على وقع الإنجاز الكبير الذي حققته شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بإلقاء القبض على الشبكة التخريبية السورية التي ارتكبت جريمة عين علق في شباط الماضي، كان الوسط السياسي يخوض خلال الساعات الماضية في نقاش سياسي ـ أمني متكامل.
فمّما لا شكّ فيه بداية ان هذا الإنجاز الأول من نوعه في كشف مدبّري ومنفّذي إحدى أبشع الجرائم التي شكّلت منعطفاً في إطار المسلسل الإرهابي الذي يضرب لبنان منذ الأول من تشرين الأول 2004 لجهة الاستهداف المباشر للمواطنين الأبرياء، انما يعني وضع اليد على واحدة من شبكات البنية التحتية للنظام المخابراتي السوري "العاملة" في لبنان، ويعني ان التحقيق معها يفترض أن يقود إلى تكوين ملفّ كامل عن العلاقة بين جريمة عين علق وسائر الجرائم الإرهابية الأخرى.
إنجاز شعبة المعلومات يسقط
"هجمات المعارضة"
لكن بقدر ما أشاع هذا الإنجاز ـ الإختراق الأمني اللبناني إرتياحاً في صفوف اللبنانيين عموماً والفريق الاستقلالي خصوصاً، فإنه أصاب التحالف الإنقلابي المسمّى "معارضة" بالإحباط.
كان هجوم هذا "التحالف" على الحكومة وعلى الأكثرية، يتركّز قبل هذا التطوّر الأمني اللافت، على ثلاثة محاور. الأول هو ان الأجهزة الأمنية الخاضعة للسلطة السياسية لم تنجح في "إكتشاف" أي جريمة وفي كشف "حقيقتها"، ما يجعلها من وجهة نظر الإنقلابيين فاشلة في حماية أمن اللبنانيين. وكان النصيب الأوفر من الهجوم لشعبة المعلومات التي صنّفت على انها العمود الفقري لما سمّاه الإنقلابيون "النظام الأمني" الجديد قيد الإنشاء. والمحور الثاني هو إدعاء ان الأكثرية لا تملك عبر أجهزتها أي دليل على اتّهام النظام السوري بالجرائم التي شهدها لبنان بين عامي 2005 و2007، وان الاتّهام "سياسي" لا يُعتدّ به كما يدّعون. والمحور الثالث، هو الذي انتقل إليه تحالف ما يسمّى "المعارضة" بالتزامن مع تحرّكه الإنقلابي منذ 107 أيام، ويتّهم قوى الأكثرية بتشكيل ميليشيات وبالتسلّح، في وقتٍ كانت شاحنات الأسلحة والمخازن التي ضُبطت تعود إلى قوى في الفريق الإنقلابي نفسه.
ومع ذلك، فإن الهجوم بمحاوره الثلاثة الآنفة لم يثبط عزيمة الأجهزة الأمنية الخاضعة للسلطة السياسية، إلى أن كان الإنجاز الكبير أول من أمس. سقطت الحجج دفعة واحدة. كُشفت حقيقة إحدى أهم الجرائم، وهي الجريمة التي جعلت فريق 14 آذار يعلنُ في بيان بعد جريمة عين علق مباشرة ان الإرهاب السوري ينتقل في لبنان إلى "الأسلوب العراقي". وأهم ما كُشف أول من أمس، هو ان هذه الشبكة تحت مسمّى "فتح الإسلام" جزء لا يتجزأ من الجهاز المخابراتي السوري.
الآن صار هناك دليل بل أدلة. وقبل هذا الإكتشاف، لا ينسى اللبنانيون كيف ان إعلام "حزب الله" مثلاً سارع يوم 25 كانون الثاني الماضي المشؤوم، فيما كان يدير الفوضى في بيروت، إلى إتهام من سمّاهم عناصر في "ميليشيات الحزب التقدمي الاشتراكي" بقتل المواطن من آل شمص في منطقة وطى المصيطبة، فإذا بالتحقيقات تكشف ان من صرع المواطن شمص، سوري يعمل مع أحد الأجهزة المخابراتية، وقام بتمثيل الجريمة التي غدا واضحاً انّ هدفها كان تسريع إيقاع الفتنة.
