غداً يبدأ العقد العادي لمجلس النواب، وبعد نحو عشرة أيام تنعقد القمة العربية في الرياض. وبين هذا التاريخ وذاك وقبلهما يدور الحوار الثنائي بين رئيس المجلس رئيس حركة "أمل" نبيه برّي ورئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، الذي بالرغم من خمس جولات "حتى الآن" لم يتوصل إلى نتيجة "حاسمة".
الهدفان "الأدنى" و"الأقصى"
ومن الواضح، بحسب معلومات توافرت في الآونة الأخيرة عن أداء تحالف ما يسمّى "المعارضة"، ان هذا التحالف وضع لحوار برّي ـ الحريري واحداً من هدفين. الهدف "الأدنى" هو كسب الوقت حتى القمة العربية باعتبارها محطة تتضح معها جملة معطيات. أما الهدف "الأقصى" فانتزاع موافقة من الحريري ومن فريق 14 آذار على ما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" مشكّلة على قاعدة الثلث المعطّل لـ"المعارضة"، ولو في صيغة إعلان نوايا مبدئية.
ولا يخفى ان هذين الحدين "الأدنى" و"الأقصى" يسمحان للنظام السوري بالذهاب إلى قمة الرياض في وضع يمكّنه إما من التفاوض مع "النظام العربي" حول "الملف اللبناني" على نحو "مباشر"، وإما من إدعاء ان الأزمة اللبنانية في طريقها إلى الحل استناداً إلى "إعلان نوايا" يتضمّن تنازلاً من 14 آذار عن الثلث المعطّل.
طبعاً، لم يتمكّن "التحالف المعارض" من انتزاع موافقة زعيم "تيار المستقبل" على حكومة مشكّلة وفق صيغة 19 + 11، ولم يتمكّن التحالف المذكور من "بيع" ما يسمّيه الموافقة المبدئية على المحكمة الدولية في مقابل الحكومة، كما لم ينجح في تسويق ما يدّعي انه خلاف في صفوف الأكثرية.
تقرير براميرتس و"فتح الإسلام".. ومعناهما
وواقع الأمر انّ لعدم قدرة التحالف السوري ـ الإيراني على السير في التسوية أو لعدم "رغبته" فيها، أسباباً جوهرية.
وأول ما ينبغي تسجيله في هذا الإطار، هو ان التقرير الأخير لرئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس، بالرغم من تجنّبه التسمية المباشرة لمتّهمين، انما يوجه الاتهام إلى النظام السوري وملحقه الأمني في لبنان في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفي جرائم الاغتيال الأخرى "المترابطة"، وذلك على أساس الأولوية التي يعطيها براميرتس لـ"المناخ السياسي" الذي مهّد للاغتيال السياسي للرئيس الحريري.
وإذ تزامن تقرير براميرتس مع القبض من جانب قوى الأمن الداخلي على الشبكة المخابراتية الإرهابية السورية تحت مسمّى "فتح الاسلام"، فإن ما ينبغي تسجيله ثانياً، هو ان التحقيق الدولي الذي يتوصّل إلى إتهام النظام السوري باغتيال الرئيس الحريري، انما يحصل، بالقبض على الشبكة المذكورة، على "دعم" مهمّ بل استثنائي يتمثّل بـ"دليل" حسّي على اشتغال النظام المخابراتي بجرائم الاغتيال.
بطبيعة الحال، ان الحدثين، أي تقرير براميرتس والقبض على الشبكة السورية، يقدّمان دعماً لحركة 14 آذار سواء في اتهامها "السياسي" للنظام السوري بجرائم الاغتيال الإرهابية أو في مطالبتها بالمحكمة الدولية، لكنّهما في المقابل يشكّلان إحراجاً لتحالف "المعارضة". وبكلام آخر، لم يعد "منطق" ما يسمّى "المعارضة" قادراً على الصمود طويلاً، وحديث الموافقة "المبدئية" على قيام المحكمة ينهار، لأن المطلوب بات الموافقة على محكمة يمهّد تقرير براميرتس لها بتوجيه أصابع الاتهام إلى "مناخ سياسي" شكّله نظام الوصاية.
النظام السوري و"الطوق"
لذلك، فإن ما ينبغي تسجيله ثالثاً في سياق تناول أسباب "عدم قدرة" تحالف "المعارضة" على السير بتسوية "حقيقية"، انما يدخل في باب المعلومات المتّصلة بالنظام السوري وبعض حلفائه على حدّ سواء.
