8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"خارطةُ الطريق": ضرورة التسوية "السياسيّة" الشاملة ومرجعيّة الطائف

مِن الواضح تماماً انّ الوسط السياسيّ في لبنان انتقل خلال الأيّام القليلة الماضية من "التفاؤل" بإمكان التوصّل في وقت قريب الى حلّ ما للأزمة اللبنانيّة الى لونٍ من "الواقعيّة" في التعاطي مع هذه الأزمة.
وإذا كانت المفارقة تكمن في التزامن بينَ انحسار التفاؤل والحوار الدائر بين رئيس مجلس النواب رئيس حركة "أمل" نبيه برّي ورئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري، فإنّ لـ"الواقعيّة" التي تسود الآن أسباباً عدة إقليمية ومحلية. وعندما يُحكى عن "واقعيّة"، فإنّ المقصود هنا "مزيجٌ" من الايجابيات وعكسُها في آن.
الايجابيّات "واقعياً"
في "الايجابيات"، يجب تسجيل انّ استئناف "التواصل" بين برّي والحريري بعد طول انقطاع وقطيعة هو أمرٌ "جيّد" في حدّ ذاته، لأنّه "يهدّئ" الشارع ولو لفترة من الزمن ويسمح بالتقاط بعض الأنفاس. كذلك فإن ما يصدر رسمياً عن لقاء الرجلين يشير الى جديّة في البحث، والى عدم تبسيط قي مقاربة الأزمة وعناوينها. وفي التصريحات الصحفية التي يُدلي بها الرئيس برّي، ثمّة حرصٌ على إشاعة أجواء مِن "الموضوعيّة" يُفهم منها انّ الجانبين يتبادلان المواقف والأفكار كمحطّة نحو "التحديد" والبحث في المخارج. وفي الايجابيّات أيضاً، انّ لقاء برّي ـ الحريري يتمّ بمواكبة عربيّة "عامّة" وسعوديّة خاصة وبـ"متابعة" وديّة من المجتمع الدوليّ.
مصطلح برّي عن "خارطة الطريق"
بيدَ انّ هذا التعيين لـ"الايجابيات" يوضح كم انّ الخطوات المطلوب قطعها للوصول الى "التسوية" لا تزال كبيرة.
فقبلَ اللقاء الثالث بينه وبينَ الحريري أمس، قالَ الرئيس برّي ومعاونوه انّه أمكن التوصّل الى "اتفاق" على تحديد نقاط "الخلاف". وزادَ برّي في أحد تصريحاته انّ البحث بات يقتضي صوغ "خارطة طريق".
ولما كان مصطلح "خارطة طريق" يُغري بالنقاش، وهو مصطلح ليس جديداً في عالم السياسة "المعاصرة"، فإنّ لدى الكثير من المراقبين أسئلةً رئيسيّة في هذا المجال: هل يعني الرئيس برّي في كلامه عن "الخارطة" انّ المقصود صوغ الأولويات أو الأجندة الزمنيّة للعناوين المتداولة أي المحكمة والحكومة والرئاسة والانتخابات النيابية؟. هل يمكن للنقاش في "الخارطة" أن يكون بلا مرجعية ميثاقية ودستوريّة؟. وهل يمكنُ بالفعل إعتبار ان "الداخل" اللبناني باتَ قادراً على إنتاج حلوله بمعزل عن التداخلات الخارجية؟.
خطاب نصر الله: مثال نموذجيّ
عن عمق الخلاف السياسي
ثمّة أسئلة كثيرة يحرّكها مجرّد طرح برّي مصطلح "خارطة الطريق". غيرَ أنّ في الوسط السياسي مَن يدعّم الأسئلة الآنفة بـ"مثال" يعتبره "نموذجياً" في معرضِ مقاربة موضوعة "خارطة الطريق".
