8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

14 آذار تكسبُ المدى العربيّ ومعه حصانة استقلاليّتها

لا شكّ ان الوضع العربي يشهد تطوّرات كبيرة في المرحلة الحالية، وان شطراً مهماً من هذه التطورات ينعكس على لبنان، لا بل يسمح لحركة 14 آذار بأن تكون جزءاً عضوياً من منظومة عربية قيد إعادة التأسيس.
مراحل ثلاث لثورة الأرز مع الموقف العربي
بالعودة قليلاً إلى الوراء، يتبيّن ان الموقف العربي من لبنان في أعقاب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مرّ بثلاث مراحل.
المرحلة الأولى، هي التي تلت مباشرة جريمة العصر، وقد عبّرت الدول العربية قاطبة، و"الرئيسية" منها خاصة عن تضامن لافت مع لبنان في مصابه، وعن دعم لتطلعه إلى الاستقلال والحرية.
استمر هذا الموقف على حاله من القوة حتى إنجاز الانسحاب السوري "الرسمي" الذي فرضته انتفاضة الاستقلال التي انطلقت في ذكرى مرور شهر على استشهاد الرئيس الحريري، وهي الانتفاضة التي دعمتها قرارات دولية واكبتها.
والمرحلة الثانية، هي التي يمكن القول "تقريبياً" انها استمرّت طيلة الفترة الممتدة بين ربيع العام 2005، أي بعد الانسحاب السوري، وصيف العام 2006، أي مع اندلاع حرب تموز.
في هذه المرحلة، لمس أركان في 14 آذار ان ثمة نوعاً من "الخوف" العربي حيال ثورة الأرز. والسبب الرئيسي لهذا "الخوف" هو أن تغدو ثورة الأرز نموذجاً عربياً، أي أن تصبح نموذجاً لتغيير ديموقراطي شعبي سلمي يعم دولاً عربية، وذلك في مرحلة كان واضحاً ان تغيير الأنظمة في المنطقة أو التغيير في أنظمة المنطقة، هو عنوانها الرئيسي.
لم يعد سراً ان عدداً من دول المنطقة رفض خلال هذه المرحلة الضغوط "العالية" على النظام السوري. و"الحجة" الرئيسية كانت ان المنطقة العربية لا تحتمل إسقاط نظام آخر بعد نظام صدّام حسين في العراق، لانها لا تحتمل مزيداً من اللاإستقرار والفوضى، لا سيما ان "النموذج العراقي" بعد العام 2003 أتى بنتائج فاشلة على الصعد كافة. ويروي أركان في 14 آذار انهم، خلال هذه المرحلة بين 2005 و2006، سمعوا من بعض المسؤولين العرب كلاماً معناه ان دماء الرئيس الحريري لم تذهب هدراً وهي التي أخرجت الوصاية السورية من لبنان، وان هذا "الثمن" كافٍ.
طبعاً، كان نقاش مستفيض في حينه من جانب 14 آذار لهذا "المنطق"، ودفاع عن استمرار معركة إنجاز الاستقلال اللبناني عن سوريا.
المملكة و"الصحوة" بالاستقلال
عن الشرقَين "الجديد" و"الإسلامي"
بيد ان المرحلة الثالثة سرعان ما بدأت. ويمكن القول انها مرحلة "صحوة عربية" تقودها المملكة العربية السعودية بالدرجة الأولى.
كان من الطبيعي أن "تلاحظ" المملكة ان المنطقة العربية "ساحة" لصراع بين مشروعَين: المشروع الأميركي لما يسمّى "الشرق الأوسط الجديد" من جهة والمشروع الإيراني لما يسمّى "الشرق الأوسط الإسلامي" من جهة اخرى. وفي خضّم الصراع بين المشروعين ثمة غياب فاضح لـ"المشروع العربي".
المشروع الأميركي لا ينطوي على أي تغيير في السياسة الأميركية حيال "القضية العربية" أي القضية الفلسطينية بالتحديد، وهو لهذا السبب بنوع خاص يستولد شتّى أشكال التطرّف والإرهاب، فضلاً عن فشله في حلقته المركزية أي العراق.
أما المشروع الإيراني، فهو مشروع لوضع اليد على المنطقة والقضية الفلسطينية باسم الإسلام، ومشروع لاستتباع دول عربية عدة، وللسيطرة على العالم الإسلامي عبر السيطرة على دول محورية من ناحية وعبر امتلاك السلاح النووي من ناحية ثانية. فإيران تبسط نفوذاً كبيراً في العراق وتستتبع سوريا وتحاول إلحاق لبنان بها.
