8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"إعادة انتشار" سورية بين الداخل والجنوب

قبلَ بضعة أيّام، خرجَ سليمان فرنجيّة الذي يُقال انّه عائد من لقاء برئيس النظام السوريّ بشّار الأسد، إلى الإعلام، فارتكب مجموعةً من الأخطاء التي تميّز مسيرته السياسيّة.
بادَر فرنجيّة في المقابلة التلفزيونيّة التي أجريت معه إلي اتهام "القوّات اللبنانيّة" ورئيسها سمير جعجع بجريمة اغتيال شهيد الكتائب ولبنان بيار الجميّل. وإذ سُئل عن ميثاق الشرف بين القوى والفاعليّات المسيحيّة، كشفَ انّه هوَ مَنْ صاغ "الميثاق" المذكور وأعطاه للمطران سمير مظلوم.
كلام فرنجيّة يسرّع لقاء الجميّل ـ جعجع
و"يحرق" مظلوم
ماذا كانت النتائج "المباشرة" لهذه التصريحات؟
النتيجة "السياسيّة" الأولى تمثّلت في لقاء سريع بين الرئيس أمين الجميّل والدكتور جعجع. وكانَ هذا اللقاء لتأكيد انّ أضاليل سليمان لا ولن تنطلي على أحد، وانّ مَنْ ارتكب جريمة اغتيال الشهيد بيار لا يمكن أن يكون في صفوف ثورة الأرز وقواها، وانّ الموقف المسيحيّ سيبقى موحّداً.
أمّا النتيجة "السياسيّة" الثانية فتمثّلت في "إحراق" فرنجيّة ما كان منظوراً إليه بوصفه مبادرةً من جانب الكنيسة هادفة إلى تحقيق نوع من "الأمان" المسيحيّ. وبكلام آخر فإنّ سليمان "أحرق" المطران مظلوم بكشفه انّ في خلفيّة "الميثاق" هدفاً سياسياً وانّ هذا "الميثاق" لم يكن مبادرة كنسيّة "صافية".
في الردّ عليه، أعلنت "القوّات" انّ سليمان فرنجيّة خرق "ميثاق الشرف" الذي وقّعه، وأضافت انّه لا يلتزم إلاّ بأوامر "أسياده في المخابرات السوريّة". وهذا جانبٌ ممّا كانَ يقتضي تسليط الضوء عليه.
التوتير مسيحياً لـ"مساعدة" عون
بيدَ انّ ثمّة جانباً معلوماتياً مهمّاً، من الضروريّ لفت الانتباه إليه.
في هذا الجانب انّ سليمان عادَ من سوريّا بتكليف محدّد، أي بـ"مهمّة" مطلوبٌ منه تنفيذها. وهذه "المهمّة" تقضي بـ"مشاغلة" الوضع المسيحيّ وتوتيره إلى الحدّ الأقصى. لماذا؟
ثمّة هدف أوّل هو تمكين الجنرال ميشال عون الذي يعتبر النظام في سوريّا انّه أصيب بـ"جروح" كبيرة في الفترة السابقة، من "لملمة" وضعه واستنهاضه، في ظروف "إشتباك" مسيحيّ ـ مسيحيّ.
وإذا كان الهدف الأوّل السابق يعني محاولة اختراق الإنجاز الذي حقّقه مسيحيّو 14 آذار في مواجهتهم لـ"الجناح المسيحي" من الانقلاب على ثورة الأرز، فإنّ ثمّة هدفاً ثانياً هو وضع "جماعة النظام السوريّ" مِنَ المسيحيّين وبعض "الفراطات" مِن طوائف أخرى في صدارة المواجهة "الداخليّة" بما يريح "حزب الله" مِن أعباء "الداخل"، في لحظة اقليميّة "مفصليّة".
مِن الخطأ الظنّ انّ النظام في سوريّا "ينسحبُ" من "مشروع" الفتنة الشيعيّة ـ السنّية، وانّه لن يسعى اليها بعدَ الآن، وإن كانت "التجربة" أثبتت له انّ طريق الفتنة المذهبيّة مكلفٌ و"مخيف".
"إعادة انتشار" من أجل استكمال الجهوزيّة جنوباً
إنّ وضع النظام السوريّ للفتنة في "ترتيب" مختلف، يتّصل بحسب المعلومات وتحليلها باستهداف آخر في المدى المباشر.
فنظام الأسد هو الآن بينَ تقديرَين. الأوّل هو انّ ثمّة احتمالاً لعمل عسكريّ أميركيّ ما ضدّه. والثاني هو انّ في وسعه المبادرة من جانبه إلى حرب سوريّة ـ إسرائيليّة. وفي الحالتين يعتبر نظام بشّار انّ الربيع المقبل اعتباراً من نيسان، هو الموعد المرجّح لـ"المواجهة". و"يعتقد" النظام السوريّ في الوقت نفسه انّ "الحرب" ستشمل إيران أيضاً بما أنّ أفق التسوية الإيرانيّة ـ الأميركيّة مسدود.