وهذا "المثال النموذجي" هو الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله. ذلك انّه وبصرف النظر عن "النبرة" في هذه الفقرة أو تلك الخطاب، فإنّ نصرالله يطرحُ سياقاً سياسياً متكاملاً لا يمكن المرور عليه، خاصة في لحظة البحث عن "تسوية" أحد عناوينها الرئيسية هو تشكيل حكومة "مشتركة"، أي أنّ نصرالله يقدّم قراءةً للوضع اللبناني في سياق سياسيّ اقليميّ، لا يمكن اعتبار انه مسلّم بها وهي "حمّالة أوجه" في أحسن الأحوال.
فهل يمكن تبنّي ما قاله نصرالله عن أنّ الصراع في لبنان هو بين "مشروع أميركي"، تندرج الأكثرية في إطاره وبين "مشروع تحرّري" يندرج فيه تحالف 8 آذار؟. وهل يمكن ­ استتباعاً ­ تبنّي "نظريّة" نصرالله حول قرار الحرب والسلم في لبنان حينَ رأى انّ فريق 14 آذار هو الذي انفرد بقرار الحرب في 12 تموز الماضي!؟. وهل يمكن تالياً تبنّى تجاهله للقرار 1701؟ وللمحكمة الدولية؟. وهل يمكن اعتبار قراءته لـ"إنتصار" المحور الايراني ­ السوريّ اقليمياً في مقابل "هزيمة" الولايات المتحدة، صحيحة من ناحية أو هي تأكيدٌ لتوجّه نحو إلحاق لبنان بهذا المحور من ناحية أخرى؟. والأهّم هل تؤشّر هذه القراءة الى قابليّة التوصّل مع الفريق الآخر الى تفاهم بشأن تحييد لبنان عن صراع المحاور الاقليمية؟.
لا فكاك بين "الخارطة" والأساس السياسي
انطلاقاً من هذا "المثال النموذجيّ" الذي يؤشّر الى عمق الخلاف السياسيّ، يتبيّن بوضوح ان لا فكاكَ بين "خارطة الطريق" وبينَ "أساسها" السياسيّ. والتشديدُ على "السياسة" هنا، هوَ من باب التأكيد على "فكرة" أطلقها زعيم "تيار المستقبل" منذ فترة تقولُ بـ"التسوية الشاملة المتكاملة". والحال انّه بدو المضمون السياسيّ الواضح، تغدو أيّ تسوية أمراً ظرفياً جداً وسرعان ما تتآكل.
"لا غالب ولا مغلوب" في مرآة الطائف
كذلك، وفي اطار النقاش في مصطلح "خارطة الطريق"، لا بدّ من التوقّف عند "الشعار اللبناني" التاريخيّ أي شعار "لا غالب ولا مغلوب". وغنيّ عن القول ان هذا "الشعار" يعبّر تعبيراً دقيقاً عن "الصيغة اللبنانية". و"لا غالب ولا مغلوب" يعني أن لا مجال في لبنان لانتصار طائفة على أخرى أو لهيمنة طائفة على أخرى. وبهذا المعنى، فإنّ اتفاق الطائف هو الترجمة "التاريخية" الدقيقة لهذا "الشعار".
وعلى هذا الأساس، فإنّ مرجعية أيّ "خارطة طريق" هي اتفاق الطائف. وفي هذا الاتفاق، يمكن ألا ينتصر خط سياسيّ معيّن من دون أن يعني ذلك هزيمة لطائفة يمثلها حزب معيّن. وفي هذا الاتفاق أصلاً أن لا سبيل الى انتصار فريق سياسيّ مهما كانَ تمثليه لشريحة طائفية معيّنة اذا كانَ الالتزام جاداً من قِبل الجميع بمبدأ "التسوية" التي تحدّد ما يحتمله البلد وما لا يحتمله في مرحلة من المراحل، وإذا كانَ الالتزام جاداً من جانب الجميع بـ"مشروع الدولة".