"التوقيت المؤذي"
الآن صار هناك دليل بل أدلة. وبدلاً من الاعتراف بالإنجاز، أطلق إعلام الإنقلابيين "التعليمة". وفجأة صار الكلام عن "توقيت" إعلان الكشف عن الشبكة. لماذا؟
من نافل القول ان "التوقيت" يؤذي التحالف الإنقلابي لاعتبارات عدّة. يؤذي لأن الكشف عن الشبكة يسلّح الأكثرية بأدلة. ويؤذي لانه يتزامن مع "الضغوط" الإقليمية والدولية على النظام السوري بشأن المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الاخرى. ويؤذي لانه يفضح موقف هذا النظام الذي يراوح بين القول ان المحكمة الدولية لا تعنيه وبين المطالبة بتأجيلها إلى حين إنتهاء التحقيق الدولي. ويؤذي لانه أتى بالتزامن مع زيارة الموفد الأوروبي خافيير سولانا حاملاً رسالة تحذيرية إلى نظام دمشق، وعلى مسافة بضعة أيام من القمّة العربية في الرياض حيث يحاول نظام الأسد تجنّب استحقاق الموقف العربي من موضوع المحكمة ومن تدخّله في الشؤون اللبنانية. ويؤذي لان اعترافات "شبكة عين علق" ستضمّ إلى ملفات لجنة التحقيق الدولية.
بيد ان "التوقيت" يؤذي، لانه ـ بالمنطق ـ يُفترض انه يضغط "معنوياً" وسياسياً على تحالف ما يسمّى "المعارضة" كي تحدّد موقفها بصراحة من إقرار المحكمة الدولية في المجلس النيابي. ويضغط لانه أسقط الحجج والذرائع المستخدمة للتهرّب من إقرار المحكمة. ولعلّه يؤذي أيضاً وأيضاً لأنّ الكشف عن "شبكة عين علق" وإلقاء القبض على أفرادها يسلّط الضوء على البنية المخابراتية السورية التي تشترك فيها أحزاب وجهات بدا واضحاً انها "تصعّد" تسلّحها في الآونة الأخيرة.
إذاً، انّ مصدر الإحباط لدى ما يسمّى "المعارضة" هو انّ هذا الإنجاز الأمني الكبير "يسلّح" حركة 14 آذار بقدرة على مواجهة ذرائع الانقلابيين وحُججهم ويعطي لطرحها السياسيّ قوّة دفع.
الأجهزة الأمنيّة وضرورة توقّف
"تفخيت" بعضها بالبعض الآخر
على انّ هذا الجانب السياسيّ المؤسّس على الإنجاز الأمنيّ، لم يكن الجانب الوحيد من النقاش الذي خاض الوسط السياسيّ فيه في الساعات الماضية، إذ جرى التوقّف ملياً عند الجانب الأمنيّ نفسه.
في هذا المجال، جرى تسجيلُ عددٍ من "الحقائق".
أوّلها انّ الجيش كمؤسّسة عسكريّة ـ وليس أمنية ـ يقوم بدوره المُناط به وأكثر، سواء عبر انتشاره في الجنوب لحفظ أمن هذه المنطقة من لبنان انفاذاً للقرار الدوليّ 1701 وتنفيذاً لقرار مجلس الوزراء المؤسّس على الـ1701، أو عبر سهره في بيروت على السلم الأهليّ.
ثانية "الحقائق" التي يجري تسجيلها، هي انّ الاختراقات الأمنيّة الناجحة هي تلك التي تنفّذها وتحقّقها شعبة المعلومات في الأمن الداخليّ وقوى الأمن الداخلي ككّل.
فبالاضافة الى دور هذه الشعبة في دهم مخزن السلاح في الكورة التابع لـ"الحزب السوريّ القومي الاجتماعي"، والى التحقيق مع الموقوفين في هذا الملفّ قبل إحالتهم على القضاء، يُسجّل لهذه الشعبة انّها تتابع من كثب "التحرّكات" المعادية وصولاً الى تجميع "خطوط" كثيرة حول عدد من جرائم الاغتيال والتفجير.. فالكشف عن "شبكة عين علق" أخيراً.
وثالثة "الحقائق" هي انّ الجمارك بالرغم من انّها ليست جهازاً أمنياً "صافياً" وإن كان ثمّة "بعدٌ" أمنيّ لعملها، ساهمت في تحقيق اختراقات أمنية ايجابية سواء في ضبط شاحنة الأسلحة عند مستديرة الصيّاد في منطقة الحازمية، والتي طالب "حزب الله" بها، أو في ضبط أسلحة منقولة في سيّارة أحد عناصر "الحزب القومي".
