في جلسة حصلت الأسبوع الفائت واتسمت بـ"التنوع"، أوقف سياسي مسيحي ماروني النقاش برهة ليقول "ها هو وليد جنبلاط بين واشنطن ونيويورك يبحث عن موقع لبنان ومصيره في المنطقة ويسعى إلى تخليصه ضمن الظروف القائمة، وها هو سعد الحريري بين أوروبا والمملكة العربية السعودية يقوم بالمسعى نفسه لإنقاذ لبنان من أزمته، بينما المسيحيون لا يبدو أنّ لهم همّاً أكبر من تحسين وضعهم في سلك الإطفائية وبعض الأسلاك العسكرية".
قال السياسي المسيحي الماروني قوله هذا "ساخراً"، لكن حزنه لم يكن خافياً. و"فسّر" حزنه بأن المسيحيين يبدون مستنكفين إلى حدّ كبير عن المشاركة المؤثرة في المعركة الوطنية، معركة استكمال استقلال لبنان وسيادته وقراره الحرّ.
أحدثت "مداخلة" السياسي الماروني "صدمة" بين الحاضرين. جرى نقاش موسّع لـ"الإشكالية" المطروحة في محاولة لفهم أسبابها، وقيل كلام كثير في هذا الشأن بما في ذلك عن دور السياسيين مما يمكن العودة إليه لاحقاً.. إلى أن ذُكر ان "الجوّ" المسيحي أي "الناس" عموماً في البيئة المسيحية غير متحفزين حيال ما يجري في البلد، وانهم بشكل عام يعتبرون ان هناك "صراعاً" إسلامياً ـ إسلامياً يمكن أن يأخذ المسيحيين في طريقه في حالتي "المواجهة" و"التسوية"، وما على المسيحيين تالياً إلا "الاعتصام" بالاستنكاف ومحاولة "النفاذ" من هذا الصراع علّهم بذلك يحمون "وجودهم".
البيان الشهري والموقف من الصراع والفصل السابع
لم تنقضِ أيام قليلة على هذه الجلسة وعلى هذا النقاش، حتّى صدر أول من أمس البيان الشهري لمجلس المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك نصرالله بطرس صفير. وكان وقعه "ثقيلاً".
نُقطتان رئيسيتان في البيان الشهري استوقفتا معظم الوسط السياسي. الأولى ان مجلس المطارنة وزّع المسؤولية عن الأزمة في لبنان بالتساوي على فريقَي 14 آذار و8 آذار. والثانية انه اعتبر ان ذهاب المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الاخرى إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة من شأنه أن يوجه ضربة قاسية إلى لبنان.
مع الأسف لم يخطئ حدس السياسي الماروني. لكن ذلك ليس مهماً، أي ليس مهماً أن تصدق توقعات أحد، لأن المهم بالفعل هو مصلحة البلد.
"الأجواء" في بكركي
طبعاً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ في خلفيّة ما أعلنه مجلس المطارنة من مواقف "أجواء" وضعت الكنيسة فيها. فمنذ مدة يعيش البطريرك خوفاً حقيقياً من إنزلاق الوضع في لبنان إلى حرب أهلية "جديدة". ومنذ مدّة أيضاً تأتيه "أقوال" عن سباق تسلّح يجري في البلد ويشترك فيه "الجميع". ومنذ مدة أتته "تفسيرات" مغلوطة لمعنى أن تصدر المحكمة الدولية تحت الفصل السابع، فـ"أفيد" ان الفصل السابع يعني استخدام القوة وأنّ إستخدام القوة يعني مجيء جيوش مجوقلة إلى لبنان.
غنيّ عن القول ان "أجواء" من هذا النوع تُنقل إلى سيّد بكركي من شأنها أن تجعل تفكيره "حافلاً" بهواجس شتّى، يجب الاعتراف بأنها هواجس ومخاوف مشروعة.
بين "المخاوف المشروعة" و"الابتزاز السياسي"
غير ان واقع الأمر هو أن الإشارات التي ترد إلى البطريرك حول إحتمال الحرب الأهلية أو احتمال حرب مسيحية ـ مسيحية، هي إشارات تدخل في باب الابتزاز. وفي أي لحظة من اللحظات لم يكن خافياً ان وراء هذا الابتزاز هدفاً سياسياً، هو تحييد الكنيسة عن حركة 14 آذار فيما يستمر "مسيحيو النظام السوري" في تحالفهم الإنقلابي ضدّ استقلال لبنان. ولم يمضِ وقت طويل لينسى اللبنانيون ما يُسمّى "ميثاق الشرف" الذي طرحه "مسيحيو الإنقلاب" على الكنيسة ضاغطين بأن هذا "الميثاق" يمنع إنزلاق الوضع المسيحي إلى "حرب إلغاء" شبيهة بما جرى في العام 1989، وقد تبيّن فيما بعد ان هؤلاء هم من نسفوه لأسباب سياسية تماماً كما ضغطوا به لأسباب سياسية.
