8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحدود السوريّة مع لبنان مفتوحةٌ أيضاً.. لمجموعات كرديّة؟

من أهمّ الزيارات التي ينوي رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط القيام بها في الفترة المقبلة، زيارةٌ الى تركيا هي الأولى له.
تأخّر قيامُ جنبلاط بهذه الزيارة ردحاً من الزمن، لكنّه كانَ دائماً يتابعُ بدقّة تطورات التجربة التركية داخلياً، والموقع التركي إقليمياً. وينطلقُ من أهميّة هذا البلد في المعادلة الاقليمية الشرق أوسطية و"توازنها"، خصوصاً بعدَ انهيار الدور الاقليمي لسوريّا وفي ضوء محاولة ايران تشكيل نفسها بوصفها "دولة اقليمية".
تركيا في قراءة جنبلاط
وفي الآونة الأخيرة، قرأ جنبلاط في الإهتمام التركي بلبنان، تطوّراً لافتاً إذ سارعت الحكومة في إسطنبول الى إعتبار انّ ما يجري في لبنان يمثّل خطراً على الوضع في المنطقة ككلّ، خاصة إذا أضيفت الأزمة اللبنانيّة الى الأزمات والمشاكل في غير بلد من بلدان المنطقة ممّا يُعتبر خطراً على حدود تركيّا يمكن أن ينعكس على داخلها. والأهمّ انّ وليد جنبلاط قرأ في تزايد الاهتمام التركيّ بلبنان، الذي عبّر عن نفسه بالمساعي السياسيّة لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان من ناحية والمشاركة في "اليونيفيل" بعدَ القرار 1701 مِن ناحية ثانية، توجّهاً الى تقارب بل تحالف بين تركيّا و"النظام العربيّ" قيد إعادة التأسيس بدور فعّال لدول الإعتدال العربيّ عموماً وللمملكة العربيّة السعوديّة خاصّة.
وكانت الزيارةُ التي قام بها أردوغان الى بيروت في كانون الثاني الماضي، والتي كانت بمثابة إعلان عن انّ تركيّا معنيّة مباشرة بالوضع اللبناني، والاقليميّ كلّه، مناسبةً للقاء "سريع" بين جنبلاط ورئيس الوزراء التركيّ. وفي هذا اللقاء الذي طرح فيه المسؤول التركيّ أسئلةً محدّدة لا سيّما حول المحكمة الدولية، قدّم جنبلاط شرحاً "مكثّفاً" على طريقته، وخلاصتُه انّ لبنان دفعَ ثمن الدخول السوريّ الى لبنان للوصاية عليه وإستتباعه دماءَ الزعيم الوطنيّ الراحل كمال جنبلاط ودفع ثمنَ الخروج السوريّ وسقوط الوصاية دماء الزعيم الاستقلاليّ الرئيس الشهيد رفيق الحريري وعدد من خيرة قادته.
لقاء أردوغان ـ جنبلاط و"الكيمياء"
واللقاء الذي بدأ "رسمياً" لم ينتهِ في حينه إلا وقد سرَت "الكيمياء" بينَ الرجلَين. أبدى أردوغان إحترامه للبيت الجنبلاطيّ. لكنّه وقد عرف انّ وليد جنبلاط حفيدُ الرمز العربيّ الأمير شكيب أرسلان، أعرب عن تقديره لهذه الشخصيّة التاريخيّة وأبلغ محدّثه انّ العديد من مؤلفات المير شكيب قد جرت ترجمته الى التركيّة. إنتهى اللقاء بـ"ربتة" من أردوغان على ركبة جنبلاط تودّداً وتحبّباً، وقد صدمته خلالَ اللقاء صور الشهيد كمال جنبلاط مسجّى قبل دفنه في 16 آذار 1977، وتظهر رأسه ووجهَه مخترقَين برصاص الغدر الذي أردى به نظام البعث قائد الحركة الوطنيّة اللبنانيّة.
صارَت طريق جنبلاط الى تركيّا سالكة. ولأنّها صارت كذلك، تحرّك نظام الأسد من أجل تعطيلها، مفترضاً انّ علاقته بأنقرة تسمحُ له بذلك.
أكذوبة نظام الأسد: إتهام "التقدّمي" بدعم أوجلان!
ما الوسيلة التي يعتمدها نظام بشّار الأسد لتعطيل تطوّر علاقة الزعيم اللبناني بتركيّا؟.
يبدو انّ "عبقريّته" تفتّقت عن إختراع أكذوبة مضمونها انّ جنبلاط و"الحزب التقدمّي الاشتراكي" يقدّمان مساعدات تمويليّة وتسليحية لمجموعات كرديّة تابعة لقائد ما يسمّى "حزب العمّال الكردستاني" عبدالله أوجلان المحكوم في تركيا وينفّذ عقوبة بالسجن المؤبد.
