منذ البداية، كانت قيادة المملكة العربية السعودية واضحة جداً مع الجانب الايراني: إنّ الاستعداد السعودي للتعاون مع إيران لإطفاء خطر الفتنة المذهبية، الشيعية ـ السنية في المنطقة، مجاله الرئيسي في لبنان، والمدخلُ الاساس الى وأد الفتنة في لبنان هو المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
إقرار المحكمة "كما وردت".. وحكومة 19+10+1
ولأنّ إيران اعتبرت ان لا مصلحة لها في ان تشتعل الفتنة، أتى المفاوض الايراني بموافقة بلاده على قيام المحكمة الدولية، واتفق مع المفاوض السعودي على ان إقرار المحكمة بنظامها الاساسي كما جرى التوقيع عليه بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة، هو المعبر باتجاه البنود الأخرى من التسوية.
وبناءً على هذا الاتفاق بشأن إقرار المحكمة "كما وردت"، إنتقل الطرفان السعودي والايراني الى العناوين الأخرى، فاتفقا على ان تتشكل "حكومة وحدة وطنية" كما تطالب "المعارضة" على قاعدة الصيغة التي كان الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى اقترحها أي صيغة 19+10+1، على ان تكون تسميةُ الوزير الحادي عشر بالتفاهم بين فريقَي الصراع من بين خمسة أسماء تجري غربلتُها في مرحلة تمهيدية. كذلك اتفقا على أن تجري انتخابات رئاسية مبكرة، وعلى أن يتم في مرحلة لاحقة التوافق على قانون جديد للانتخاب. اما الانتخابات النيابية المبكرة فلم ترد ولم تُطرح اصلاً.
إيران كتبت "الأفكار"
هكذا اذاً، قامَ الاتفاق السعودي ـ الايراني كما يؤكد العارفون بالمفاوضات على خط الرياض ـ طهران. واكثر من ذلك، يلفت العارفون الى أن المملكة العربية السعودية لم تمارس ضغطاً على ايران في سبيل إنجاز هذا الاتفاق، والى ان الجمهورية الاسلامية هي من كتب البنود المشار اليها، في صيغة اقتراحات إيرانية على المملكة.
وكما يقول المثل الشائع، فان المملكة "لم تضرب إيران على يدها" للوصول الى هذا الاتفاق. لكن، في الاتفاق ايضاً، أن تقوم طهران بالاتصال بالنظام السوري لأخذ موافقته من جهة وبإبلاغ تحالف ما يسمى "المعارضة" في لبنان بما تم التوصّل اليه من جهة ثانية.
"قناة الاتصال"
في هذه الأثناء، وفي إطار مواكبة الاتصالات السعودية ـ الايرانية، ومن أجل التمهيد لـ"إخراج" الاتفاق لبنانياً، اي في انتظار الجواب السوري عبر ايران، تشكلت "قناة اتصال" بين فريقي 14 آذار و8 آذار، تولاها "تيار المستقبل" ممثلاً بالنائب السابق غطاس خوري عن الفريق الاول، والنائب عن حركة "أمل" علي حسن خليل ممثلاً الرئيس نبيه بري عن الفريق الثاني.
التفاف برّي
تبادل الممثلان افكاراً عدة بشأن "النوايا" وإعلانها.
الى ان تقدّم برّي بـ"إقتراح" بعد عدة ايام. ويتضمن الاقتراح الإعلان عن اتفاق على التزامن بين تشكيل لجنة لبحث المحكمة من ناحية وموافقة الاكثرية على تشكيل حكومة على قاعدة 19+11 من ناحية ثانية.
حيال هذا الطرح، كان موقف "تيار المستقبل"، الاستعداد لـ"إعلان نوايا" صادق ومتوازن: القبول بإقرار المحكمة الدولية من جانب الفريق الذي يمثله بري والقبول بتعديل الحكومة بما يؤدي الى تمثيل الكتلة العونية فيها من جانب الفريق الذي يمثله "المستقبل". وبكلام آخر، كان الموقف واضحاً: لا مجال للموافقة على "لجنة للمحكمة" في مقابل "الحكومة"، لأن "المستقبل" وفريق 14 آذار لا يقبلان بمقايضة المحكمة الدولية بأي شيء أصلاً، ولانهما اذ يعتبران ان "إقرار المحكمة" وليس تشكيل "لجنة" لها هو المعبر الى الحل، لا يوافقان على إقفال البحث في الوزير الحادي عشر مسبقاً بما انه لا بد ان يأتي بالتوافق.
تصعيد رئيس "أمل" في موازاة الاتفاق
إذاً، من الواضح ان ما طرحه بري "متخلف" عن الاتفاق السعودي ـ الايراني، لا بل ينسفُه.