واستطراداً، فإنّ الالتزام الفعليّ بشعار "لا غالب ولا مغلوب" أي باتفاق الطائف، يجعل الحديث عن ثلث معطّل في الحكومة خارج السياق. وواقع الأمر انّ الثلث المعطّل يعني وجود غالب ومغلوب. ذلك انّ عدم تمكّن الأكثرية من اتخاذ القرار في مقابل تمكّن الأقليّة من تعطيل القرار، أمر يعني أنّ ثمة غلبةً. والحال انّ الطائف يحدّد كيفية اتخاذ القرار ولا ينظم كيفية تعطيله. وإذا كان ثمّة مَن يرصد تجارب "حكومات الوحدة الوطنية" حيثما حصلت، فإن هذه الحكومات قامت على أساس اتفاق على برامجها السياسية من ناحية وعلى أساس بقاء الأكثريّة أكثريّة والأقلّية أقلّية من ناحية أخرى.
هل من مجال لـ"تسوية" موقّتة وماذا تعني؟
إذاً، من أجل تعميق مفهوم "خارطة الطريق"، لا مفرّ من القول انّ "خارطة طريق" لتسوية "متكاملة وشاملة"، لا بدّ أن "تنطلق" مِن أنّ ثمّة خلافاً سياسياً ­ وطنياً عميقاً لـ"تصل" الى تسوية سياسيّة، ولا بدّ أن "تنطلق" من الطائف لـ"تعود" اليه. ولا يمكنُ في أيّ حال من الأحوال فصلُ المسائل عن بعضها البعض لأن من شأن الفصل أن يعمّق الأزمة وأن يفجّرها في أيّ وقت من الأوقات.
على خلفيّة ما تقدّم، يمكن فهم انحسار "التفاؤل" وحلول "الواقعية" مكانَه، أو بالأحرى حلول "الواقعية" مكان "التوقعات المرتفعة".
طبعاً لو لم يكن تحالف ما يسمّى "المعارضة" يطالب بالثلث المعطّل في الحكومة في موازاة استبعاده البحث في مضمون البيان الوزاري للحكومة "الجديدة" بعدَ كل التطورات التي طرأت منذ البيان الوزاريّ "السابق"، لأمكنَ الحديث عن "تسوية ظرفيّة" أو عن "ترقيعة" موقتة تمدّد عمر الأزمة الساسية أو تؤخر المزيد من تفجرها، وعندئذ لا مبرّر لأن يطرح فريق ما يسمّى "المعارضة" الثلث المعطّل، ولا مبرّر لأن يدخل فريق الأكثرية في هذا البحث أصلاً.
كذلك، انّ ما تقدّم ذكرُه يهدفُ الى البرهنة ليس فقط على استحالة عزل التسوية عن مضامينها، بل يهدف أيضاً الى تسليط الضوء على نقطة جوهرية هي انّه اذا كانَ صحيحاً بالفعل انّ تحديد مفهوم "خارطة الطريق" على النحو المشروح آنفاً يعني نسبةً من "إطالة" أمد البحث الدائر حالياً والذي بدأ في لقاءات برّي والحريري، فإنّ الصحيح أيضاً هو انّ ثمّة إمكانية لـ"تحييد" موضوع المحكمة الدولية عن سائر المواضيع الأخرى، لأنه وحده الموضوع القابل ­ منطقياً ونظرياً ­ للتحييد. وبكلام آخر، انّ وضع المحكمة الدولية "فوق" التسوية ممكن حتى لو كانت "المعارضة" تريدُ تقديم ملاحظات عليها، لكن هذا لن يحصل بطبيعة الحال.
هكذا، اذاً، يتّضح لماذا يُخلي "التفاؤل" مكانه لـ"الواقعيّة"، وذلك بالعلاقة مع المعطيات المحلية.
"شهرٌ إقليميّ" بعد مؤتمر بغداد
غير انّ ثمّة أسباباً إقليميّة لا مفرّ من أخذها في الاعتبار.