أسرعت المملكة في إدراك ضرورة استعادة حضور "النظام العربي". ذلك ان المشروعَين الأميركي والإيراني، مع انهما "متقابلان"، إلا انهما يضخان أخطاراً جسيمة على الوضع العربي ومصالحه، وينذر كلٌ منهما بإغراق المنطقة في الفوضى و"مشتقاتها".
هذه "الصحوة" بدأت بالفعل قبل حرب تموز. إلا ان المملكة، عند اندلاع هذه الحرب أعطت "إشارة" لافتة. يومها حذّرت ممّا سمّته "المغامرات"، لكنها شدّدت في الوقت نفسه على ما سمّته "الشرعيات الوطنية". أعطت المملكة هذه "الإشارة" لكنها تابعت مع لبنان معركة وقف العدوان الإسرائيلي. وبكلام آخر، رسّخت السعودية معادلة الموقف العربي بوضوح: الاستقلال العربي عن "المحور الأميركي" وعن "المحور الإيراني" في آن.
"مبادرة السلام العربية" أساس
وتوالت الأسابيع لترتسم ملامح المشروع العربي المتجدّد.
وفي هذا المشروع استرجاع القضية الفلسطينية إلى الفلسطينيين أي إلى ممثلي الشعب الفلسطيني، وتحت الرعاية العربية. وفيه عودةٌ إلى "مبادرة السلام العربية" التي كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز قد تقدّم بها في قمة بيروت عام 2002 عندما كان وليّاً للعهد. وفيه أيضاً إدراج للمسألة الفلسطينية في إطار "المبادرة العربية"، وهذا هو المعنى الفعلي لاتفاق مكّة الأخير بين حركتي "فتح" و"حماس".
"الشرعيات الوطنية" والشراكة المتكافئة
غير أنّمن أهم ما "يعِد" به المشروع العربي المتجدّد، فضلاً عن تحقيق تضامن يفرض أخذه في الاعتبار من قبل الجميع، هو انه يتأسس على قاعدة شراكة متكافئة بين الدول العربية، أي على "شرعيات وطنية" في بلدانها متعاونة في ما بينها، بحيث تطوى صفحة مظلمة من التاريخ العربي، سادت خلالها وصايات من دول على أخرى، وتهديدات من بعضها لبعضها الآخر، وتَسلُّط على القضية الفلسطينية باسم "القومية" وسواها من الايديولوجيّات.
في مناخ هذه "الصحوة"، استقرّ تعاطي المملكة ومعها سائر دول "النظام العربي" مع المسألة اللبنانية على أسس ثابتة وواضحة. فلبنان دولة عربية مستقلة وله الحقّ الكامل في قراره المستقلّ، و لا بدّ أن يتوقف التدخل السوري والإيراني فيه، ولا بدّ من إبعاده عن صراع المحاور الإقليمية والدولية، كما لا بدّ من حماية مساره السياسي الديموقراطي السلميّ، والمحكمة الدولية في مقدّم الحمايات.
وفي إطار هذا الاستقرار في التعاطي مع المسألة اللبنانية، من الواضح ان النظام السوري وضع نفسه خارج المشروع العربي المتجدّد، فبات يمكن الحديث عن "نظام عربي ناقص سوريا بنظامها القائم". بيدَ ان الأهم هو ان المملكة العربية السعودية تعتبر ان إخراج لبنان من أزمته هو التحدّي الأكبر أمام النظام العربي قيد إعادة التأسيس، لا بل هي تتصرّف على أساس ان إستكمال إعادة تأسيس النظام العربي يمرّ بـ"معركة" إنقاذ لبنان، وان لبنان هو بكل معنى الكلمة عنوان المرحلة العربية المقبلة.
كلام عربي حازم مع إيران.. ومع الولايات المتحدة
وإذا كانت المملكة العربية السعودية لم "تهضُم" التدخل السوري والإيراني في الوضع اللبناني، فسعت من خلال اتصالاتها مع إيران إلى تحرير لبنان من عبء "شبك" إيران لملفّها بالوضع اللبناني، فإن المملكة تعتبر ان القدر نفسه من "الحزم" مطلوب حيال الولايات المتحدة وترى انّ على أميركا الاستجابة للمطالب العربية عامة والمطالب اللبنانية خاصة.
