ساعات قليلة تفصل عن القمة السعودية ـ الإيرانية اليوم. وأيام قليلة تفصل عن معرفة النتائج "الفعلية" لهذه القمة.
بيد أن مجرّد الإعلان عن عقدها حرّك أجواء تفاؤلية في لبنان. فهل هذا التفاؤل في محلّه بالفعل؟
"المتفائلون" وتقديرهم للحسابات الإيرانية
يستند "المتفائلون" إلى عددٍ من الاعتبارات. يعتبر هؤلاء أولاً أن الاتفاق على عقد قمة بين دولتين كبيرتين، لا يمكن ـ في الأعراف الديبلوماسية بين الدول ـ أن يحصل لو لم يكن ثمة اتفاق بينهما على النتائج مسبقاً، لأن لا مجازفة بعقد قمة قابلة لـ"الانفجار" في إطار ديبلوماسية الدول. ويعرب "المتفائلون" عن اعتقادهم ثانياً أن رئيساً إيرانياً هو محمود أحمدي نجاد، معروفاً بانتمائه إلى ما يسمّى الخط "المحافظ" و"المتشدّد" في إيران، عندما يطلب عقد قمة مع المملكة العربية السعودية، لا بدّ أنه آتٍ بـ"نيّة" التفاهم بشأن ملفات رئيسية.
هذا في "الشكل". أما في "المضمون"، فإن "المتفائلين" يرون ثالثاً ان إيران التي تجد نفسها أمام "تصميم" أميركي على مواجهتها، أي على مواجهة "عنادها" في العديد من الملفات لا سيما الملف النووي، وتجد نفسها أمام استنفار عسكري أميركي يطوّقها، ربما تستشعر أكثر من أي مرة سابقة الخطر وتسعى ـ لهذا السبب ـ إلى التمهيد لتسوية معينة مع واشنطن والمجتمع الدولي عبر إعطاء إشارات حسن نيّة في ما يتّصل بالعديد من الملفات الإقليمية. ويضيف "المتفائلون" رابعاً أن إيران وقد أدّى مشروعها الإقليمي إلى ملامسة حدود الفتنة المذهبية في عدد من الأمكنة كما في لبنان، لكنه أدّى في جميع الأحوال إلى "استنفار" في محيطها الإسلامي ـ السنّي ـ عبّر عنه الاجتماع الإسلامي في إسلام أباد أخيراً، لا مصلحة لها في تطوّر هذا "الاستنفار". ويؤكدون خامساً أن لدى إيران هامشاً مُتاحاً لعقد تسويات "مجزية" لها طالما أن أحداً لا ينكر عليها دورها الإقليمي. ويلفتون سادساً إلى أمر شديد الأهمية، وهو أن إيران تلمس للمرة الأولى منذ سنوات وجود مشروع تقوده المملكة العربية السعودية لإعادة تأسيس "النظام العربي" واستعادة قضايا المنطقة إلى هذا "النظام".
"الحذرون": ماذا عن إيران الداخل؟
ماذا عن مشروعها الإقليمي؟
في المقابل، أي في مقابل "المتفائلين"، ثمة "حذرون" جداً من اعتبار المعطيات الآنفة "كافية" للتدليل على تحوّلات سريعة، ويعبّرون عن "حذرهم" بأسئلة عدّة.
السؤال الأول، هو هل إن إيران قرّرت بالفعل الخروج من "سياسة شراء الوقت" للدخول في تسويات سيكون عليها دفع أثمان "كبيرة" لتسهيل حصولها، حتى لو كانت تشعر بالخطر يقترب منها، وحتى لو كان تستطيع أن "تكسب" من التسوية؟
والسؤال الثاني، هو هل إن إيران قرّرت بالفعل الاكتفاء من المسرح الإقليمي الشرق أوسطي بدورها ونفوذها في الجوار العراقي، وهما الدور والنفوذ اللذان لم يكونا موضع "جدل" في الأصل؟
والسؤال الثالث المكمّل لسابقه هو هل إن إيران ستُخلي ساحة الصراع مع إسرائيل من بوّابتيه الفلسطينية واللبنانية لتترك أمر هذه "الساحة" للمشروع العربي الذي يعود إلى الحضور ليردم "الفراغ العربي" القائم منذ سنوات؟
والسؤال الرابع هو هل ثمة متغيّرات ما داخل إيران تدعم تحوّلاً من هذا القبيل، بدونها لا يمكن الوثوق بأن ثمة توجهاً إلى الواقعية و"الاعتدال"؟
..وماذا عن نظام الأسد؟
أما السؤال الخامس، ولعلّه أهم الأسئلة بالنسبة إلى اللبنانيين خصوصاً، فهو هل قرّرت إيران صياغة علاقة "أخرى" بالنظام السوري، وما هي أسسها؟. ذلك أن العلاقة الإيرانية بالنظام السوري شكّلت بالنسبة إلى هذا النظام علاقة استقواء على لبنان وعلى "النظام العربي" ككل، علماً أنه بدون هذا الاستقواء بإيران، لا يملك النظام في سوريا أي أفق سياسي لسياسته ونهجه في لبنان.