قبلَ يومَين انعقد في بغداد المؤتمر الدولي ­ الاقليمي بشأن العراق. وبعيداً مِن كيفيّة التعاطي السوريّ والايرانيّ "العلني" مع هذا المؤتمر ونتائجه، فإنّ المعطيات السياسية والديبلوماسية المتوافرة تفيدُ انّ هذا المؤتمر كان اختباراً لنوايا النظامَين في دمشق وطهران حيال المسألة العراقيّة، وانّ اللافت في النتائج هو انّ النظامَين أُعطيا فترة شهر كي يقرنا النوايا بالأفعال.
وبهذا المعنى، فإنّ المؤتمر المقبل في اسطنبول، سيكون بمثابة "إمتحان" لهما، أي إمتحان لـ"التعهدات" التي التزما بها في العاصمة العراقية. ولتحديد الفترة بشهر واحد علاقة أيضاً بما سيكون عليه موقف ايران في الموضوع النووي، وما ستنتهي اليه القمّة العربية في الرياض في 28 و29 آذار الجاري.
واليوم، يزور المنسّق الأعلى للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا دمشق لإبلاغ النظام السوريّ رسالة أوروبية واضحة بأنّ ثمّة تغييراً مطلوباً منه في سياسته في لبنان، أي انّ الرسالة تتضمن "دفتر شروط" الاتحاد الأوروبي. وبكلام آخر، لا تحمل زيارة سولانا الى العاصمة السورية أيّ معنى "تفاوضيّ".
واليوم أيضاً يزور نائب رئيس النظام السوري فاروق الشرع القاهرة للاطلاع على دفتر الشروط العربية وللإبلاغ من جانبه عن كيفية تنفيذه لهذه الشروط، تمهيداً للقمّة.
إستحقاق قمّة الرياض: نظام ينضمّ أم ينفصل؟
وبعدَ نحو أسبوعَين تنعقد قمّة الرياض التي تريدها المملكة العربيّة السعوديّة مناسبةً لإعادة إطلاق "النظام العربيّ". وفي هذه القمّة ينوجدُ النظام السوريّ بينَ حدَّي الخضوع لقواعد سلوك "النظام العربيّ" ومصالحه وحساباته من ناحية أو الخروج عن "النظام العربيّ" وعليه من ناحية ثانية. ولكلّ من الحدّين نتائجه وانعكاساته.
خلال شهر إذاً، أو ما يقاربُ الشهر، ثمّة مرحلة إقليمية "إنتقالية" بكلّ معنى الكلمة، ومِن غير الممكن "الآن" أي في هذه الأيّام تقدير ما سيسفرُ عنه المخاض الاقليميّ. فإيران بين حدَّي التسوية والمواجهة مع المجتمع الدوليّ، والنظام السوريّ بين حدَّي الانضمام الى "النظام العربيّ" والانفصال عنه. وفي مثل هذه الحالة، يكون الحوار الجاريّ حالياً في لبنان متزامنا مع مخاض إقليمي.
طبعاً ربّ قائل انّ الحوار اللبناني يمكن أن يشكّل مؤشراً إقليمياً، وهذا صحيح. لكنّ الصحيح أيضاً هو أنّ ما يصدر من مواقف، كما مواقف "حزب الله" نموذجاً، لا يؤشّر الى نهاية مطاف حتّى الآن.
ولذلك، بينَ المعطيات المحلية من جهة والمعطيات الاقليمية من جهة أخرى، يبدو انّ الأزمة اللبنانية مرشحة في الحد الأدنى للمراوحة أي "الستاتيكو" الى أن تنجليَ الصورة الاقليمية. فشهرُ الامتحان المعطى لدمشق وطهران، هوَ نفسه الوقت الذي يبدو أن لا بدّ من انتظاره لمعرفة "اتجاه الريح"، ولمعرفة ما إذا كانَ هذا الشهر "الحدّ الأدنى" أو "الحدّ الأقصى".
ومع ذلك، فلتكن الأجواء "تفاؤليّة" كما يؤكد سعد الحريري.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00