غنيّ عن القول، عندما تختلط "الألوان" وتصبح "المعلومات" خارجَ سياق أيّ منطق، انّه لا مفرّ مِن تحكيم حسابات العقل، تجنباً للوقوع في مغالطات كبيرة.. "استراتيجية".
وعلى هذا الأساس، وبالعودة الى الاتصالات السعوديّة ـ الايرانيّة التي شكّلت عاملاً رئيسياً من عوامل المساعدة على تجديد لون من الحوار اللبنانيّ الداخليّ، لا بدّ من "ملاحظة" انّ السلوك الايرانيّ لم تطرأ عليه متغيّرات أساسيّة في ضوء الاتصالات على خطّ الرياض ـ طهران وصولاً الى القمّة التي جمَعت خادم الحرَمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس محمود أحمدي نجاد.
إيران و"الأطراف الثالثة" والمواجهة مع أميركا
لا شكّ انّ الجمهوريّة الإسلاميّة "صادقة" في ما أبلغته الى المملكة لجهة رفضها الفتنة السّنية ـ الشيعيّة في المنطقة وفي لبنان. وهي "صادقة" في ذلك فعلاً لأنّها تتضرّر أكثر من سواها وقبل سواها مِن هكذا فتنة، وهي المقيمة في بحر سنّي عربيّ آسيويّ كبير يعتبرُ انّ تحوّل إيران الى دولة إقليميّة نوويّة يستهدفه مباشرة أكثر ممّا يستهدف إسرائيل، بل يعتبر انّه لا يستهدف إسرائيل أصلاً.
لم تلتزم طهران مع المملكة بأيّ شيء "نهائي". قالت كلاماً عن استعدادها لـ"المساعدة" في حلّ عدد من أزمات المنطقة، لا سيّما الأزمة اللبنانيّة. لكنّها قالت هذا الكلام وهي تعرف تماماً انّ الحلول لهذه الأزمات مرتبطة بـ"أطراف ثالثة"، من بينها النظام السوريّ، ولم تتعهّد لا بممارسة ضغوط في وسعها أن تمارسها على هذه "الأطراف الثالثة"، ولا بإعادة النظر في علاقاتها وتحالفاتها بهذه "الأطراف" ومعها. و"الأهمّ" هوَ انّ ايران وعدت بـ"المساعدة في وقت لا يزال اشتباكها قائماً مع المجتمع الدوليّ، لا بل في وقتٍ تستعدّ لمواصلة هذا الاشتباك، إذ تعتبر في قرارة نفسها انّ ثمّة فرصةً متاحة أمامَها لأن "تزمط" ببرنامجها النوويّ وبموقعها الإقليميّ في ظلّ الأزمات الأميركيّة في المنطقة.
صحيحٌ انّ ايران، وفقاً للعديد من المعلومات تستشعر الخطر أكثر من أيّ وقت مضى. بيدَ انّ الصحيح أيضاً هو انّ إيران "تراهن" على "إستحالة" إقدام الولايات المتحدّة والمجتمع الدوليّ على المواجهة معها، لأنّها تراهنُ على ألا تضيفَ أميركا الى جبهاتها المفتوحة في المنطقة جبهة جديدة معها. وتراهنُ مع تزايد الاعتراض داخل أميركا على الحرب في العراق، على إمكان "النفاذ" من "خروم الشَبك".
لذلك، لا يمكن "الآن" قراءة الاتصالات السعوديّة ـ الايرانيّة بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع، إلا بوصفها من الجانب الايرانيّ خطوةً في سياق محاولة لتحسين ظروف المواجهة مع واشنطن إذا كانَ لا بدّ لهذه المواجهة أن تحصَل، أي انّه ليس منطقياً إفتراض انّ تلك الاتصالات قامت يوماً في الحساب الايرانيّ من باب إبداء "حسن النوايا" للتمهيد لتسوية مع أميركا والمجتمع الدوليّ.
إيران الداخليّة: "سجال" مراكز القوى لم ينتهِ
قبلَ أيّام، وفي عدد كبير من المقابلات التلفزيونيّة، تبارى العديدُ من المحلّلين الايرانيين "الليبراليين" ومِن طهران، في تأكيد أن المواجهة مع أميركا خيارٌ مجنون، وفي توصيف النتائج الكارثيّة على ايران لهكذا خيار. وبعضُ هؤلاء المحلّلين ذهبَ الى القول انّ فريقاً آخر داخل ايران يمكنه في اللحظة المؤاتية أن يأخذ مكان الفريق الحالي، وأنّ ثمّة فريقاً ايرانياً عقلانياً بالفعل يعترض على توريط إيران.
