قبل بضعة أيّام، وكما صار معروفاً، تلقّى رئيس النظام السوري بشّار الأسد من الرئيس المصري حسني مبارك نصيحتين. الأولى إنك يا بشّار لا تستطيع الذهاب إلى القمّة العربية المقبلة في الرياض بدون أن تكون قد اعتذرت من الملك عبدالله بن عبد العزيز عن هجومك عليه وعلى القادة العرب في خطابك في 15 آب الماضي، كي تستطيع المشاركة في هذه القمة بشكل "طبيعي". والثانية، بما أنّك تقول أن لا علاقة لنظامك بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فسِر بالمحكمة الدولية بأقلّ الخسائر لأن هذه المحكمة ستقرّ في نهاية المطاف.
الاعتذار من المملكة وعدمه: مشكلة لنظام الأسد
على ما يبدو إستمع الأسد إلى النصيحتين جيداً. لكنّه لم يعتذر ـ حتى الآن ـ من القيادة السعودية، لا بل أقدم على إلغاء الاحتفال بالذكرى السنوية لتسلّم "البعث" السلطة في سوريا قبل أربعة عقود كي لا يقول أي كلمة في هذا الموضوع. أما في موضوع المحكمة الدولية، فبعد أن وافق وزير خارجيته وليد المعلّم على الموقف الصادر عن مجلس وزراء جامعة الدول العربية في هذا الخصوص، عاد إلى نسف موافقته بالحديث عن وضع المحكمة تحت القانون السوري.
مشكلة الأسد "عويصة" جداً هنا. فهو لا يتحمّل أن يقوم بالاعتذار، لأن الاعتذار يطرح مسألة "هيبة" النظام ووجوده. وفي الوقت نفسه إن هذا الاعتذار الذي سيكون مطلوباً منه أن يقرنه بـ"سلوك" جديد، هو بمثابة جواز مرور إلى "النظام العربي" قيد إعادة التشكّل.
.. والمحكمة الدولية أيضاً
كذلك لا يتحمّل قيام المحكمة الدولية، الذي يُدخل النظام السوري في مرحلة "أخيرة". وأكثر من ذلك، يمكن القول إن نظام الأسد حتّى لو تيقّن أن المحكمة ذاهبة إلى الفصل السابع، فهو لن يسمح بـ"تمريرها" تحت الفصل السادس في المجلس النيابي اللبناني، لأنه يسعى دائماً إلى كسب الوقت ويراهن على متغيّرات إقليمية ودولية في الفترة التي تفصل بين إقرار المحكمة تحت الفصل السابع وبين تشكيلها.
من الواضح إذاً أن نظام الأسد هو الآن على مفترق مصيري. وأيٌّ من الاتجاهين يسلكُه خضوعاً لشروط النظامين العربي والدولي أو مكابرةً حيال هذه الشروط، يطرح مصير هذا النظام على بساط البحث.
المناورة بين مؤتمر العراق والكنيست
في هذه الأثناء، "إهتدى" الأسد إلى "طريقة" تقليدية. الجانب الأول من هذه الطريقة هو محاولة "بيع" خدمات في المسألة العراقية، وهذا ما تفسّره "الإشارة" التي أعطاها حول استعداده لدعم الخطة الأميركية ـ العراقية في العراق. أما الجانب الثاني فهو الإمعان في التودّد إلى إسرائيل وإبداء الاستعداد للتفاوض معها والوصول إلى "تسوية"، وهذا ما يعنيه عملياً الإعلان عن ذهاب السوري ـ الأميركي ابراهيم سليمان إلى الكنيست، وهو شقيق رئيس شعبة الاستخبارات الداخلية السورية سابقاً اللواء بهجت سليمان.
يأمل نظام الأسد من الاعتماد على تلك "الطريقة التقليدية" أن يحمي نفسه، وأن يكسب مزيداً من الوقت في الحدّ الأدنى. بيد أن "الورطة" التي يجدُ نفسه فيها تكمنُ في أنّه كيفما اتّجه "يعاني" مشكلة "شرعيّة"، وهو الباحث دائماً عن "شرعيّة" مفقودة.
في مثلِ هذه الأجواء، ولمّا كانت الأزمة اللبنانية على تقاطع مع الوضع الإقليمي، لا يمكن القول إن التوصّل إلى تسوية لهذه الأزمة متيسّر في أفق قريب.
