8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

14 آذار لا تقايضُ المحكمة بالسلطة ولا تقبلُ صيغة 19 +11.. ونصيحة الى برّي وحلفائه أن كفّوا عن "التشاطر"

إلى جانب الاتصالات الدائرة حالياً تحت عنوان البحث عن المخرج الملائم للأزمة اللبنانيّة، ثمّة ما يجب تسليط الضوء عليه بداية، ويتعلّق بموضوع المحكمة الدوليّة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الاخرى.
وفي هذا المجال، تؤكد المعطيات السياسيّة والديبلوماسيّة المتوافرة انّ المجتمع الدولي متمسّك بقيام المحكمة الدوليّة، لا بل يعتبر قيامها شأناً دولياً قبل أن يكون اهتماماً لبنانياً.
الفصل السابع.. وبراميرتس
فالأمم المتحدة تعتبر انّ عدداً من القرارات الدوليّة جرى إتخاذه في هذا الموضوع، من تشكيل لجنة تقصّي الحقائق إلى تشكيل لجنة التحقيق الدوليّة إلى التوقيع مع لبنان على اتفاقيّة المحكمة، وبناء عليه لا يمكن للمنظمة الدوليّة أن تتراجع عن قراراتها ومواقفها لأنها مسؤولة عن حماية العدالة والأمن في العالم. وتؤكد الأمم المتحدة أيضاً انه يعود إليها، ما لم يتم إبرام الاتفاق الموقّع أخيراً بينها وبين الحكومة اللبنانيّة في المجلس النيابي اللبناني، أن تقرّ إنشاءها تحت الفصل السابع من الميثاق بموافقة لبنان أو بدون موافقته.
وفي المعطيات المتوافرة أيضاً انّ رئيس لجنة التحقيق الدوليّة القاضي البلجيكي سيرج براميرتس أكّد أكثر من مرة أنه لن يقدّم تقريراً اتهامياً في جريمة اغتيال الرئيس الحريري والجرائم الأخرى إلى مجلس الأمن، بل إلى محكمة دوليّة فيها مدّع عام، وإلا فإنه ينهي مهمّته ويعود إلى بلاده، أي ينهي التحقيق ويذهب إلى البيت. وحجّته في ذلك، أنه لا يستطيع تقديم تقرير الاتهام وحيثيّاته إلى خمس عشرة دولة في مجلس الأمن، وأنه معني بحماية الشهود، الأمر الذي يجب توفيره جنباً إلى جنب مع قيام المحكمة الدوليّة.
كذلك في المعطيات المتوافرة، انّ الفرصة المعطاة للبنان كي يبرم مجلسه النيابي الاتفاق الموقّع مع الأمم المتحدة، ليست فرصة مفتوحة زمنياً. وتميل المصادر الديبلوماسيّة المتابعة إلى الظنّ انّ الفرصة لن تتجاوز آذار الجاري، بما في ذلك موعد القمّة العربيّة في الرياض في الثامن والعشرين منه، وإلا فإنّ المنظمة الدوليّة متوجّهة حتماً بعد هذا الموعد إلى الفصل السابع، وذلك وسط تقاطع بين الدول الدائمة العضويّة في مجلس الأمن على السير بالمحكمة الدوليّة إلى النهاية.
لماذا لا تُخرج 14 آذار المحكمة من التفاوض؟
في ضوء ما تقدّم، وبالعودة إلى الاتصالات الجارية حالياً تحت عنوان المخرَج من الأزمة اللبنانيّة، ثمّة سؤال مطروح في العديد من الأوساط السياسيّة هو الآتي: بما ان إنشاء المحكمة الدوليّة تحت الفصل السابع مؤكّد في حال استمرار تعطيل النظام السوري وحلفائه وأتباعه لإقرار المحكمة لبنانياً، هل من مبرّر لأن تبقى المحكمة بنداً تفاوضياً؟
في الجواب عن هذا السؤال، من المهمّ التذكير مجدّداً بـ"ثوابت" تتعاطى حركة 14 آذار معها في هذا المجال.
فحركة 14 آذار بكل قواها وفاعليّاتها، تكرّر منذ فترة طويلة انّ إقرار المحكمة الدوليّة داخل الأطر الدستوريّة اللبنانيّة، أي في المجلس النيابي، هو "المدخل" أو "المعبر" إلى التسوية ببنودها المختلفة. لكنها في الوقت نفسه تؤكّد أن لا "مقايضة" بين المحكمة وأي أمر آخر. وحتى عندما تتحدّث حركة 14 آذار عن "التلازم" أو "التزامن" بين إقرار المحكمة من ناحية وقيام ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" من ناحية ثانية، فإنها لا تقوم بـ"مقايضة" من أي نوع.