كذلك، فإن في ما يُنقل إلى البطريرك حول المحكمة الدولية ابتزازاً أيضاً. فليس فقط لا يعني الفصل السابع استقدام جيوش أجنبية إلى لبنان لـ"تنفيذ" المحكمة الدولية، لكن ثمة تعمية على حقيقة ان هناك من يمنع إقرار المحكمة بنظامها الأساسي الذي وقّع بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة تحت الفصل السادس. والحال ان حركة 14 آذار تطالب بإقرار المحكمة تحت هذا الفصل السادس، في حين ان الذين يمنعون ذلك هم الذين يدفعون باتجاه إقرارها تحت الفصل السابع. وبهذا المعنى، ليس الخيار بين أن تُقرّ تحت الفصل السادس أو تحت الفصل السابع، بل بين أن تقوم المحكمة أو لا تقوم. وعندئذٍ، أي في حال عدم إقرارها تحت الفصل السادس، وكي لا تُطاح، يصبح الفصل السابع بمثابة "أبغض الحلال".
الفصل السابع ونموذج صربيا
وعليه، إذا كان تحذير مجلس المطارنة من إقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع هو من أجل الضغط لإبرام الاتفاق اللبناني ـ الدولي في مجلس النواب، يكون الأمر مفهوماً. أما إذا كان يقف عند حدود التحذير "المطلق" فإنه سلبي لأن المحكمة متوقفة على أبواب الرئيس نبيه بري الذي بيده أن يدعو المجلس النيابي الى إقرارها كما هي الآن تحت الفصل السادس.
وأكثر من ذلك، يلفت سياسي بارز الى مقالة كتبتها المدعية العامة السابقة في المحكمة الدولية في جرائم صربيا، في جريدة "الموند" الفرنسية قبل أسابيع قليلة. وفي هذه المقالة، تشير المدعية العامة الى أن قيام المحكمة الدولية في حالتها كان مسبوقاً بتحذيرات من حرب أهلية في صربيا، والى أن اعتقال سلوبودان ميلوسوفتيش كان مسبوقاً أيضاً بتحذيرات من عنف يتبعه. لكنها توضح أن المحكمة قامت وميلوسوفييش اعتقل، ولم يحصل شيء مما جرى التحذير منه، لا بل تضيف ان المسألة برمتها شكلت ضمانة لهذا البلد.
"هذا" البطريرك
إنطلاقاً مما تقدم، من الواضح ان ثمة مخاوف مشروعة لدى البطريرك. لكن من الواضح أيضاً ان هذه المخاوف متأتية عن "أجواء" ابتزاز ومن الواضح كذلك ان ثمة سعياً من جانب البعض الى "إقفال" دور بكركي بما هو دورالمرجعية المسيحية واللبنانية في آن.
ذلك ان "هذا" البطريرك بالتحديد، كانت له المبادرة دائماً، لا بل كان اقتحامياً في مبادراته. فهو الذي شكل في مرحلة متقدمة "رأس حربة" المشروع الاستقلالي، وهو استمر على دعوته الى "إنجاز" الاستقلال الذي أكد مراراً أنه لم يصبح بعدُ معطى ناجزاً، وهو الذي طالب بالمحكمة ذات الطابع الدولي، وهو الذي دعا الى العودة الى المؤسسات الدستورية، وهو الذي طالب الرئيس بري بلعب دوره كرئيس لمجلس كل لبنان.
وعلى هذا الأساس "يجب" القول إنه يمكن "تفهم" الهواجس والمخاوف في خلفية البيان الشهري أول من أمس لكن لا يمكن الا المطالبة بالدور "الصارخ" في وضوحه، في لحظة يتقرر فيها مصير لبنان الكيان ولبنان الدولة والنظام. وبقدر ما تشدد حركة 14 آذار على الدور المرجعي للكنيسة في المعركة الوطنية، لا بد أن تكون الكنيسة على ثقة بـ"الشراكة" التي تمثلها هذه الحركة وبأنها لا تدافع عن "مناصب" ولن تَستدرج الحرب الأهلية أو تُستدرج اليها.