ففي هذه المعلومات ان النظام السوري وجواباً على المطالبات العربية له بعدم عرقلة المحكمة الدولية، أي عدم عرقلة إقرارها في المجلس النيابي اللبناني، أبلغ "المطالِبين" بأنه لا يستطيع الموافقة وبأن أقصى ما يمكنه قوله هو انه "مستعدّ لمواصلة التعاون مع التحقيق الدولي إلى أن يصل إلى اتهامات محدّدة". وذلك يعني ان نظام الأسد ماضٍ في موقفه "المعروف" الذي تحكمه "قيادته" لجريمة اغتيال الحريري.
"حزب الله" يترك التصدّي للمحكمة للأدوات السورية
وفي هذه المعلومات أيضاً، ان "حزب الله" تبلغ من إيران حصيلة اتصالاتها بالمملكة العربية السعودية، وتبلّغ منها الحرص على عدم الاندفاع باتجاه فتنة سنّية ـ شيعية. لكن الحزب يقول، وبحسب أوساط متابعة، انه لم يتبلغ من إيران موقفاً بالسير في تسوية لا يرغب النظام السوري بها، كما لم تدعُه طهران إلى وقف التفكير بخطة تصعيدية.
لكن المعلومات نفسها تؤكد ان "حزب الله" استجابة للمطالبة الإيرانية بالبقاء "ما دون" الفتنة من ناحية واعترافاً منه بأن أحداث شهر كانون الثاني الماضي شكّلت له ازعاجاً كبيراً من ناحية اخرى، قرّر اعتماد "نهج" يقوم على عدم تصدّر صفوف المعترضين على المحكمة الدولية بما ان المحكمة مطلب إسلامي سنّي في أحد وجوهه الرئيسية، وترك التصدّي للمحكمة لأتباع النظام السوري "المباشرين". وقرّر في المقابل أن يتولى بنفسه تصعيد المطالبة بالثلث المعطّل. وبالفعل، فإن الخطاب السياسي لحزب الله، على لسان أعلى المستويات فيه، يتراوح في موضوع المحكمة بين التجاهل والكلام "المبدئي"، فيما يعتمد نبرة عالية في موضوع الثلث المعطّل.
عون "الغريق" يواصل تحالفاته
في هذه الأثناء، عاد الجنرال ميشال عون إلى رفع الصوت تناغماً مع سائر الموالين للنظام السوري. فبعد التراجع الكبير الذي أصابه وتيّاره على الصعيد المسيحي، يحاول عون إختلاق "مسألة مسيحية". لكنه وكما قال القيادي البارز في 14 آذار النائب السابق فارس سعيد في مقابلة تلفزيونية قبل يومين، فإنه أوقع نفسه في "الفخّ": ففيما يعلن عدد من أعضاء تيّاره وتكتّله النيابي تذمّرهم ممّا يسمّونه حصر التفاوض بشأن الأزمة اللبنانية ببري والحريري مما يستبعد المسيحيين، يقوم هو بمطالبة المتحاورَين بتضمين أي اتفاق بينهما قانوناً جديداً للانتخاب!.
بيد ان مشكلة عون ليست هنا فقط. فممّا لا شكّ فيه انّ التقدّم المتحقّق في التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، كما التقدّم الأمني المتمثل بالقبض على الشبكة السورية، يحرجانه، أي يحرجان "التغطية" التي قدّمها لمواصلة النظام السوري تدخّله في لبنان من جهة، ويحرجان التحالفات التي يعقدها مع جماعة هذا النظام من جهة ثانية. وبدلاً من أن يراجع نفسه وحساباته، يبدو ان عون قرّر ـ أو قُرّر عنه ـ مواصلة السير في خطّ لا رجعة فيه.
باستعراض هذه المعطيات، معلوماتٍ وتحليلاً، يتبيّن بوضوح أنّ أفق التسوية في لبنان "مغلق". هو أفق "مغلق" لأن النظام السوري وحلفاءه وأتباعه وأدواته لن يقبلوا بإقرار المحكمة الدولية في مجلس النواب، وقد بات واضحاً ان الحديث هو عن محكمة دولية يمثُل أمامها متهمون من النظام السوري وملحقه الأمني السابق. وهو أفق "مغلق" لأنّ تحالف ما يسمّى "المعارضة" مستمرّ في مطالبته بالسلطة عبر مطالبته بالثلث المعطّل، وهو أمر لن تسلّم الأكثريّة به على الإطلاق.
الأكثرية "تؤجّل" حقها الدستوري: فرصة لحوار برّي ـ الحريري
ما العمل والحالة هذه؟
لا شكّ أنّ الحوار الثنائي بين نبيه برّي وسعد الحريري سيستمر في الأيام "المنظورة" المقبلة. وبالتأكيد، إذا كان لهذا الحوار أن يتوقف، ينبغي أن يكون توقّفه مشروحاً، أي أن توضح الأسباب التي دفعت بتحالف "المعارضة" إلى تعطيله.
