منذ فترة غير قصيرة، يقدّم تحالف ما يسمّى "المعارضة" فهمه الخاص لمقولة "التلازم" بينَ إقرار المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه من ناحية وقيام ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" من ناحية ثانية.
فهو من جهة يؤكّد أن لا محكمة دوليّة بدون "حكومة الوحدة"، ومن جهة أخرى يؤكّد أنّ "حكومة الوحدة" هي حكومة الـ19+11، أي التي يملك فيها التحالف المذكور الثلث المعطّل.
ومن الواضح، في إطار هذا "التقديم" انّ التحالف الانقلابيّ لا يكتفي فقط بربط إقرار المحكمة الدوليّة بحكومة يملك فيها الثلث المعطّل مفسراً التلازم على "ذوقه"، بل هوَ يفصلُ بينَ الحكومة وبرنامجها السياسيّ، أي انّه لا يقيمُ تلازماً بين الحكومة وبين برنامجها للحكم.
صيغة 19+11 غير دستوريّة
"يشكو" هذا الطرح "المعارض" أو "الانقلابيّ" مِن مجموعة "ثغر" أساسية.
بدايةً، هو طرحٌ غير دستوريّ. ذلك انّ النصوص الدستوريّة التي تحدّد كيفيّة إتخاذ القرار في مجلس الوزراء بالثلثين في عدد من القضايا الرئيسية المحدّدة في حال عدم التوافق الإجماعيّ، لا تشرّع في المقابل لكيفيّة تعطيل القرار. وأكثر من ذلك، فإنّ مفهوم التوافق ـ أو الإجماع ـ الذي يصوغُه دستور الطائف، لا يعلّق الحكم على التوافق الإجماعيّ، لأنّه يقول انّه في حال تعذّر حصوله، يلجأ مجلس الوزراء الى التصويت، ويحدّد في هذه الحالة أكثريّة الثلثين المطلوبة.
.. ولا علاقة لها بمفهوم "المشاركة"
إذاً، هذا الطرحُ غير دستوريّ. لكنّه اضافةً الى ذلك هو من الطبيعة الانقلابية نفسها للقوى التي تتقدّم به. فقيام حكومة ثلاثينيّة على قاعدة 19 للأكثرية و11 لـ"المعارضة"، يعني سحب ثلثي القرار من يد الأولى في مقابل وضع ثلث التعطيل بين أيدي الثانية، وفي هذه الحالة، تكونُ الأكثريّة مُنعت من الحكم فيما مُكّنت "المعارضة" من التعطيل أي من التحكّم بقرار الحكم.
والحال أن لا علاقة البتّة بينَ "المشاركة" التي يزعم التحالف الانقلابيّ سعيَه في إتجاهها وبينَ الثلث المعطّل الذي سمّاه هذا التحالف إستحياءً "الثلث الضامن". ذلك أن "المشاركة" تتحقّق بالتمثيل في مؤسّسة القرار. وإلى ذلك تضافُ حقيقة انّ "التحالف الشيعي" أخذ في الحكومة القائمة حالياً كلّ مقاعد التمثيل الشيعيّ في الحكومة.
غير انّ بعضَ التحالف الانقلابيّ كشف في الآونة الأخيرة جانباً لافتاً مِن مفهومه لـ"المشاركة". فالجناح المسيحيّ مِن الانقلاب، أي الجنرال ميشال عون أكّد في "آخر" مقابلة تلفزيونية له قبل نحو أسبوعين انّ المشاركة المقصودة هي المشاركة المسيحية التي زعمَ انّها لم تكن مؤمّنة في الحكومة القائمة، مضيفاً انّ الشيعة كانوا مشاركين "خيرَ مشاركة"، وانّ التحالف الانقلابيّ "كلّه" وعلى رأسه "حزب الله" يعني بالمشاركة تصحيح المشاركة المسيحيّة.
وعليه، فإنّ التمسّك بصيغة 19+11، فضلاً عن كونه غير دستوريّ، وعن استهدافه "تشليح" الأكثرية ثلثي القرار لـ"الاستمتاع" بثلث التعطيل، انّما ينطوي على غاية "خبيثة" هي الانقضاض على التمثيل المسيحيّ في الحكومة، عبرَ الاستمرار على الادعاء نفسه بأنّ عون يمثّل المسيحيين، ويجب أن يمثّل المسيحيين في مجلس الوزراء، بحيثُ لا يخفى هنا انّ المقصود هو إعطاؤه "جائزة ترضية" وتعويم وضعه مسيحياً.