صحيحٌ بالفعل انّ عدّة خيارات يمكن أن تكون موجودة داخل ايران بالنسبة الى الملفّ النوويّ وآفاقه والدور الاقليميّ، كما بالنسبة الى "المواجهة" مع أميركا. وصحيحٌ كذلك انّ ثمّة خياراً داخل ايران مؤيداً للانفتاح على المملكة العربيّة السعوديّة ومؤيداً للتعاطي الايجابي مع النظام العربيّ. بيدَ انّ الصحيح قبلَ هذا وذلك، انّه لا يمكن تحديد توقيت معيّن لتبلور نتائج المخاض الايرانيّ، أي لاتّضاح نتائج سجال "مراكز القوى" داخل إيران.
وعلى هذا الأساس، يمكنُ القول "الآن" انّ إيران بين تفتيشها عن تحسين ظروف المواجهة أو تجنّبها بشروطها من جهة وبينَ السجال الداخليّ "الفعلي" الذي لا يمكن توقّع نتائجه سريعاً أو تبلورها "دراماتيكيّاً" من جهة أخرى، لن تستطيع أن تكون من قوى حلّ الأزمات الاقليميّة ومن ضمنها الأزمة اللبنانيّة، لا بل هي من قوى "تغذية" هذه الأزمات على قاعدة انّ علاقتها بها لحلّها يمكن أن تشكل "قوّة مضافة" الى إمكانياتها.
الصراع العربي ـ الايراني على سوريّا.. والتحاق نظامها بطهران
هذا مِن الجانب الايرانيّ. أمّا مِن الجانب السوريّ، فإنّ "الصورة" تبدو أوضح بكثير.
بدايةً، وطالما انّ ايران لا تزال في وضعها المشروح آنفاً، فإنّ النظام السوريّ يعتبر انّ لسياسته في الجوار الإقليمي، وفي لبنان تحديداً، أفقاً لا يزالُ قائماً.
وبكلام آخر، ليس خافياً على أحد انّ ثمّة صراعاً عربياً ـ إيرانياً على سوريّا. وهو صراعٌ بينَ محاولة إستعادة سوريّا الى "النظام العربيّ وبينَ استمرار إستتباعها لـ"المشروع الايرانيّ" غير المتغيّر حتّى الآن.
وفي إطار هذا الصراع العربي ـ الإيراني على سوريا، من الواضح ان النظام السوري يمثّل حلقة ضعيفة. فهو لا يستطيع أن يتقدّم باتجاه المصالحة مع "النظام العربي" وعبره مع المجتمع الدولي لأن عليه واجبات محدّدة، أي انّ عليه "تقديم" ما يجب تقديمه من المحكمة الدولية إلى وقف التدخّلات في لبنان وفلسطين والعراق، كي يصبح عضواً مقبولاً في "النظام العربي". لكنه غير قادر داخلياً على هكذا "تقديمات"، إذ يعتبر رئيس النظام بشار الأسد نفسه مهدّداً في الداخل في حال سار في خيار تجديد الانضمام إلى الأسرتين العربية والدولية. فبالنسبة إليه، إذا كان مطروحاً على سبيل المثال أن يقدّم متّهمين من النظام إلى المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كي ينقذ رأسه، فإنه لا يستطيع لأن الرأس أضعف من سائر أعضاء الجسم.
وعليه، يبدو ان خياره المستمر هو الالتحاق بإيران.. إلى أن يأتي فريق آخر داخل إيران يعتبر ان العلاقة بالنظام في سوريا مضرّة بمصالح إيران وبـ"أمنها". لكن نظام الأسد يراهن على الوقت، وعلى المواجهة بين إيران وأميركا علّها تنتج معطيات مختلفة. وثمة من يعرب عن اعتقاده ان الأسد يفضّل إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع على إقرارها تحت الفصل السادس في البرلمان اللبناني، تماماً لأنه يعتقد انه يكسب الوقت وانه "يصعّب" مهمة المحكمة، وانه يستدرج مواجهة "صعبة" معه.
الحوار الثنائي اللبناني على التقاطع السوري ـ الإيراني
تأسيساً على ما تقدّم، يمكن استنتاج الآتي: إيران في "مرحلة انتقالية" بين تسوية تقبلها أو مواجهة تسعى إلى تحسين شروطها من ناحية وبين تطورات داخلية لم تتبلور بعد من ناحية ثانية، وصراع عربي ـ إيراني على سوريا يبدو حتى الآن ان خيار النظام السوري ضمنه ـ أي ضمن هذا الصراع ـ هو الالتحاق بإيران.. من ناحية ثالثة.
في مثل هذه الأجواء، تدور جولات الحوار الثنائي بين رئيس مجلس النواب رئيس "حركة أمل" نبيه بري وزعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري.
وإذا كان غنيّاً عن القول ان هذا الحوار الثنائي أخذ قوة دفع من الاتصالات السعودية ـ الإيرانية، فمن نافل القول في المقابل ان كل المعطيات الأخرى التي جرى استعراضها آنفاً تعاكس توصّل هذا الحوار إلى نتائج ملموسة.