وبكلام آخر، فإنّ حرص 14 آذار على أن يتمّ إبرام المحكمة الدوليّة في المجلس النيابي، يعكسُ من جهة حرصها على ألاّ يكون ثمّة "تدويل" إضافي في لبنان، ومن جهة ثانية حرصها على أن "تربح" للفريق الآخر "جميلاً"، أي أن "تساعده" على إظهار حسن نيّته بما يمهّد للتسوية.
وإذْ تُصرّ حركة 14 آذار على إقرار المحكمة لبنانياً، فهي ليس فقط تحاول "إمتحان" مدى احترام الفريق المسمّى "معارضة" للوحدة الوطنية اللبنانيّة بما انّ المحكمة تعني بالنسبة إلى شطر واسع من اللبنانيين حصانة للوحدة الوطنيّة، بل هي لا تمانع في أن يكون إصرارها هذا عاملاً رئيسيّاً من عوامل "فضح" الفريق الآخر، أي فضح زيف إدعاءاته بالموافقة "المبدئيّة" على المحكمة في وقت تثبت الوقائع انّ هذا الفريق طالب أكثر من مرّة بما في ذلك عبر القناة الإيرانية في الاتصالات بين طهران والرياض بتأجيل المحكمة إلى ما بعد انتهاء التحقيق، وانه ـ أي الفريق نفسه ـ لا يزال "يبيع سمكاً في البحر" في حديثه عن "ملاحظات" حول نظام المحكمة، و"يتشاطر" في قوله: أعطونا حكومة بثلث معطّل ثم نعطيكم ملاحظاتنا!.
وبكلام أكثر صراحة وأشد وضوحاً، يجب أن يُقال الآتي: لأنّ حركة 14 آذار رفضت "المقايضة" بينَ المحكمة والحكومة، ولأنها اعتبرت منذ البداية انّ إقرار المحكمة هو "مدخل" أو "معبر" الى التسوية، فإنها لم توافق وهي لا توافق على معادلة "أخذ" المحكمة لبنانياً (هذا إنْ "أخذت" بالفعل) في مقابل "اعطاء" الحكومة، بالضبط لأن إعطاء الثلث المعطّل لما يسمّى "المعارضة" يعني تسليمها السلطة.
وأكثر من ذلك، وإذا كانَ لا بدّ من أن "يفهم" التحالف الانقلابي الأمور على حقيقتها، فإنّ حركة 14 آذار المتأكّدة من انّ المحكمة الدوليّة آتية لا محالة تحت الفصل السابع تستطيع إخراج موضوع المحكمة من التفاوض وتستطيع القول لـ"المعارضة" انّها لم تعد تريد أن "تربحَ لها جميلاً"... وقد "تضطرّ الى ذلك في يوم من الأيام إذا استمرّ "الابتزاز" وإذا استمرّ التزام هذه "المعارضة" بالتعطيل السوريّ.
برّي.. والتشاطر
إذاً، لا حكومة في صيغة 19+11 مقابل إقرار المحكمة لبنانياً، بل لا حكومة في صيغة 19+11 حتى لو أقرت المحكمة لبنانياً. فهذا شيء وذلك شيء آخر.
فكيف إذا كانَ الرئيس نبيه برّي لا يزال في اطار المفاوضات يطرح "وعداً" بإقرار المحكمة بعد مناقشة نظامها وتعديله في "لجنة"، في مقابل قبول الأكثرية بصيغة 19+11؟ وكيف إذا كان "حزب الله" يكرّر "الشطارة" نفسها؟.
لا شكّ في انّ الرئيس برّي ذكيّ، ويعرفُ تسجيل أهداف ولو بـ"التسلّل". بيدَ انّ "تسلّله" هذه المرّة على خطّ التحرّك السعوديّ، بمحاولته إدراج ما يطرحه مما يسمّيه "مبادرة" ضمن الحركة السعودية، لم يكن ناجحاً. ذلك انّ أحداً لا يمكنه أخذ السلطة في غفلة من الآخرين. والحال انّ حركة 14 آذار متيقّظة تماماً حيال مناورات التحالف الانقلابيّ.