الحريري وجنبلاط.. والشراكة الفعلية مع بكركي
من هنا، وتأكيداً لحقيقة أن حركة 14 آذار تجسد "شراكة وطنية" حقيقية، يقتضي التذكير بعدد من المعطيات الرئيسية.
المعطى الرئيس الأول هو ان قادة "الجناح المسلم" من الحركة الاستقلالية يعتبرون البطريرك شريكاً "كاملاً" ليس لأن المسيحيين شركاء طبيعيون في الوطن فقط بل لأن ما تحقق من إنجازات ـ ولو غير مكتملة ـ انما كان نتاجاً للتلاقي الإسلامي ـ المسيحي على "لبنان أولاً" أي على نهائية الكيان اللبناني. ويعتبرون ان مسيحيي 14 آذار شركاء بالضبط لأنهم على خط بكركي.
والمعطى الرئيسي الثاني هو ان زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري لا يعتبر أن الصراع الدائر في لبنان صراع سني ـ شيعي، وان نهايته تكون بتسوية سنية ـ شيعية تالياً.
غني عن القول ان الخشية من فتنة سنية ـ شيعية شكّلت ـ ولا تزال ـ هاجساً لسعد الحريري ولكل قيادات 14 آذار. وهي خشية ناجمة عن وجود التمثيل السياسي للسنة في ضفة والتمثيل السياسي للشيعة في ضفة مقابلة. ووجود التمثيل السياسي للسنة في مكان والتمثيل السياسي للشيعة في مكان آخر، هو نفسه نتاج مخاض لم يكتمل فصولاً في البلد، أعطى ثمرة أساسية هي "الاندراج" الكامل للسنة في الكيان والدولة.
بيد أن سعد الحريري أكد على الدوام قولاً وممارسة ان "إطفاء" نار الفتنة السنية ـ الشيعية هو بهدف إعادة الاعتبار لكون الصراع الدائر سياسياً ـ وطنياً، وأكد أن لا تسويات طائفية "ثنائية"، كما ذكّر باستمرار بأن لا عودة الى "التحالف الرباعي". وموقفه هذا ينطلق من التزامه الأصيل باتفاق الطائف، وهو وريث شهيد الاستقلال والطائف الرئيس رفيق الحريري.
والمعطى الرئيسي الثالث، إضافة الى أن زعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط يعتبر ان البطريرك "أعطى" للاستقلال اللبناني الكثير ويدعو الى تفهم سيد بكركي في خضم ما تشهده الساحة المسيحية من "حساسيات"، هو أن "المفاوضات" الجارية في ظل المسعى السعودي والاتصالات السعودية ـ الايرانية، تدور من جانب 14 آذار أو المفاوضين باسمها تحت سقف الطائف والدستور من جهة وتحت سقف الشراكة الوطنية من جهة ثانية، ولن تكون فيها أي مساومة على حساب الشريك المسيحي بمرجعية البطريرك.
البيان الأخير "يوم" من "سنة"
إذاً، بالعودة الى ما قاله السياسي الماروني في "تلك" الجلسة، لا بد من التأكيد على ان توصيفه لـ"الواقع المسيحي" لا يمنع من القول ان موقف الكنيسة لا يُقرأ من بيان واحد، وان البيان الأخير أول من أمس بالرغم مما فيه من "التباسات" ليس نهاية المطاف، خصوصاً إذا جرى تبديد هواجس البطريرك ومخاوفه، وإن إقتنع هو بأن لا مكان لها "بعد الآن".
في جميع الأحوال، ثمة ما ينبغي التشديد عليه، وهو أنه لا يمكن لمعركة وطنية بحجم معركة "إستكمال" الاستقلال التي تتطلب مساهمة جميع الإستقلاليين فيها وبـ"حماسة"، أن تتقدم وتحقق أهدافها بدون تواصل دائم بين أركانها. لكن المطلوب من "مسيحيي 14 آذار" أيضاً أن يمارسوا دوراً تصويبياً للمسيرة عندما يظنون ان التباساً ما قد يبرز. والأهم أن يبقى البطريرك في صورة كل التطورات.
ان البيان الأخير لمجلس المطارنة بهذا المعنى مجرد "ورقة" في "روزنامة" كبيرة. انه "يوم" من "سنة"، ولا يمكن تصور غير ذلك.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.