لهذه الأسباب مجتمعةً، لكن لاعتبار انّ هذا الطرح غير دستوريّ من جهة وغير ميثاقيّ أي لا علاقة له بالمفهوم الحقيقيّ لـ"الشراكة" و"المشاركة" من جهة ثانية، يستحيلُ أن توافقَ الأكثريّة على صيغة 19+11. فهي إن وافقَت تكونُ قد وقعت في "فخّ" القضاء على اتفاق الطائف عبرَ التأسيس لمفاهيم وممارسات إنقلابية عليه، وهذا أمرٌ ليس خافياً انّ الانقلابيين ينشدونه.
وضع المحكمة تحت رحمة الثلث المعطّل
على أنّ هذه المقدّمات جميعاً، تساعدُ في "كشف" أسباب الفصل من جانب التحالف الانقلابي بين الحكومة وبرنامجها.
في هذه الأسباب، من البديهيّ أن يحضر سببٌ أوّل هوَ انّ التمسّك بقاعدة 19+11 في موازاة ربط إقرار المحكمة الدوليّة بقيام "حكومة الوحدة"، انّما يعني وضع إقرار المحكمة تحت "رحمة" الثلث المعطّل.
وحتى على إفتراض انّ تحالف ما يسمّى "المعارضة" تعهّد بإقرار المحكمة مسبقاً، فإن ذلك لا يلغي التعطيل في مراحل لاحقة، فللمحكمة تابعٌ بعد إقرارها، أي انّ هناك خطوات تنفيذيّة لاحقة لا ضمانة أن لا يعطّلها "المعارضون".
بيد انّ هذا السبب الذي يحضر لـ"الوهلة الأولى" لا يلخّص تفسير تمسّك "المعارضة" بالثلث المعطّل.
التحالف الانقلابي يتمسك بالبيان الوزاري "السابق"
لم يتردّد التحالف الانقلابيّ في الإفصاح عن رغبته في أن تكون "حكومة الوحدة الوطنيّة" عبارةً عن تعديل أو توسيع حكوميّ، بحيث لا تمثلُ الحكومة في حلّتها الجديدة أمام المجلس النيابيّ لنيل الثقة. وكذلك، لم يخفِ التحالف المذكور رغبتَه في أن تعتمد الحكومة "الجديدة" البيان الوزاري للحكومة القائمة حالياً.
إذاً ان بيت القصيد هو هنا: التمسك بصيغة 19 + 11 في موازاة التمسك بالبيان الوزاري "السابق". وعلى هذا الأساس يقوم "التحالف المعارض" بـ "الفصل" بين الحكومة وبرنامجها وبيانها.
وعلى هذه الخلفية، من حق الأكثرية ليس فقط أن ترفض صيغة 19 + 11 لانها غير دستورية ولأن لا علاقة لها بمفهوم "الشراكة"، بل من حقها ان تصر على ان يكون لأي حلّة حكومية جديدة بيان وزاري جديد، أي أن تأتي هذه الحلة الجديدة بنتيجة حوار "سياسي" عميق و"متكامل".
أسباب جوهرية لبيان وزاري "جديد"
فمنذ البيان الوزاري "القديم"، حصلت تطورات كبيرة أثرت على الوضع اللبناني، كما لا تزال تطورات تحصل حول لبنان، ولا يمكن تجاهلها في أي حال من الأحوال.
فقد حصلت حرب تموز 2006 وأسفرت عن نتائج سياسية أبرزها القرار 1701 الذي التزمت به الحكومة عندما كان وزراء "حزب الله" و"أمل" لا يزالون فيها. فهل يمكن تجاهل القرار 1701 وهل يمكن تجاهل معانيه وأبعاده؟.
وحصل على سبيل المثال ضبط أسلحة مشحونة لحساب "حزب الله" وطالب الحزب باستعادتها" لأنها تخص المقاومة" كما قال. فهل يمكن تجاهل هذه "الواقعة" التي ثمة "تفسيران" لها، الأول لحزب الله الذي يؤكد على استمرار "المقاومة" بالرغم من الـ 1701، والثاني للأكثرية التي تعتبر شحن السلاح وتخزينه أمراً مخالفاً للقرار الدولي الذي ترى أنه وضع الأمن في الجنوب في عهدة استراتيجية دفاعيّة تقوم على "ثنائية" الجيش اللبناني و"اليونيفيل" المعززة؟.