وعلى أساس كلّ ما سبقَ ذكرُه، يقتضي أن يكون واضحاً انّ البحث في الوضع الحكوميّ محكوم بثلاثة حدود: إتفاق الطائف أولاً والدستور ثانياً والبرنامج السياسي للحكومة ثالثاً. والحوار لا بدّ أن يتركّز على المضامين السياسيّة قبل أيّ شيء آخر: على الـ1701 والنقاط السبع والاصلاح الاقتصادي وغيرها من المسائل الاستراتيجية.
رهانات النظام السوري
على أنّ ثمّة سؤالاً مطروحاً هو الآتي: لماذا بعدَ القمّة السعودية ـ الايرانية السبت الفائت، يواصلُ التحالف الانقلابيّ مناوراته؟
مِن الواضح أولاً انّ موقف نظام الأسد في سوريا لا يزال على حاله، يرفض قيام المحكمة الدوليّة ويصرّ على "إلقاء القبض" على السلطة في لبنان.
غير انّه من الواضح ثانياً ان النظامَين في سوريّا وإيران يراهنان على أن يكون الاجتماع المقرّر نهاية الأسبوع الجاري لدول جوار العراق في حضور الولايات المتحدة، مدخلاً الى صفقة ما بينهما أو بين كلّ منهما وأميركا، أي أن يكون هذا الاجتماعُ مجالاً لتبادل العروض، فيعرض نظام الأسد "خدماته" في العراق لقاء أن يعرض عليه ما يعيد له الاعتبار، لا سيّما في ما يتعلّق بالمحكمة الدوليّة أو "حدودها".
كما من الواضح ثالثاً انّ النظام السوريّ يراهن على حصول "مصالحة" بينه وبين "النظام العربيّ" قبل قمّة الرياض أو أثناءها، على أساس أن يعطي ما يمكنه إعطاءه في مقابل أن يأخذ ضمانات. ولعلّ التسريب الاعلامي قبل أيام عن أنّ المملكة العربيّة السعودية وافقت خلال قمّة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس الايراني أحمدي نجاد على تقديم ضمانات للأسد في ما يتّصل بالمحكمة الدوليّة، يعطي فكرة عن "تصوّر" هذا النظام ورهانِه.
في أجواء هذه الرهانات لدى النظام السوريّ، يواصلُ التحالف الانقلابيّ في لبنان مناوراته.
القراءة الخاطئة: ضغوط أميركيّة "أقوى" على نظام الأسد
بيدَ انّ هذه الرهانات خاطئة كالعادة. وليس هذا "الحكم" مبنياً فقط على ما تعلنه الادارة الأميركية من مواقف لا سيما عندما أكدت كوندوليزا رايس انّ اجتماع دول جوار العراق ليس باباً لصفقات مع سوريا وإيران، ولا هو مبني فقط على انّ توصية لجنة بيكر ـ هاميلتون بالبحث مع سوريا وإيران في المسألة العراقية، لا تطلب من الادارة تقديم تنازلات للنظام السوريّ خاصّة في ما يتعلّق بلبنان لكنها تطلب إلزامه بـ"دفتر شروط"، بل انّ هذا "الحكم" يستند إلى معطيات ديبلوماسية تفيد ان الولايات المتحدة التي تستكمل عُدّة مواجهة إيران ما لم تخضع للقرار الدولي في شأن ملفّها النووي، تفكّر جدّياً برفع مستوى الضغوط على النظام السوري في الأسابيع المقبلة، حيث تعتبر واشنطن ان إخضاع هذا النظام لضغوط "قوية" قد يكون من ضرورات المواجهة مع إيران أيضاً.
كذلك، ان "الحكم" على الرهانات بأنها خاطئة، يستندُ إلى سوء تقدير نظام الأسد للموقف العربي، حيث لا استعداد عربياً للمساومة معه على لبنان وعلى مصالح "النظام العربي" ككل، وهو أُبلغ بذلك على أي حال.
"البلعَطة" حتى قمّة الرياض
على هذه الخلفية، يمكن القول ان نظام الأسد يستطيع أن "يبعَط" حتى موعد القمّة العربيّة، ويستطيع حلفاؤه وأدواته في لبنان أن "يبعَطوا" أيضاً في الفترة نفسها، لكنهم جميعاً "مدعوون" إلى الانتباه إلى حقيقة انّ "حبل" المناورات والبلعطة" قصير.
وبالفعل، ثمّة فرصة أمام "المعارضة" للاندراج في إطار المساعي الهادفة إلى إنتاج تسوية "حقيقية" وتفويتها لا يعني إلا ان هذا الفريق يطرق مجدّداً أبواب الفتنة. والكفّ عن "أحلام ليلة صيف" هو المدخل الفعليّ.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00