبذل جهداً لاستعادتها إلى "الطاولة" لكأن المؤتمر كان لـ"تقطيع الوقت" وليس لإرساء تفاهمات تدخل في مجرى العملية السياسية اللبنانية.
التشاور وتطييره
ثم كانت دعوة بري إلى جلسات التشاور. أفهم الجميع في حينها بأن "أقصى" ما يستطيعه هو عقد جلسات تشاور، وبأن العودة إلى "مؤتمر الحوار" مستحيلة. وحدّد التشاور بنقطتين طالب بهما التحالف السوري ـ الإيراني في لبنان، وهما نقطتا الحكومة وقانون الانتخاب. وإذ أوحى بأنّ ثمّة ضغوطاً عليه، وافقت 14 آذار مسايرةً له على المشاركة في التشاور الذي كان بري أكد سلفاً انه لا يشمل المحكمة الدولية "لأنها أقرّت سابقاً في مؤتمر الحوار".
وبعد ذلك، وفجأة، عندما أتت مسوّدة النظام الأساسي للمحكمة ذات الطابع الدولي، والتي يفترض أن يقرّها مجلس الوزراء، تحوّل بري إلى رأس حربة للتحالف السوري ـ الإيراني ضدّ الحكومة فاستقال وزراؤه ووزراء "حزب الله" منها.. فطار التشاور. وحتى الأمس القريب، كان اللبنانيون يسمعون رواية مفادُها ان رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الذي دعا المجلس إلى جلسة استثنائية لإقرار نظام المحكمة، لم يستشر بري و"حزب الله" في أمر هذه الجلسة، وانه رفض تأجيلها يومين لإتاحة المجال أمامهما ـ أي بري والحزب ـ لدرسها. لكن بري في مؤتمره الصحافي الثلاثاء الفائت قدّم رواية "معدّلة": فالرئيس السنيورة الذي حدّد جلسة لمجلس الوزراء من دون استشارة أحد، فاوض ـ بحسب الرواية المنقّحة ـ الرئيس إميل لحود على تأجيلها أياماً كي يمكّنه من حضور الجلسة. إذاً، لم يقفل السنيورة مجال الدرس والنقاش. لكن اعتراض بري "المستجدّ" هو ان رئيس الحكومة فاوض لحود ولم يفاوض "أمل" و"حزب الله"!. فمنذ متى هذا "التبرّؤ" من لحود؟. وهل لم يعُد لحود الرئيس الحليف؟ والأهمّ هل التشاور في شؤون جلسات مجلس الوزراء يتمّ مع رئيس مجلس النواب بحسب الدستور؟.
الإنقلاب على السنيورة وحكومة "المقاومة السياسية"
وواقع الأمر ان بري خلال هذه الفترة، انقلب على الرئيس السنيورة. وفجأة صارت حكومة "المقاومة السياسية" حكومة خاضعة للإملاءات الغربية!. فأي ثقة يمكن أن تقوم بين شخصية سياسية متقلّبة وفرقاء سياسيين آخرين؟. صارت الحكومة "الدستورية" في طهران، لأن الثلثين لا يزالان فيها و"أنا مستعدّ لاقتراح اسماء شيعية لضمّها بدلاً من الوزراء المستقيلين"، حكومة "غير شرعية وغير ميثاقية". وعندما "تعاطف" قياديون في 14 آذار معه وحاولوا "تفسير" ظروفه بأنه مغلوب على أمره، وراحوا يتضرّعون إلى الله أن يُعينَه على ما هو فيه، إنتفض بري ليؤكد ان مواقفه نابعة من "قرار حرّ"، وبدلاً من أن يحفظ لهؤلاء رغبتهم في عدم "الكسر" معه، راح يهاجمهم.
"فخّ": بري يفضح نوابه وحلفاءه!
بين أدب التفاوض من جهة وعيوب التجارب الحوارية معه من جهة ثانية، وقع بري في فخّ ثالث.
هذا الفخّ الثالث "إيجابي" بالنسبة إلى الأكثرية. ففيما كان يعمّم أجواء تفاؤل للايحاء بأن ثمة حلاً في الأفق لا ينقصه كي يرى النور سوى "التزام" أطراف فريق 14 آذار به، وفيما كان نوّابه يؤكدون انه تم التوصّل إلى تسوية متكاملة بما فيها حكومة 19 + 11، وبينما كان "حزب الله" يدّعي ان الحلّ بات منجزاً ولا ينتظر سوى صدور أمر العمليات الأميركي إلى أطراف في 14 آذار، إذ ببرّي يؤكد في مؤتمره الصحافي "الطارئ" ان النقطة "الوحيدة" التي لم يتفق بشأنها مع زعيم "تيار المستقبل" هي حكومة على قاعدة 19 + 11!. إذاً لا اتفاق ناجزاً!. إذاً الحريري يتناغم مع حلفائه! إذاً لم "يبِع" الحريري حلفاءه!.
المحكمة غير مقرّة في ورقة بري
حاول نبيه بري أن يبيع الجميع في مؤتمره الصحافي "سمكاً في البحر": أنا عرضت ضمانات للموافقة على المحكمة ذات الطابع الدولي، فيا شعب 14 آذار، ليس يهمّ قادتكم إقرار المحكمة.. قال رئيس "أمل"!.