وخلال الفترة السابقة، وضعت القوى الأمنية الشرعية يدها على "ترسانة" لـ"الحزب السوري القومي الاجتماعي" وتكرر الأمر عندما ضبطت الجمارك سيارة محملة بأسلحة فردية جديدة لهذا الحزب. فهل يمكن تجاهل دلالات هذا الأمرفي وقت يشكل إعتداء صارخاً على اتفاق الطائف مرجعية أي سلطة، وإعتداء على السلم الأهلي في البلاد؟
كذلك إنعقد مؤتمر باريس ـ 3 لدعم لبنان واقتصاده. وثمّة ما هو مطلوب من لبنان على مستوى التشريعات والإصلاحات لمواكبة نتائج هذا المؤتمر. فهل يمكن تجاهل حقيقة ان المسماة "معارضة" اعترضت على باريس ـ 3 بالجملة أو بالمفرق؟
كل ذلك جرى في الشهور الماضية. والآن، يقيم لبنان في دائرة تطورات إقليمية لم تستقر وجهتها. وقبل أيام، قال نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم جواباً عن سؤال لإحدى وكالات الأنباء، أن الحزب لا يملك تقديراً وحيداً للانعكاسات المحتملة لمواجهة ايرانية ـ أميركية قد تحدث، لكنه اضاف ان تأثر لبنان وأداء الحزب يتوقفان على "مستوى" المواجهة التي يسميها قاسم "العدوان الأميركي"، وعلى التدخلات الإقليمية في هذا "العدوان". فهل يمكن والحالة هذه تجاهل واقع ان "حزب الله" الذي يجد نفسه معنياً بهكذا مواجهة محتملة "قد" يلجأ الى الاشتراك في مواجهة "العدوان" من غير قرار لبناني؟ وهل يمكن تجاهل حقيقة ان في البلد قناعتين، إحداهما تشدد على تحييد لبنان ما أمكن عن الصراعات الإقليمية والدولية، والثانية تلحقه بصراع المحاور؟
14 آذار تطرق المفهوم الحقيقي للمشاركة
على هذا الأساس، تعتبر حركة 14 آذار أنه من غير الممكن فصل موضوع الحكومة عن موضوع البرنامج. وتعتبر أنه لا بد لأي حلّة حكومية جديدة من بيان وزاري جديد. ولا بد لذلك من حوار يفضي الى تفاهمات حول الخيارات الاستراتيجية الكبرى.
بكلام آخر، أن حركة 14 آذار تطرق هنا المفهوم "الحقيقي" للمشاركة والشراكة. فالشراكة في القرار ضمن مجلس الوزراء، ووفاقاً لما ينص عليه الطائف ودستوره، تحصيل حاصل ولا تعني القدرة على التعطيل. اما الشراكة فهي لا تتأسس الا على أساس تفاهم حول الخيارات. فما هو الأمر الذي يخشاه "حزب الله" ويريد أن تكون له سلفاً القدرة على تعطيله؟. وهل صحيح ان 14 آذار مرتاحة الى الوضع الراهن لـ"الشراكة" في وقت يستطيع "حزب الله" ان يفعل ما يريد وصولاً الى تقرير نشوب حرب بدون موافقة الآخرين ورأيهم؟
لا شك اذاً انّه لا بدّ من إعادة الاعتبار للميثاق أي لاتفاق الطائف، وللدستور، كي لا يشترك أحدٌ في ضفّة 14 آذار في دفنهما. لكنّ لا بدّ أيضاً من إعادة الاعتبار لـ"المنطق".
"التلازم" المطلوب
فعندما يُحكى عن "التلازم" بين إقرار المحكمة الدوليّة وبينَ إقرار "حكومة الوحدة الوطنية"، يجب أن يكون واضحاً انّ هذا "التلازم" لا يُلغي "التلازمات" الأخرى، وأهمّها التلازم بين إقرار "حكومة الوحدة" التي يحدّها الطائف والدستور وبرنامج هذه الحكومة.
وإذا كانت الأكثريّة "تكافح" من أجل أن يتمّ إبرام المحكمة الدوليّة في المجلس النيابيّ، بالرغم من أنّ إقرارها تحت الفصل السابع متاحٌ فعلاً، فهي تحرصُ على عدم إغلاق الأبواب مع "الفريق الآخر". لكن من يستطيع القبول بأن "يأخذ" المحكمة الدوليّة في مقابل أن "يعطي" السلطة؟
مَن يمكنه القبول بمعادلة من هذا النوع في وقت يستطيع "الفريق الآخر" في أيّ لحظة "توريط" البلد في مغامرةٍ من أيّ نوع، بما في ذلك تعويق الخطوات التنفيذيّة اللاحقة للمحكمة؟
وهل إذا تعهّد "الفريق الآخر" بعدم الاستقالة من الحكومة، يكون قد أعطى ضمانات؟. وهل إذا كانت هناك ضمانة بعدم الاستقالة، تكون ضمانةٌ بعدم التعطيل؟.
هذا النقاش الذي تقدّم هو لوضع النقاط على الحروف، ولاستعادة الأمور الى سياق منطقيّ وجدّي. فالحكومة مرتبطة ببرنامجها، وعندما يتمّ الاتفاق على هذا البرنامج، لا سبب يدعو الى مخالفة الطائف والدستور بصيغٍ "دخيلة" عليهما.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.