لذلك، فإنّ "الخطّة" السوريّة القاضية بتقدّم "جماعتها" من المسيحيين وبعض المسلمين للصفوف الداخليّة، تعني الانصراف إلى التركيز على استكمال الجهوزيّة للحرب الآتية.
ولذلك أيضاً، فإنّ استكمال الجهوزيّة للحرب يعني الانصراف إلى أولويّة الجنوب، الأمر الذي يعني بدوره إدخال الجنوب بواسطة "حزب الله" وغيره في الحرب ـ المواجهة.
ولأنّ المواجهتين في الداخل وفي الجنوب تتكاملان في "مشروع واحد"، ثمّة الآن ما يشبه عمليّة إعادة انتشار لـ"القوّات السوريّة" في لبنان. وفي هذا السياق السوريّ ـ الخارجيّ، يأتي الكلام الأخير لسليمان فرنجيّة.
على خلفيّة ما تقدّم، لا مفرّ من القول انّ ثمّة "جولات" جديدة من المواجهة في لبنان. وعلى هذا الأساس لا بدّ من أقصى الاستعداد السياسيّ.
العلاقة العضويّة
بين "القضيّة اللبنانية" و"المشروع العربي"
وفي إطار هذا الاستعداد، هناك ما ينبغي وضع النقاط على الحروف بشأنه.
بدايةً ـ وتكراراً ـ لا بدّ من الانتباه إلى تطوّر مهمّ جداً، هوَ انّ ثمّة "قضيّة لبنانيّة" تحملها حركة 14 آذار من ناحية وانّ ثمّة مشروعاً عربياً متجدّداً من ناحية ثانية. وبين "القضيّة اللبنانيّة" و"المشروع العربي" علاقةُ تكامل عضويّ.
"القضيّة اللبنانيّة" هي مجموعةٌ من البنود: إستكمال الاستقلال عن سوريّا وقف تدخّل نظامها سياسياً وأمنياً في الوضع اللبناني، إنهاء "الملفّ اللبنانيّ" في الصراع مع إسرائيل عبر تنفيذ القرار 1701، وضع اتفاق الطائف موضع التنفيذ لجهة تثبيت اتفاقيّة الهدنة بين لبنان وإسرائيل، تحييد لبنان عن صراع المحاور الاقليميّة والدوليّة، ومع كلّ ذلك وقبله المحكمة الدوليّة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
هذه "القضيّة اللبنانيّة" يتضمّنها "المشروع العربيّ" الذي ترعى المملكة العربيّة السعوديّة ولادته، وذلك من "الباب العريض". والمقصودُ هنا بـ"الباب العريض" هو أنّ المشروع العربيّ "مشروع للسلام" من ناحية ومشروعٌ لحماية استقلالات دول المنطقة من ناحية ثانية، ومشروعٌ لتحييد المنطقة العربيّة عن الصراع الأميركيّ ـ الإيرانيّ من ناحية ثالثة، وكلّ ذلك بما يؤسّس لنظام عربي جديد يستعيد الحضور العربي في المعادلة الإقليميّة وبما يمكّن لبنان من تجديد دوره في هذا السياق.. مِن ناحية رابعة.
المسألة السنّية ـ الشيعيّة
والمملكة والحل العربي
إذاً، ثمّة إطمئنان يجب أن يكون موجوداً، خصوصاً لدى فرقاء حركة 14 آذار كافّة.
صحيحٌ انّ المملكة العربيّة السعوديّة "إشتغلت" في الآونة الأخيرة، لاسيّما مع إيران، على درء الفتنة الشيعيّة ـ السنّية في المنطقة وفي لبنان. لكن الصحيح أيضاً انّ "همّها" يتركّز على "استعادة" القضيّة الفلسطينيّة، وعلى القضيّة اللبنانيّة ككلّ أي القضيّة التي تعني كلّ اللبنانيين من كلّ الطوائف.
وصحيح انّ المملكة العربيّة السعوديّة كانت "خلف" الاجتماع الإسلاميّ الأخير في إسلام آباد، وانّ هذا الاجتماع يمكن النظر إليه على انّه "إجتماع سنّي" إقليميّ. بيدَ انّ الصحيح أيضاً هو انّ "تذكير" إيران بـ"تناقض" مشروعها مع البيئة الإسلاميّة المحيطة بها، يحب أن يدفعها إلى إعادة النظر في حساباتها. كما انّ الصحيح، هو انّ المملكة حريصة على "الموزاييك" الطوائفي في الخليج وعموم المنطقة، ولذلك فإنّها تعلن مشروعها تحت عنوان "عربيّ" وليس تحت عنوان "إسلاميّ".