لوهلة، "يؤخذ" المرء على غفلة. لكن لدى التدقيق في "الوثيقة" التي حملها، يتبيّن ان المطروح فيها آلية دستوريّة لبتّ المحكمة.
كان يمكن اعتبار ذلك تقدّماً. بيد ان تصوير بري للأمر وكأنه موافقة منه ومن حلفائه على المحكمة شيء آخر. ذلك انه يقترح تشكيل لجنة رباعية تضمّ اثنين عن كل من فريقَي 14 و8 آذار لمناقشة التعديلات على المحكمة، وعندما تفرغ من ذلك تنتقل اللجنة إلى التسميات في حكومة 19 + 11.
هذا ليس اسمه موافقة على المحكمة الدولية من جانب ما يسمّى "المعارضة". هذا معناه انّ المحكمة لم تبتّ. وبالنسبة إلى الأكثرية، لا بدّ من بتّها. وأكثر من ذلك، كيف يمكن إعتبار "ورقة" بري أساساً لـ"إعلان نوايا" في وقت لا يزال كل شيء ملغوماً؟ وفي الأصل لم توافق الأكثرية على لسان سعد الحريري، وباعتراف بري نفسه على مقايضة المحكمة بالحكومة، إذ أصرت على اعتبار إقرار المحكمة ممراً أو مدخلاً الى الحل وليس بنداً لمقايضته مع بند آخر في الحل. هذا، لو أن المحكمة مقرة فكيف وهي لم تقر بعد؟ ثم هل يمكن فصل المسألة الحكومية عن مرجعيتها الدستورية، أي هل يمكن عدم الالتزام بالدستور في تشكيل الحكومة، والدستور لا ينص على "الثلث الضامن المعطل"؟ وهل يمكن فصل الحكومة عن برنامجها السياسي أي عن بيانها الوزاري؟
إذاً وعلى طريقة "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها"، وقع بري في سلسلة أفخاخ متتالية. وقع في "أفخاخ" متتالية فيما كان يحاول "تبييض" صفحته تجاه حلفائه داخل الحدود وخارجها.
المسألة اللبنانية وقمة الرياض
بيد أن ثمة فخاً أخيراً لا بد من تسليط الضوء عليه.
من "أطرف" ما قاله الرئيس بري في مؤتمره الصحافي ليس قولُه ان سوريا تؤكد أنها غير معنية بالمحكمة الدولية مما يعني برأيه تسهيلاً سورياً لقيامها، بل قوله ان الاتفاق اللبناني ـ اللبناني قبل القمة العربية في الرياض يسقط من يد النظام السوري ورقة للتفاوض داخل القمة.
لا شك في أن التوصل الى إتفاق لبناني ـ لبناني اليوم أفضل من غد، والبارحة أفضل من اليوم. لكن ما عرضه بري في مؤتمره الصحافي يظهر أن الاتفاق اللبناني ـ اللبناني معوّق سوريّاً.
على ان ما طرحه بري مما هو "طريف"، دفع كثيرين الى طرح سؤال مهم: هل الأفضل إن لم يكن ثمة حلّ تم التوصل اليه بالفعل، ان "تذهب" المسألة اللبنانية الى قمة الرياض بـ"وهم حلّ" أي بـ"التباس"، أم أن "تذهب" وهي أزمة حقيقية لا تزال مستعصية على الحل؟
"الايحاء" بحل هو ما يخدم النظام السوري. وخلق "أوهام" هو ما يخدمه ايضاً. أما الاعتراف بأن الحل لا يزال معلقاً، فهو ما لا يخدم نظام الأسد.
وبهذا المعنى، فان المؤتمر "المسرحي" لبري، في جانب آخر منه، يحاول تقديم خدمة للأسد بالقول ان هناك مشروعاً للحل يرفضه فريق 14 آذار مما "يبرئ" ذمة النظام في سوريا. والحال ان هذا غير صحيح لأن المعادلة، أي تلك المتضمنة في "وثيقة بري"، لا تزال هي هي: لا نعطيكم يا فريق 14 آذار المحكمة في مقابل أن تعطونا الحكومة، أي نأخذ المحكمة والحكومة.. لأن الحديث عن تعديلات على الحكمة لا يزال غير محدد.
ولأن قمة الرياض ليست قمة عادية، بل هي "قمة القمم" فان حضور المسألة اللبنانية ضروري، خاصة عندما يكون التعطيل السوري مستمراً. وها هو الأسد يكرر بعد يوم من مؤتمر بري ان سوريا لن تسلّم سورياً الى المحكمة، وان نظامه "يريد" حكومة وحدة وطنية في لبنان كما يطرحها حلفاؤه.. ولا يعتذر عن إساءاته الى قادة المملكة العربية السعودية وسائر القادة العرب.
فأيّ "نوايا حسنة" يمكن الحديث عنها؟ أهي النيّة الحسنة التي أعلنها "مؤتمر الحوار" بالإجماع حول المحكمة الدوليّة؟ أم هي التي تتعلق بنزع السلاح خارج المخيمات؟ أم تلك التي تخصّ العلاقات الديبلوماسية مع سوريا وتحديد وترسيم حدود مزارع شبعا؟ أم ماذا؟
ما هكذا توردُ النوايا الحسنة يا صاحبَ الدولة!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.