ثم، إذا كان مفهوماً انّ نواب 14 آذار يتصرّفون بـ"حكمة"، أي انهم أجّلوا ـ على ما يبدو ـ ممارستهم لحقهم الدستوري في فرض انعقاد جلسات العقد العادي اعتباراً من يوم غدٍ في ما يتجاوز مجرد تأمين "المشهد" والبرهنة على إرادة العمل في مقابل خطوات التعطيل، وهذا ليس حقّهم الحصري بل حقّ المجلس ككل، فلا بدّ أن يكون مفهوماً أيضاً ان هذا "التأجيل" هو من أجل عدم المشاغبة على الحوار الذي يقوم به النائب الحريري بتفويض منهم.
لكنّ هذا الحقّ يبقى حقاً دستورياً شرعياً. وإذا كانت نهاية شهر آذار الجاري تشكّل الموعد "التقديري" للحوار الثنائي، أي الموعد "التقديري" لظهور نتائجه، فإن من حقّ الأكثرية النيابية أن تجتمع في المجلس، وأن تطالب الرئيس برّي بعقد الجلسات، وأن تستخدم كل ما يتيحه لها الدستور من أجل إعادة الاعتبار لدور المؤسسة الدستورية الأم.
نيسان..والاستحقاقات
على ان ما "يجب" لفت الانتباه إليه في هذا السياق، هو انّ شهر نيسان المقبل شهرُ استحقاقات "داهمة".
فإذا كان واضحاً ان "المجتمع الدولي" يعطي النظام السوري وحلفاءه في لبنان "فرصة أخيرة" لإقرار المحكمة الدولية في المجلس النيابي اللبناني، لن تطول ـ أي الفرصة ـ أبعد من منتصف نيسان، وإذا كان هذا "المجتمع الدولي" يعتبر قمّة الرياض "فرصة أخيرة" أمام نظام الأسد، ويعتبر ان الموتمر الدولي ـ الإقليمي حول العراق في نيسان المقبل "فرصة أخيرة" لدمشق وطهران كي تقرنا "النوايا" بالأفعال... فإن من أهمّ الاستحقاقات التي ينتظر أن يشهدها الشهر المقبل، الانتقال بالمحكمة الدولية إلى الفصل السابع إن تعذّر إقرارها لبنانياً، والانتقال بالحدود اللبنانية ـ السورية إلى الرقابة الدولية.
ان كلّ المقدّمات السابقة تهدف إلى تظهير الحقيقة حول حوار برّي ـ الحريري، أي إعادة التذكير بـ"العقد" السورية المصدر التي لا يزال تحالف ما يسمّى "المعارضة" يتمسّك بها بما لا يفتح الأفق أمام هذا الحوار، كما تهدف إلى تبيان حقيقة ان فريق 14 آذار يمارس قدراً عالياً من المرونة السياسية، متحملاً ليس فقط "الإنغلاق" الذي يبديه الفريق الآخر، بل "الوعيد" أيضاً.
"استراتيجية" متجدّدة
لكن بعد فترة غير طويلة، وأخذاً في الاعتبار كل التوقّعات بإقدام النظام السوري على التفجير، سيكون على حركة 14 آذار وضع "استراتيجية" متجدّدة، توظّف الصمود الذي حققته حيال التهويل والابتزاز، وتأخذ في الحسبان موقف "النظام العربي" الداعم لاستقلال لبنان وحرية قراره، والدعم الدولي المتنامي، لكنها تمارس بموجبها حقوقها الدستورية أيضاً.
غنيّ عن القول ان حركة 14 آذار اختارت طريق الحوار وطريق الوفاق والتسوية. ومن نافل القول انّ مسؤولية تعطيل الحلول "الداخلية" تقع على عاتق "الفريق الآخر". وإذا كانت الحركة الاستقلالية ستبقى ملتزمة بسقوف واضحة للصراع السياسي، أي انها سوف "تناضل" لتبقيه سلمياً وديموقراطياً، فإن ذلك "يجب" ألا يحجب عنها الرؤية. ذلك انّ التقدّم الذي حقّقته في علاقتها بالنظام العربي خلال الشهور الماضية، لا بدّ أن يجعل المشروع "اللبناني" جزءاً عضوياً من "المشروع العربي"، طالما ان "التعريب" هنا يدعم "اللبننة" أي لبنان الكيان والدولة والنظام بمرجعية إتفاق الطائف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.