فالنتيجة "اللبنانية" لواقع ان إيران في"مرحلة انتقالية" هي أمران. الاول هو ان "حزب الله" ليس أمام دعوة إيرانية "حازمة" و"جازمة" بالذهاب إلى الحل اللبناني. والثاني هو ان النظام السوري لا يواجه ضغطاً إيرانياً أو متغيّراً إيرانياً، ما يجعله ماضياً في "سياسته" المعروفة.
التسوية اللبنانية غير متاحة قبل القمة.. وبعدها
من هنا، ووسط المعادلات "المنظورة" من غير المنطقي وخارج سياق "العقل" توقّع توصّل الحوار الثنائي بين برّي والحريري إلى "صفقة" أو "تسوية" قبل القمة العربية ولا يزال أسبوع فقط يفصل عن موعدها. والسبب هو أن لا قرار إيرانياً أو سورياً إلى الحلفاء في لبنان بالسير في تسوية متوازنة. والأهم أن لا قرار إيرانياً ـ سورياً عندما أصبحت الموافقة على قيام المحكمة الدولية تعني الموافقة على محكمة في سياق واضح لتقرير سيرج براميرتس الأخير الذي يعيّن المناخ السياسي "السوري" لجريمة اغتيال الرئيس الحريري وسائر الجرائم الأخرى.
وإذا كان ثمّة مَن يتوقع بارقة أمل من القمة العربية، فإن ما ينبغي قوله في هذا المجال، هو ان الصراع العربي ـ الإيراني على سوريا يبدو حتى الآن "مكسوباً" إيرانياً.
لا شكّ ان إخضاع نظام الأسد لنوع من "المحاسبة" في قمة الرياض، سيكون مهماً من زاوية إفهامه انه في حالٍ من العزلة العربية تضاف إلى عزلته الدولية. لكن ذلك لا يمنع توقّع استمراره في سياسته بما ان تغييراً في سلوكه أو تغييراً فيه هو نفسه مرهون في جانب مهمّ بالمعطى الإيراني.
وبطبيعة الحال، يُنتظر أن يستأنف حوار بري ـ الحريري جولاته في الأيام المقبلة الفاصلة عن موعد قمة الرياض الأسبوع المقبل.
وخلافاً لما يزعمه "حزب الله" مِن انّ الحل في لبنان لا ينتظر إلاً قراراً أميركياً، فإن التوصل إلى تسوية ينتظر قراراً سورياً ـ إيرانياً يُبلّغ إلى حلفاء النظامين في لبنان.
الهجوم السوري المتوقّع..لكن المطوّق عربياً ودولياً
لكن، ليست المسألة هنا بالفعل.
فالأكثرية النيابية التي تعتبر مع بدء العقد العاديّ للمجلس النيابي اليوم، ان افتتاح الجلسات واجب الحصول، وان انعقاد المجلس بديهي، وان لها حقوقاً دستورية، يمكنها مع ذلك انتظار بضعة أيام لممارسة ضغوط "أقوى"، كي لا تكون في موقع "المبادرة" إلى "التشويش" على حوار بري ـ الحريري.
لكن ماذا بعد القمة العربية؟
من الواضح ان ما بعد قمة الرياض، انتقالاً من جانب النظام السوري ومن جانب تحالف ما يسمّى "المعارضة" إلى خطوات "تفجيرية".
وقد بدأ التمهيد لذلك بالفعل. فنواب كتلة بري يهاجمون ما يسمّونه "هجمة" نواب الأكثرية من أجل عقد جلسات العقد العاديّ، وبعضهم يتحدث عن نهج لدى الأكثرية وفرقاء فيها لـ"تعطيل الحلول". ونواب "حزب الله" يعلنون ان الحوار الثنائي وصل إلى نهاياته، وان ما يحول دون إعلان التزامات محددة هو "غياب القرار الأميركي".
لذلك، فإن ما بعد قمة الرياض هجوماً سورياً منتظراً.
وإذا كان ممّا لا شك فيه ان الهجوم السوري سيكون مطوّقاً بموقف سياسي عربي ستتخذه القمة دعماً للبنان وحكومته الشرعية وللمحكمة الدولية، كما سيكون في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي وقراراته الجديدة المنتظرة، لا سيما بناء على تقرير مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للقرار 1559 تيري رود ـ لارسن، فإن الأكثرية، أكثرية 14 آذار مطالبة منذ الآن بتقويم المرحلة السابقة من جميع جوانبها، لاستخلاص خطة عمل جديدة.
فتحالف ما يسمّى "المعارضة" فشل خلال ثلاثة أشهر ونصف الشهر في تحقيق غاياته الانقلابية، والهجوم السوري "المتوقّع" يبدو "انتحارياً" من زوايا نظر عدة. وخطة العمل الجديدة للأكثرية يجب أن تنقلها إلى "المبادرة" نيابياً وسياسياً وعلى الصعيدين العربي والدولي أيضاً. وللبحث في هذا الموضوع تابع.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.