وفي وقت تُشهر المملكة "مبادرة السلام العربية" في وجه "الشرق الأوسط الجديد"، فإنها تعتبر ان مفتاحاً رئيسياً من مفاتيح الحلّ في لبنان لإخراجه من دائرة صراع المحاور وإكسابه نوعاً من الحياد عن صراعات المنطقة وتثبيت استقلاله، هو تمكينه من استعادة مزارع شبعا، ولو بضمّها إلى عهدة الأمم المتحدة مرحلياً، ومن استعادة الأسرى في السجون الإسرائيلية، وإلزام إسرائيل بوقف اختراق السيادة اللبنانية أي تطبيق القرار الدولي رقم 1701. وبكلام آخر، ثمة "كلامٌ" لبنانيّ ـ عربيّ يجب أن يقال للولايات المتحدة.
ممّا تقدّم، يُستنتج ان حركة 14 آذار بـ"الصحوة العربية" من حولها وبـ"النضج" الذي تكتسبه، تغدو أكثر فأكثر حركة لبنانية بأفق عربي واضح، أي حركة عربية أو حركة من ضمن منظومة عربية قيد التشكّل.
التصعيد الإنقلابيّ بسبب البُعد العربي
ولا مبالغة في القول إن هذا التحوّل المهمّ في مجرى الأفق العربي للحركة الاستقلالية اللبنانية أي في مسار إندراجها العربي المطلوب تأكيده، هو ما يجعل فريق التحالف السوري ـ الإيراني في لبنان يُصعّد ضدّ 14 آذار.
ذلك انه ليس أمراً بسيطاً أن "يكتشف" التحالف المذكور ليس فقط انه أمام حائط مسدود لبنانياً بل ان حركة 14 آذار كسبت المدى العربي أو أنها تندرج في هذا المدى كجزء مكوّن منه، لتصبح حركة شعبية لبنانية عربية.
..ضدّ الحريري وجنبلاط
فحيال هذا التحوّل المهمّ، لم يجد التحالف الإنقلابي ما يقوله سوى التمترس خلف رواية تضليلية للاتصالات السعودية ـ الايرانية ونتائجها، والحديث عن ان المملكة العربية السعودية لم تعد تمون على حلفائها في لبنان، في محاولة للنيل من زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري. والحال ان قوى التحالف الانقلابي تقيسُ علاقة "المستقبل" بالمملكة بقياس علاقتها "العضوية" بالنظامين في دمشق وطهران. والحال ايضاً انها لا تستطيع ان تفهم المشروع العربي المتجدد وعلاقة الشراكة التي تقوم بينه وبين "المستقبل" و14 آذار.
كذلك، لم يجد التحالف الانقلابي ما يقوله سوى إتهام رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط بالسعي الى "الكنتنة" والى الالتحاق بالمشروع الأميركي.
بالتأكيد لا يحتاج وليد جنبلاط اللبناني العربي الى دفاع. بيدَ أن المفارقة هي أن حملة التحالف السوري ـ الإيراني عليه تصاعدت بعد مقابلته التلفزيونية الأخيرة عشيّة سفره الى واشنطن.
في هذه المقابلة مع برنامج "كلام الناس" على شاشة "أل.بي.سي"، حدّد جنبلاط أوجه الخلاف الفكري والسياسي مع "حزب الله"، وحدّد خيارَه العربي الى جانب المنظومة العربية قيد إعادة التأسيس بجهد أساسي للمملكة العربية السعودية، وحدّد خياره الفلسطيني، كما كان واضحاً في اعتراضاته على المشروع الأميركي.
ولأن الخيار العربي واضح، بالاستقلال عن المحورَين الأميركي والإيراني، ولأن وليد جنبلاط قال إنه سيمثّل الخطاب العربي في واشنطن، لا سيما في شقّه المعترض على موقف الولايات المتحدة من اتفاق مكة، ولأنه قال إنه سيسعى الى إقفال الملف اللبناني مع إسرائيل في مسألة المزارع والأسرى من أجل العودة الى اتفاقية الهدنةـ، فقد سلّط التحالف الانقلابي حملةً مسعورة عليه.
إذاً، في لبنان الآن، تكتسب 14 آذار مزيداً من البعد العربي الذي يفضح إنتماء الفريق الآخر إلى محور غير عربي يستلحق نظاماً خارجاً على العروبة هو النظام السوريّ وأطرافاً محلية لا تعتبر لبنان وطناً. والشعور لدى الفريق الآخر بأن 14 آذار تخرج من "التعريب السوري" الى رحاب "التعريب العربي" المستقلّ عن "الأقلَمة" الإيرانية والتدويل في آن، هو ما يثير غيظه بشكل واضح.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00