ذلك أنه عندما يكون نظام الأسد في سوريا ساعياً إلى محاولة إنقاذ نفسه، ومحاولاً كسب الوقت، وعندما تكون إيران ـ كما يتبدّى حتّى الآن ـ ساعيةً إلى تحسين ظروف المواجهة بينها وبين الولايات المتحدة، ومن ضمن تحسين الظروف تحسين العلاقات الإيرانية ـ العربية والعلاقات الشيعية ـ السنّية وإبداء "نسبة" من المرونة حيال أزمات المنطقة.. وعندما يكون رهان الأسد قائماً بين حدّي شراء تسوية معيّنة مع أميركا أو الاندراج في المواجهة الإيرانية ـ الأميركية، يكون أفق الحلّ في لبنان لا يزال بعيداً وإن تخلّلته بعض "الاستراحات".
خطاب نصرالله مقولة "الفشل الأميركي"
في هذا الإطار، لا بدّ من قراءة "بنيويّة" لخطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله مساء أول من أمس.
فبالرغم من "الانطباع" بهدوء اللغة والنبرة، يمكنُ القول إنّ خطاب نصرالله كان خطاباً إقليمياً بامتياز "عرّج" خلاله على الوضع اللبناني، أي أنّ المسألة اللبنانية كانت بمثابة "ملحق" بـ"الأساس" الإقليمي.
كرّر نصرالله مقولة فشل المشروع الأميركي في المنطقة. إستخدم معطياتٍ وأحداثاً للبرهنة عن إستنتاجه. بيد أنّ "الجديد النسبي" في معرض حديثه عن إنتصار "المشروع الآخر" الذي سمّاه "المشروع التحرّري"، كان كلامُه عن التحوّل الأميركي ـ كجزء من الفشل ـ باتجاه سوريّا وإيران، وقد احتسبه في إطار "إنتصار" المشروع المواجه لأميركا.
قد لا يكون مستبعداً أن السيّد نصرالله يحاول "طمأنة" النظام السوري الذاهب إلى مؤتمر بغداد لدول جوار العراق، إلى أنه ـ أي النظام السوري ـ في وضع "استراتيجي" أفضل، ممّا لا يتطلّب "شلح" الورقة العراقيّة. غير أنّه ليس خافياً أن في خطابه رهاناً، في ظلّ مقولة الفشل الأميركي، على متغيّرات إقليمية.
هزيمة إسرائيل.. واستخدام نصرالله
لاعترافات أولمرت
يتعزّز الاعتقاد بوجود هذا الرهان، من خلالِ تكرار الحديث عن هزيمة إسرائيل في حرب تموز، وعن دخولها للمرّة الأولى في تاريخها في "أزمة وجوديّة" بحسب اعتقاده.
طبعاً من المفيد هنا التوقف عند طريقة استخدام نصرالله لـ"إعترافات" ايهود أولمرت أمام لجنة التحقيق الإسرائيلية. فقد قال أولمرت في إعترافاته إنه اتّخذ في آذار من العام 2006 قراراً بالحرب على لبنان والحزب "إذا جرت عملية أسر جنود". لكنّ نصرالله "أخذ" الاعتراف بالإعداد الإسرائيلي لحرب ولم يتوقّف عند الـ"إذا". هذا مع العلم أنّ الأمين العام لحزب الله كان أُبلغ قبل عملية أسر الجنديين بأن أي ذريعة من هذا النوع ستستخدمها إسرائيل لشنّ عدوان "مجنون" على لبنان.
و"الأطرف" أنّ السيّد ليس فقط لا يكتفي بالقول إنّ "حزب الله" لم يبادر إلى الحرب لأن عملية الأسر ليست حرباً، بالرغم من ظروفها، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ليقول إنه إذا كان ثمّة قرار بالحرب، فالذي اتّخذه هو فريق الأكثرية بالتواطؤ مع أميركا وإسرائيل، لينفي بذلك إتهام 14 آذار للحزب بالانفراد في قرار الحرب والسلم.
على أنه، وفي ما يتجاوز هذا "الاستطراد"، لا بدّ من القول إنّ مقاربة نصرالله لـ"هزيمة" إسرائيل تنطوي هنا أيضاً على رهان بإمكان تغيّر الأوضاع، خصوصاً عندما يؤكّد السيّد أنّ أيّ مواجهة أميركية لإيران سوف "تكلّل" بفشل ذريع، لكأنه يستبطن القول إنّ المواجهة الأميركية لإيران ستعني حرباً إقليمية مفتوحة.