ويقوم النظام السوريّ بالتحريض على جنبلاط تحت هذا العنوان الكاذب، أي انّ النظام الذي سلّم أوجلان الى تركيّا قبلَ نحو تسعة أعوام يحرّض بالذي كان يقوم به عندما كانَ يفتح البقاع اللبنانيّ لمعسكرات أوجلان وجماعته.
طبعاً لا تنطلي الأكذوبة على السلطات التركيّة، لا سيّما انّ حكومة أردوغان أقدمت في الآونة الأخيرة على عدد من الخطوات الهادفة الى تحسين ظروف الشعب الكرديّ، وإلى مساعدته على حفظ هويّته وتراثه. وعلى كلّ حال فقد أبلغ جنبلاط مضمون الحملة التحريضية السورية الى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة كي يؤكد بدوره لاردوغان أبعاد هذه الأكذوبة.
معلومات: علاقة "حزب الله" بمجموعات كرديّة
بيدَ انّ الأخطر، هو انّ معلومات وردت الى مرجعيّات سياسيّة عدّة تفيد انّ ثمّة علاقةً "ناشئة" منذ مدّة بين "حزب الله" والمجموعات والجمعيّات الكرديّة ومن بينها مجموعة أوجلان، وانّ الحزب يتولّى "رعايتها".
لا شكّ انّ هذه المعلومات بحاجة الى متابعة، سيّما انّ من استمعوا إليها كان لهم رأيان فيها. الرأي الأوّل يقول انّه من "المستحيل" أن تكون لـ"حزب الله" علاقةٌ مِن هذا النوع مع مجموعات كرديّة لأنّه بذلك يُحرج إيران التي لديها مشكلة مع "أكرادها". أمّا الرأيُ الثاني فيعتبر انّ هكذا علاقة يمكن أن تكون مأذونة من جانب طهران، معَ التذكير بأنّ "العادة" درَجت في مرحلة سابقة على أن "يتحالف" أحد الأنظمة في دول "المثلّث الكردي" مع مجموعات أو حركات كردية في دولة أخرى، وذلك في إطار الصراعات بين "الدول الإقليمية" عندما "كانت" قائمة، أي قبل "النظام الدولي الجديد" في مرحلة ما بعد الحرب العراقية ـ الإيرانية بداية وصولاً إلى الحرب على العراق في العام 2003 نهاية، والذي أنهى "الدول الاقليمية".
ويضيف أصحاب هذا الرأي ـ الثاني ـ من باب "إساءة الظنّ" ان "حزب الله" مأذوناً من إيران يمكن في هذه الحالة، أي في حال تأكدت المعلومات أن يستفيد من "حليف" ضدّ "اليونيفيل" التي تشارك فيها تركيا، في الظرف "المناسب"، وذلك على الرغم من "حملة التودّد" التي يقوم بها حالياً تجاه القوات الدولية العاملة في الجنوب والتي تؤكدها مصادر مطّلعة.
تخطيط سوري ضدّ تركيا
بيد ان ما استرعى إنتباه المستمعين إلى أكذوبة النظام السوري حول العلاقة بين جنبلاط والمجموعات الكردية من جهة وإلى المعلومات "الأخرى" من جهة ثانية، هو ان نظام الأسد يواصل "سياسة" ضرب الاستقرار في دول الجوار بالتزامن مع تصاعد الحصار السياسي حوله عربياً وإقليمياً ودولياً.
ذلك انّ من "عادة" نظام الأسد عندما يتّهم أحداً بشيء ما من هذا القبيل، أن يكون هو نفسه متورّطاً فيه أو في مرحلة الاستعداد له، أي في مرحلة "ايقاظ" عناوين "نائمة".
إذاً، لا ينطلي الأمر على تركيا بشأن علاقات كردية لجنبلاط، لكن ثمة يقظة تركية إزاء بشّار الأسد. وثمة اعتقاد ان الأسد يلعب بـ"ذيله" في هذه الأوقات.
الحدود السورية مع الجوار
ومن المفترض ان الأكذوبة المكشوفة ضدّ جنبلاط، ستكون موضع متابعة إقليمية ودولية لانه بأكذوبته يؤشّر إلى "مكان" آخر.
واللافت في هذا المجال ان قيام النظام السوري بتنشيط عناوين كردية "نائمة" ضدّ تركيا، يتزامن مع عددٍ من المعطيات التي يتبيّن انه لا يفهم كيفية التعاطي معها. والمعطى الأول هو ان ذلك يتم فيما الحدود العراقية ـ السورية مقفلة. والمعطى الثاني هو أن هذا الأمر يتزامن مع قرار مجلس الأمن بإجراء تحقيق دولي مستقل حول الحدود اللبنانية ـ السورية لفحص إمكانية القيام برقابة دولية على هذه الحدود.
