تأخرت في الكتابة عن صديق عزيز رحل.
لامني أصدقاء وأحبة كثيرون كيف طاوعني قلبي ألا أكتب عن جوزف سماحة الذي رحل متعب القلب مثقل التفكير.
ها أنذا اليوم أخضع لأشهد ان حزني على جوزف ثلاثة.
الأول، أنّ الذي رحل، هو فضلاً عن كونه طاقة ذهنية ثقافية استثنائية، رفيق لطيف حلو المعشر غنيُّه، وهو في نهاية المطاف واحد أساسي من الجيل الذي أنتمى إليه، والذي نودّع رجاله الواحد تلو الآخر.. وهو أحد عناوين مرحلة من تاريخ هذا الوطن الجريح.
والثاني، ان جوزف رحل وقد مضى على آخر "إتصال" بيني وبينه وقت طويل. فأن يُقال ان اختلافاً أو خلافاً قام بين جوزف وجزء كبير من جيله حول مقاربة المرحلة اللبنانية ـ العربية الراهنة، فذلك من لزوم ما لا يلزم لأن الأمر معلوم. لكن جوزف رحل وغاب قبل أن يتواضح الجيل الذي ننتمي إليه جميعاً، وقبل أن يتفق مع محبيه على كتابة وصية "واحدة" من أجل المستقبل. رحل قبل أن تنقشع الرؤية.
والثالث، ان جوزف رحل في "توقيت" جعل كثيرين من "البرازيت" و"حفّاري القبور" و"صيّادي" الوفيّات يحاولون "القبض" على تاريخه ويحاولون تصدّر صفوف المفجوعين بغيابه، بحيث بدا "الحقيقيون" الذين لهم حصة في تاريخه كالأيتام على "مآدب اللئام".
ها أنذا أفسّر لماذا تأخرت في الكتابة عن الحبيب جوزف.
سألت نفسي عندما تلقيت الخبر المفجع: عن "أيّ" جوزف أكتب؟.
نعم، كان عندي ما أقوله في جوزف: جوزف الآتي "الينا" في اليسار عام 1974، جوزف المثقف الطارح للإشكاليات، جوزف الذي يعطي أجوبته "الخاصة" على هذه الإشكاليات مصيباً حيناً وغير مصيب في عدد من الأحيان، جوزف الفرح حيناً والحزين في معظم الأحيان، جوزف المحبّ للحياة والمحبّ ـ على طريقته ـ للأصدقاء، جوزف "الباحث" دائماً عن فلذَتي فؤاده أميّة وزياد، جوزف الذي لا يمكن أن "تكرهه" بسبب موقف أو انعطافة مفاجئين.
نعم كان عندي الكثير ممّا أقوله عن هذا الانسان اللامع، عن كتاباته، عن جوزف "المتشرّد" في أصقاع الدنيا، عن ذلك "الرحّالة".
نعم كان عندي الكثير مما أكتبه عن "جوزف الفلسطيني"، وقد حمل راية الدفاع عن فلسطين المأسورة والمحاصرة من عرب ما يسمّى "الممانعة" الذين أدخلوا سكاكينهم في جسدها والرأس، ومن "عجم" مستجدّين على قضيتها.. عن جوزف المدافع عن الوطنية الفلسطينية أمام محاولات تدميرها.. أي عن ثقافتـ"نا" الأنتي أنظمة.
نعم كان عندي الكثير ممّا أكتبه عن جلسات حميمة، وعن نقاشات جمعتنا في "المنفى الباريسي" مع الشهيد سمير قصير الذي عشق في جوزف كل صفاته "الكبرى"، واشتمّ في قلمه معنى القرارات الوطنية المستقلّة.
لكنني تأخرت في الكتابة، لأنني كنتُ أحبّ جوزفوأحب سحر كلمته وجملته، ولأنني كنت أحبّ ألا يغادرنا قبل أن نقرأ معاً في كتاب واحد، كتاب "القضية اللبنانية". تأخرت لأنني كنت متألماً من غدر القدر الذي جعل جوزف يرحل قبل أن يسمع مني: إنني أحبّ "بعضك"، انني أحبك يا جوزيف ولم أكن أحسدك على محاولاتك تحديث "الفكرة القوميّة" البائدة وإعادة تلبيسها لجهات من "عدّة الشغل" القديمة.
لكنه القدر.. وها نحن جميعاً ضعفاء بل أذلاء أمامه.
أيها الحبيب جوزف،
سأبقى أذكرك. سيبقى جيلك يذكُرك. سيبقى هذا الجيل يؤكد ان من مثلك ناصر "الوطنية الفلسطينية" ذات يوم، كان لا بدّ أن يعود لينصر "الوطنية اللبنانية".
سيبقى هذا التراث في الذاكرة. ولن يدوم المشهد المزوّر.
من أعزي بك؟ هل أعزي عائلتك الصغيرة؟ أم أعزي صديقيك حسن داوود وحازم صاغية؟.. أم أعزي سمير قصير وأنت ذاهب إلى حيث ستعيدان مجد النقاش على أمل أن تبعثا إلينا بالنتيجة؟.. أم أعزي أخي هادي الذي رافقك في مشاريعك "النوماديّة" في باريس؟ أم أعزي أهل الثقافة والفكر والقلم؟ أم أعزي اليسار وأي يسار منهم وفيه على أيّ حال من يستحق التعزية؟
..وأنا أيضاً ممّن يستحقون التعزية بك، وممّن يستحقون تقبّل التعازي.
إلى اللقاء يا جوزف. فالقلب منّا متعب أيضاً. إلى اللقاء "بهدوء". اختلفنا في الدنيا لكن اتفاقنا مؤكد حيث أنت، رحمات الله عليك.
أعذرني جوزف إن كنت أغدر بك إذ أقول قولي وأنت لا تستطيع الردّ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.