والصحيحُ قبلَ هذا وذاك، انّ المملكة "تؤمن" بأنّ لبنان "رسالة" وبأنّ له دوراً في المنطقة. وتجربتها مع لبنان، خصوصاً في اتفاق الطائف، تظهّر وعيها العميق للتكوين اللبنانيّ. وبالإضافة إلى ذلك كلّه، فإنّ المملكة لم تتصرّف على أساس أنّ الأزمة في لبنان سنّية ـ شيعيّة وإن كانت "المسألة" السنّية ـ الشيعيّة صاعقاً كبيراً يمكن أن يفجّر لبنان. ولذا لم تساوم على "القضيّة اللبنانيّة".
لذلك، وإذا كانت "المسألة" السنّية ـ الشيعيّة أخذت في الآونة الأخيرة حيّزاً كبيراً من الاهتمام، فذلك لا يعني انّ "التسوية" عندما تحين ظروفها ستكون سنّية ـ شيعيّة. وأكثر من ذلك، وإذا كان لا بدّ من الاعتراف بأنّ "الخروج" السنّي من "القمقم" في الأسابيع الماضية كما في يومَي الثلاثاء والخميس الأسودَين من كانون الثاني الماضي، شكّل عاملاً وازناً في "ردع" التحالف الإنقلابيّ عن طَرق أبواب الفتنة، فإنّ هذا الأمر يجب التعامل معه على انّه "موضوعيّ".
وأكثر أيضاً، ومع التأكيد على انّ بروز "الوجه" السنّي ـ الشيعيّ من الأزمة اللبنانيّة لا يعني أن "تسويتها" ستكون عبر ثنائيّة مذهبيّة، لا بدّ من التشديد على انّ أي تسوية ـ والزمن ليس زمنها بطبيعة الحال ـ يجب أن تكون برعاية "النظام العربيّ الجديد"، أي تسوية لبنانيّة ـ عربيّة، تماماً لأنّ "المواجهة" في لبنان هي بين مشروع متّصل بالمشروع العربيّ وبين مشروع "غير عربيّ".
"ميثاق الشرف" والخِدعة
لماذا كلّ هذه المقدّمات؟
هذه المقدّمات جميعاً من أجل العودة إلى سليمان فرنجيّة.
عندما طُرح "ميثاق الشرف" المسيحيّ قبل أن يفضح سليمان أمرَ هذا الميثاق، جرى التسويق له، بما في ذلك مِن جانب بعض الكنسيين، تحت عنوان أن لا علاقة للمسيحيين بما يجري في لبنان لأنّ المشكلة سنّية ـ شيعيّة وعندما سيتفق الطرفان سيذهب المسيحيّون "فرق عملة". وفي بعض الأحيان سُمعت أصواتٌ تصنّف السياسيين المسيحيين بين "مسيحيين سنّة" و"مسيحيين شيعة". وتأسيساً على ذلك، تزامن طرحُ "ميثاق الشرف" الذي تحمّس له سليمان والجنرال، مع كلام عن ضرورة إنكفاء المسيحيين على أنفسهم.
طبعاً، منذ البداية كانَ واضحاً انّ هذا "الميثاق" لن يدوم طويلاً، بما انّه مطروح بهدف "إخماد" الحركة المسيحيّة الـ"14 آذاريّة"، وبهدف تمرير تحرّك الجناح الإنقلابيّ المسيحيّ. وقد حصل ذلك بالفعل، حيثُ كان تحرّك "القوّات اللبنانيّة" وسائر شخصيّات وفاعليّات 14 آذار المسيحيّة في 23 كانون الثاني الماضي عاملاً رئيسياً في إجهاض الانقلاب.
جعجع.. والموقف المسيحيّ "المنتظر"
الآن، وفي وقت يعلن رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "الحزب التقدّمي الاشتراكي" وليد جنبلاط انّهما شريكان "في" المشروع العربي المتجدّد، لا بدّ أن يكون صوتُ مسيحيي 14 آذار جميعهم قويّاً في إعلان الشراكة مع المشروع العربي، بحيث يشقّ هذا الخطّ طريقه أكثر فأكثر في الشارع المسيحيّ، ومن أجل عدم إعطاء أيّ فرصة للمسيحيين الانقلابيين لإلتقاط الأنفاس، والسماح لهم بتوقيت زمن "التهدئة" وزمن "الهجوم".
مساءَ 14 شباط الماضي، تكلّم كاتب هذه السطور مع الدكتور سمير جعجع ليسأله تقديره للوضع. قال جعجع كلاماً كثيراً يدخل في خانة "المجالس بالأمانات". لكنه قال ما حرفيّته: إنّ حركة 14 آذار تستند إلى اتفاق استراتيجي كامل بين مكوّناتها، وإذا وُجِدَت خلافات جزئيّة فهي بالتأكيد لا تتعلق بمعركة إستكمال إستقلال لبنان.
هذا الكلام، أي هذا النوع منه، لا بدّ أن يتكرّر مصحوباً بتأكيد انّ حركة 14 آذار هي حركة استقلاليّة شعبيّة ـ لبنانيّة ـ عربيّة، وانّ ما تقوم به المملكة العربيّة السعوديّة يمثّل الأفق الرحب لـ"القضيّة اللبنانيّة".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00