والمعطى الثالث هو انه يأتي متزامناً مع فترة الشهر التي أُعطيت لدمشق وطهران لترجمة النوايا إلى أفعال في ما يتعلّق بالمسألة العراقية، وذلك خلال المؤتمر الدولي ـ الإقليمي الذي انعقد في بغداد قبل أسبوع.
لا داعي للقول ان النظام السوري يغامر بدفع تركيا الى إقفال الحدود مع سوريا. لكن لا بدّ من التأكيد على انه وقبل أيام قليلة من قمة الرياض نهاية الشهر الجاري، يأتي إلى هذه القمة بمشاكل مع الجميع، ما يعني انه آتٍ بنوايا خبيثة، وانّ ما أبلغه إلى مصر خلال زيارة فاروق الشرع إلى القاهرة قبل أيام قليلة حول استعداده لـ"أي" خطوة من أجل مصالحة المملكة العربية السعودية، لا يعدو كونه كسباً للوقت. ولذلك، فإذا كانت المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه بنداً رئيسياً على جدول أعمال القمة العربية، فإن مسألة الحدود السورية مع جوارها لا بدّ أن تكون حاضرة أيضاً، لا سيّما بعد الموقف الدولي بالنسبة إلى الحدود السورية مع لبنان، وهو الموقف التطبيقي للقرار 1701.
الرقابة الدولية للحدود مع لبنان
أما في ما يعني الوضع في لبنان، فإن الأكذوبة ضدّ الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، فيها "شيء" محتمل، هو أن تكون مجموعات تابعة لأوجلان وغيره موجودة في أمكنة ما على الأراضي اللبنانية مما يستدعي التحقّق من جانب الجهات المعنيّة. وهذا ما يفيد ان الحدود مع سوريا مفتوحة من الجانب السوري لعبور السلاح والمسلّحين والمجموعات، وقد سبق لرئيس النظام السوري أن أعلن بنفسه عبور مجموعات من "القاعدة" إلى لبنان. وأتى القبض على الشبكة المخابراتية السورية تحت مسمّى "فتح الإسلام" ليكشف "الشغل" السوري ضدّ أمن البلد واستقراره.
من هنا، فإن المطالبة اللبنانية بإخضاع الحدود مع سوريا للرقابة الدولية وفقاً لأحد بنود القرار 1701، هي مصلحة لبنانية وعراقية وتركية، لكنها مصلحة عربية وإقليمية ودولية أيضاً.
عمل إرهابي سوري في لبنان..بعد القمة؟
على أن ثمة سؤالاً تردّد كثيراً في الأيام الماضية بعد إلقاء القبض على "شبكة عين علق" التي تبيّن أنها إحدى الشبكات المخابراتية الرئيسية "العاملة" على الأراضي اللبنانية. وهذا السؤال الذي طُرح في الوسط السياسي هو: ماذا بعد كشف هذه الشبكة، أي كيف سيتصرّف النظام السوريّ في الفترة المقبلة؟
وأخذاً في الإعتبار كلّ ما تقدّم ممّا يفيد عن إدخال نظام دمشق مجموعات من كلّ الجنسيّات الى لبنان، وأخذاً في الإعتبار التعليق السمِج والسخيف لوليد المعلّم بأنّ نظامه "علماني"(!) ولا يقيم علاقات بمجموعات دينيّة متطرّفة(!)، لم يتردّد الوسط السياسيّ جواباً عن هذا السؤال بتوقّع عمل إرهابيّ كبير يقدم عليه نظام الأسد.
هذا التوقّع مبنيّ على قواعد سلوك النظام في سوريّا، مثلما هو مبنيّ على الوقائع الإرهابية التي جرى توضيحها آنفاً. لكنّه مبنيّ أيضاً على تقدير بأنّ نظام الأسد الهارب من الاستحقاقات التي تحاصره، لا يزالُ ممتهناً لـ"سياسة" مواجهة الجميع.. إلا إسرائيل.
ولا يريد الوسط السياسيّ أن يتوقّع توقيتاً معيّناً للعمل الإرهابيّ الكبير، وإن كان يرى انّ التوقيت مرجّح بعدَ قمّة الرياض.
وهنا، يسارعُ الوسط السياسيّ إلى التنبيه مِن انّ الحذر الذي يبديه حيالَ محاولات التسوية الداخليّة، انّما يرتبط إرتباطاً وثيقاً بمعلومة تفيد انّ النظام السوريّ أعطى أدواته وأتباعه في لبنان "تعليمة" تدعوهم الى "الصمود" حتّى القمة العربيّة، ما يعني انّ محاولات التسوية محاطة سلفاً بخطّة تفجيريّة سوريّة.
عيونُ اللبنانيين ستبقى مفتوحةً عشرة على عشرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00