لدى طرح هذه الأسئلة المعبّرة عن الحذر في "التفاؤل"، يتوسّع النقاش أكثر فأكثر ليقارب "زوايا" أخرى.
فإذا نُظر إلى القمة السعودية ـ الإيرانية من زاوية أنها "القابلة القانونية" لتوليد التسوية في لبنان، أي تسوية الأزمة اللبنانية، تحضرُ في النقاش تجربة الاتصالات السعودية ـ الإيرانية الأخيرة حيث تم التوصل إلى إقرار التلازم بين إقرار المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبين التعديل الحكومي، فإذا بالنظام السوري يعطّل ما تمّ التوصّل إليه بموقفه الرافض لقيام المحكمة.
ولمّا كانت المملكة تعتبر إنقاذ لبنان من أزمته في طليعة أولوياتها لا بل في طليعة أولويات "النظام العربي" قيدَ إعادة التأسيس، فإن السؤال الذي يطرحُ نفسه بقوّة هو: هل يحمل الرئيس الإيراني الى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز موقفاً سورياً مسهلاً للتسوية اللبنانية منطلقُه عدم تعويق إقرار المحكمة الدولية، أم أنه يحملُ تصوّراً إيرانياً لكيفيّة "التعامل" مع "العقدة السوريّة"، أو تصوراً لـ"الفصل" عن النظام السوريّ.. أو يحمل موقفاً سورياً لا يُعتمد عليه كالموقف الذي سبقَ أن عبّر عنه في "الزنقات" حيث أعلن تأييده "لما يجمع عليه اللبنانيون" ولـ"مبدأ المحكمة"؟.
القمّة العربية، الامتحان الأخير لبشّار
كذلك، إذا نُظر الى القمّة السعودية ـ الإيرانية اليوم من زاوية كونها محطة رئيسية في التمهيدات للقمة العربية في الرياض أواخر آذار الجاري فإنّه "يجب" القول إنّ المملكة تريد قمّة نهاية الشهر لتجديد انطلاقة "النظام العربيّ" و"المشروع العربيّ". ولأنّ القمّة مطروحة سعودياً وبالتنسيق مع مصر والعدد الأكبر من الدول العربيّة ضمن هذا الأفق، فإنّ عنوانَيها الرئيسيين هما لبنان والمحكمة الدولية من جهة وفلسطين من جهة ثانية. ولهذا كلّه، فإنّ قمّة الرياض المقبلة هي قمّة إخضاع نظام الأسد لامتحان الانتماء الى "النظام العربيّ" وقضاياه.
بكلام آخر، "يجب" أن يكون واضحاً أنّ لـ"النظام العربيّ" قيد إعادة التشكّل شروطَه على نظام بشّار الأسد. والشروط في ما يتعلّق بلبنان هي المحكمة الدوليّة أوّلاً، ووقف التدخّل التخريبيّ في هذا البلد في كلّ أوجهه ثانياً. وبهذا المعنى، فإذا كان نجاد يأتي الى المملكة لـ"مصالحة" النظام السوريّ مع "النظام العربيّ"، فهو سيسمعُ "الشروط اللبنانيّة" وغيرها "الفلسطينيّة" و"العراقيّة".
إنّ المقصود ممّا تقدّم، هو القول إنّ نجاح القمّة السعوديّة ـ الإيرانيّة، في جانبها المتعلّق بلبنان، مرهونٌ بما يحمله الرئيس الإيرانيّ "من" النظام السوريّ، أو بما يحمله حولَ كيفيّة "تطويع" هذا النظام.
سؤال: إيران تنفتح على التسويات أم تحسّن ظروف المواجهة؟
ولمّا كانَ هذا الأمر أساسياً، يعودُ الى الواجهة سؤال كبير: هل انّ "الانفتاح" الإيراني الحالي على المملكة العربيّة السعودية أو "التقدّم" الإيرانيّ باتجاه المملكة هو للتمهيد لمسار التسوية مع الولايات المتحدّة أو لتحسين ظروف المواجهة مع أميركا؟.
إنّ الجوابَ عن هذا السؤال هو الأساس. فإذا كانَ الجوابُ أنّ إيران تعيد تموضعها بأفق تسوية معيّنة، تكون العلاقة الإيرانيّة ـ السوريّة في طريقها الى صيغة أخرى أو بكلام أدقّ تكون في "بداية" الطريق نحو صيغة أخرى. أمّا إذا كان الجواب أنّ إيران تقوم بديبلوماسيّة تحسين ظروف المواجهة مع أميركا وشروطها، فإنّ العلاقة الإيرانيّة ـ السوريّة تبقى على صيغتها "التواطؤيّة" الحاليّة.