"الانتصار" إقليمياً يعني "الانتصار" لبنانياً!
على خلفيّة ما تقدّم، ليس خافياً أن حرص نصرالله على البُنية الإقليمية لخطابه أول من أمس، يهدف إلى إعطاء "صورة" للواقع الإقليمي، فيها أن المحور الإيراني ـ السوريّ متقدّم و"منتصر".
وهو عندما ينتقل إلى الوضع اللبناني ويربطه بالوضع الإقليمي، يلفتُ في خطابه إلى أنّ الصراع في لبنان هو نفسه الدائر في المنطقة، أي بين مشروعين أميركي و"تحرّري". ولذلك، فإنّه عندما يتحدّث عن "فرصة" قائمة لتسوية الأزمة اللبنانية، لا يُخفي نصرالله أنّ ما يقصُده بـ"فرصة" هو بالضبط توازن قوى إقليمي ومحلي لصالح فريقه. لكأنه يقول: إنّ التوازن الإقليمي ـ المحليّ في مصلحتنا فسارعي أيتها الأكثرية إلى الانضمام إلينا.. سارعي إلى التسليم بشروطنا بلا مشاكل!. ويتبدّى الأمر أكثر إذ يتناول نصرالله مقولة التسوية في لبنان، فتغيب المحكمة الدولية عنها لتحضر فقط معادلة الـ19+11 في الحكومة التي يعتبرها الأمين العام صيغة تسوويّة.
وبهذا المعنى، ولأن البُنية الإقليمية لخطابه واضحة تماماً، ولأنّه يدرجُ المسألة اللبنانية في سياق إقليمي يُسجل في إطاره إنتصارات لما يسمّيه "المشروع التحرّري"، ولأنّه يعيد إستحضار لغة تخوين فريق 14 آذار، تارةً بتجديد اتهامه بالتواطؤ مع أميركا وإسرائيل، وتارةً أخرى بتحذيره من الرهان على الغرب وإسرائيل، يمكن استنتاج أن "اللهجة الهادئة" التي طبعت فقرات من خطاب نصرالله ما هي إلا لـ"تمرير" الرهانات التي لديه.
وعليه، يمكن القول أيضاً، إنّ الخطاب الذي يأتي في لحظة إستئناف "التواصل" في ضوء الاتصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة من جهة وعلى أبواب قمّة الرياض من جهة أخرى، إنّما يدخلُ في خانة "تخدير" الوضع موقتاً ومرحلياً، بما في ذلك إعطاء المجال للمشاورات القائمة بين الرئيس برّي ورئيس "المستقبل" سعد الحريري، لكن بهدف محدّد: التمسّك بالشروط نفسها من ناحية ودفع الأكثرية إلى توجيه "نداء استغاثة" كما يظنّ نصرالله من ناحية ثانية.
ليس خطاب اعتدال يفتح أفق التسوية "المتوازنة"
بكلام آخر، من الخطأ التعامل مع خطاب نصرالله أول من أمس بوصفه خطاب إعتدال. فهو ليس خطاباً "مرمّزاً" يحتاج إلى عناء لـ"تفكيك" رموزه. هو خطاب "واضح" في استبعاده "التسوية المتوازنة" في إطار قراءة إقليمية "إنتصارية".
بطبيعة الحال، لا يدلّ خطاب نصرالله على قراءة "دقيقة" أو "ناضجة" للمعطيات في لبنان وحوله. وليس صحيحاً أن الصراع في لبنان بين مشروع أميركي، وآخر "تحرّري"، لأنّ الصراع يدور بين فريق استقلالي سيادي لبناني وعربي وفريق يريد إلحاق لبنان بالمحور الإيراني ـ السوري.
وعلى أيّ حال، من الواضح أنّ خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" يؤشّر إلى أنّ إيران مهما بلغ صدقُها في السعي إلى تجنّب الفتنة الإسلامية ـ الإسلامية في لبنان والمنطقة، لا تزال "تحضن" نظام الأسد ولا تزال تشكّل له جسراً للحياة. ولذلك، فإنّ خطاب نصرالله يشكّل مرة أخرى غطاء لهذا النظام، مهما كان الخطابُ "ناعماً" في بعض فقراته.
فهل ثمّة ما هو أكثر من ذلك لعدم "التفاؤل"؟.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.