أما رابعةُ "الحقائق" التي يجري التداول فيها هذه الأيّام، فهي انّ اللبنانيين ينتظرون تعاوناً أكبر بين الأجهزة الأمنية المعنية بسلامة الوضع في لبنان، لا أن يكون ثمّة صراع "خفيّ" بين الأجهزة، بحيث يقوم أحدُها بـ"تفخيت" أي إنجاز يحقّقه جهاز آخر.
تقرير براميرتس
ما أهميّة ما تقدّم ذكرُه بالعلاقة مع الوضع السياسي العام؟
أمس، قدّم رئيس لجنة التحقيق الدوليّة القاضي سيرج براميرتس تقريره الى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. ويعرضُ هذا التقرير للتقدّم في التحقيقات. وأهميته انه ومن دون أن يقول انّه لن يقدّم قراراً إتهامياً واضحاً إلا مع تشكيل المحكمة الدوليّة، يُفترض أن يشكل حثاً على قيامها.
الحدود اللبنانية ـ السوريّة في الـ1701
لكن في غضون ساعات، يقدّم بان كي مون تقريَره حولَ كيفية تطبيق القرار 1701. وكما صار متداولاً ومعروفاً، فإنّ ثمّة تركيزاً دولياً على الحدود اللبنانية ـ السوريّة وعلى تحقيق مراقبةٍ دولية لهذه الحدود. واكتساب الحدود اللبنانية ـ السوريّة للأولويّة من بين سائر بنود القرار 1701، يعني انّ المجتمع الدوليّ يربط الى حدّ كبير بينَ تنفيذ القرار وبينَ وقف تهريب السلاح عبرَ هذه الحدود، ومن ضمنه السلاح الذي يُراد استخدامه ضدّ قوّات "اليونيفيل" في الجنوب.
وإذا كانَ ممّا لا شكّ فيه انّ معركة لبنان ضدّ الارهاب والشبكات الإرهابيّة، وهي معركةٌ ضدّ تخريب النظام السوريّ، قد دخلت بإلقاء القبض على "شبكة عين علق" منعطفاً بارزاً، فمما لا شكّ فيه أيضاً أنّ الوجه الأبرز لهذه المعركة هو انّها معركةُ تحقيق سلامة الحدود اللبنانية ـ السورية. وبكلام آخر فإنّ المعركة اللبنانية ضدّ الارهاب هي جانب أساسيّ في قلب معركة الحدود. ولا مبالغة في القول انّ ثمّة ثلاثة "أقانيم" متوازية: المحكمة الدوليّة، الحدود اللبنانيّة ـ السوريّة والقرار 1701، والحرب على الإرهاب وشبكاته.
لا يمكنُ القول انّ ثمّة تنافساً بين المحكمة الدوليّة والقرار 1701 في ما يتعلق بالحدود، وإن كان أحد الأمرَين يتقدّم على الثاني في بعض المراحل. بيد ان ما يجب التشديد عليه، هو انّ المواضيع تتكامل، وهي الآن تحاصر النظام السوري من جميع الجهات.
نظام الأسد ومجموعة "فرص أخيرة"
إذاً، فيما يحاول نظام الأسد التملّص، تكمن أهمية الإنجاز الأمني اللبناني المتحقق أول من أمس في انّه يسلّط الضوء على أمرين دفعة واحدة: المحكمة الدولية من ناحية والحدود اللبنانية ـ السورية من ناحية ثانية، وذلك على مسافة أسبوعين فقط من قمّة الرياض.
يحاول نظام الأسد التملّص، لكنه أمام مجموعة "فرص أخيرة" أُبلغ بها في الأيام القليلة الماضية: "فرصة أخيرة" أولى أبلغه بها الرئيس المصري حسني مبارك بشأن المحكمة الدولية وبشأن "الإمتثال" لقواعد "النظام العربي"، و"فرصة أخيرة" ثانية أبلغه بها خافيير سولانا حول المحكمة ووقف تهريب الأسلحة والإرهاب إلى لبنان، و"فرصة أخيرة" ثالثة سيتبلّغها في الساعات المقبلة عبر موقف لمجلس الأمن من أمن الحدود مع لبنان، و"فرصة أخيرة" رابعة يمثّلها القبض على إحدى شبكاته كي يوقف مسلسل القتل في لبنان.
وبكلام آخر، ان الإنجاز الأمني أول من أمس كبير لبنانياً، لكنّه "نقطة في بحر" ما "يجب" أن ينتظره النظام السوري. أما في الداخل، فإن على قوى ما يسمّى "المعارضة" أن تتّعظ وتعقل وتتوكّل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.