طبعاً، يسارع "المتفائلون" هنا الى القول أن لا مجالَ لتصوّر خطّة ايرانيّة لـ"تحسين" ظروف المواجهة مع أميركا تمرّ عبر التفاوض مع المملكة العربيّة السعوديّة. غير انّ "الحذرين" يستمروّن على حذرهم ويضيفون أنّه إذا كانَ في الأمر تموضعٌ إيرانيّ جديدٌ بالفعل، فمعنى ذلك أنّ ثمّة إمكانيّة لتسوية "قابلة للاستقرار" في لبنان مرعيّة بتوافق إقليميّ، أمّا إذا كانَ التحرّك الإيرانيّ بهدف المواجهة مع أميركا في ظروف "أفضل"، فإنّ حظوظ التسوية في لبنان تكون معدومة.
"المتفائلون" و"الحذرون":
اتفاق على الدور التخريبي لدمشق
على أنّ "المتفائلين" و"الحذرين" يتفقون على نقطة أساسيّة.
يتفقون معاً على أنّ النظام السوري الذي يعتبر أنّه يخوض معركته المصيريّة، يملك إمكانيّة التخريب في الحالَتين الإيرانيّتين، وإن كانَ في حالة وجود تموضع إيرانيّ جديد بأفق التسويات، سيُعاني من فقدان نقاط ارتكاز كثيرة توفّرها علاقته الحالية بإيران.
ويعتبرون معاً أنّ النظام السوريّ يواجهُ مرحلة مصيريّة. فإذا سارت إيران في وجهة تسوويّة، سيفقد أيّ دعامة اقليميّة، وإذا سارت في خطّ المواجهة، ليس مستبعداً أن يكون هو في إطار الاستهداف الأميركيّ المباشر خصوصاً إذا اعتبرت واشنطن أنّ ضربَه يحسّن شروط مواجهتها لإيران.
هكذا إذاً، وفي محاولة لـ"إجمال" الموقف عشيّة القمّة بين الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس أحمدي نجاد، يمكن القول ـ في ظل عدم توافر "معلومات" ـ إنّ ثمّة حظوظاً "متقاربة" بين تسوية لبنانيّة ترعاها هذه القمّة وبينَ "اللاتسوية" للأزمة في لبنان.
ولا يخفى في هذا المجال أنّ "تصديق" إمكان التسوية "صعبُ" ليس فقط لأنّ ما يحيط بها بالغ التعقيد، بل لأنّ المطلوب من إيران لإنجاحها "تضحيات" كبيرة وتنازلات عن "مصالح" قد تعتبرها "مكتسبة"، وانكفاء عن "مشروع اقليميّ" يمرّ الآن بالعراق وفلسطين وسوريا ولبنان.
فهل يخطئ التحليل السياسي إن هو اعتمد قاعدة ذهبية لـ"الأمان"، أي "الحذر"؟
ماذا عن أميركا؟
وتبقى نقطة أخيرة، حيث توقف المتابعون يوم أمس أمام تصريحات للسفير الإيراني في بيروت ولقياديين في "حزب الله" تعلن أن التوصل إلى حلول في لبنان لا يعترضه إلا الموقف الأميركي.
فأن تُطلق تصريحاتٌ من هذا القبيل عشية القمة السعودية ـ الإيرانية، لأمر "لافت". فهو أمر "لافت" من زاوية أن هذه التصريحات تحيطُ مسبقاً نجاح القمة بشكوك، ومن زاوية الاتهام الإيراني غير المباشر لقوى لبنانية بالتعطيل بالعلاقة مع الولايات المتحدة.
بيد أن الجواب على هذه التصريحات هو أنه إذا كان محتملاً أو متوقعاً أن تكون واشنطن سلبية حيال قمة السعودية ـ إيران، فإن ذلك يكون في حالة وجود "مناورة" إيرانية. أما إذا كانت نتائج اللقاء السعودي ـ الإيراني جدية، فلن تستطيع أميركا اعتراضها. لماذا؟
لأن واشنطن "سوف" تعتبر أن الضغط على إيران أعطى ثماره. وستعتبر، وهي التي أكدت دعمها لمبادرة الجامعة العربية وللجهود السعودية في ما يخصّ الأزمة اللبنانية، أن نجاح المملكة أنقذها من متاعب كثيرة. ولا تستطيع أميركا التعاطي مع "النظام العربي" قيد إعادة التأسيس ومع مشروعه بالرغم من استقلالهما ـ أي النظام ومشروعه ـ عن أميركا، بعدائية لأنه يعيد توازناً مفقوداً إلى معادلات المنطقة. أما التحفظ أو الاعتراض الأميركي على اتفاق مكّة الفلسطيني، فيمكن إدراجه في خانة "المراقبة" الأميركية لمساره وديناميته وفي خانة الضغط عليهما، لكن سيكون من الصعب على واشنطن "تحدّي" نتائج الاتفاق عندما تكتمل، خاصة متى عاد إلى الاندراج في "المبادرة العربية" أي "المشروع العربي للسلام".
على أي حال، وفي انتظار أن تحلّ "الألغاز"، يمكن القول إن "المرحلة الانتقالية الإقليمية" ستبقى تترك أثارها على "المرحلة الانتقالية اللبنانية" أياً تكن نتائج القمة اليوم، وفي ضوئها أيضاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.