الا ان اللافت، كان قيام الرئيس بري بـ"تسريب" هذا الطرح، بالتزامن مع توصل الرياض وطهران الى اتفاقهما.
وقد ارفق بري "التسريب" بكلام "سياسي" تصعيدي فيه ان ظروف لقائه برئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري غير ناضجة، وانه لا يريد إعطاء آمال مخادعة من هذا اللقاء، وفيه "التهديد" بأنه سوف "يفضح" من يعطّل الحلول والتسويات آخر الشهر الجاري. لكن أبرز ما في الكلام التصعيدي ممّا يقوله بري في المجالس المغلقة، هو "الصحوة اللبنانية" التي يحرص على إظهارها، إذ يشدّد في كلامه على ما يسمّى "الحل الداخلي" للأزمة اللبنانية "تلطيشاً" منه على المساعي الخارجية. واللافت أيضاً ان رئيس "حركة أمل" ـ في المجالس المغلقة أيضاً ـ يغطّي النسف "الفعلي" للاتفاق السعودي ـ الإيراني بكلام "كبير" عن استقلاله عن سوريا، وعن استعداده للسير بالمحكمة الدولية حتى "لو" كان النظام السوري رافضاً، في الوقت الذي يضع "العقدة" في الموضوع الحكومي.
بري والأسد
ماذا حصل في واقع الأمر؟.
يبدو أولاً ان "حزب الله" الذي لا "يستطيع" معارضة الاتفاق السعودي ـ الإيراني، رأى ان بري "مؤهل" أكثر منه لتولي مهمة "النسف"، علماً ان الحزب يواكبه من "خطوطه الخلفية" بقصف سياسي على الأكثرية تارة تحت عنوان ان المملكة لم تعد تمون على حلفائها اللبنانيين وتارة أخرى تحت عنوان ان الأكثرية هي من يتنصّل من اتفاق الرياض وطهران.
ويبدو ثانياً ان الجواب السوري على الاتفاق السعودي ـ الإيراني، قد جرى صوغُه بـ"طريقة" معينة لتقديمه إلى المملكة عبر إيران. ويبدو ان رئيس النظام السوري اعتمد موقفاً لـ"العلن" هو الذي نقله عنه الرئيس سليم الحص، وفيه انه ليس ضدّ المحكمة، ومع "بعض" التعديلات.. ومع ما يتوافق اللبنانيون بشأنه. لكنه في موقفه "الفعلي" اعتمد على الرئيس بري كي يصل إلى الهدف، تاركاً لبري "النسف" على طريقته.
ويبدو ثالثاً ان "الجواب السوري" هو القصف على الأفكار المتضمّنة في الاتفاق السعودي ـ الإيراني قصفاً على المملكة بالدرجة الأولى، وقد أوكل إلى بري قطع الآمال بإمكان التسوية.
وهكذا، وبدلاً من أن يلعب بري دور المساعد لـ"المخرج" العربي والإقليمي، "حنّ" إلى دور المساعد لـ"المخرج السوري" الذي من عادته إنتاج المسلسلات الدرامية. ويأتي ذلك، في وقت تنقل أوساط في "المعارضة" ومنها أوساط رفيعة في "حزب الله" ان بري كان خلال الأسابيع الأخيرة الأكثر إلحاحاً على التصعيد وان بعضاً من هذا التصعيد كان مراعاة له.
"حشرة" الدورة العادية
ولعل هنا ثمة ما يجب توضيحه.
ففي غضون ثلاثة أسابيع، تبدأ دستورياً الدورة العادية للمجلس النيابي. وعلى ما يبدو فإن بري محشور بأمر هذه الدورة.
وبما ان للنظام السوري موقفاً يعني عملياً أن لا تسوية يمكن أن تبصر النور خلال هذه الأسابيع القليلة المقبلة، وبما ان بري تبلّغ هذا الموقف، فإنه وفي محاولة للخروج من هذه "الحشرة" يصعّد و"يختلق" معطيات ليبرّر "التلاعب" اللاحق بالدورة النيابية، مستكملاً مسلسل تعطيل هذه المؤسسة وخطفها.
إذاً، يقرأ العارفون تصعيد بري بوصفه الجواب السوري على الاتفاق السعودي ـ الإيراني، أي بوصفه النسف الفعلي لهذا الاتفاق، وإن كان كثيرون من العارفين "يأسفون" لمبادلته الرغبة السعودية الصادقة بالتعاون معه بالمناورات لحساب نظام الأسد، بالرغم من إدعاءات "البطولة" والقدرة على الاستقلال عن هذا النظام ومآربه.
إيران "الصادقة".. إيران الشارية للوقت؟
وسط هذه الصورة التي أعيد تظهيرها تبياناً لـ"الحقيقي" من "المزوّر" ممّا يحيط بمضامين الاتفاق السعودي ـ الإيراني، وإظهاراً للتضليل الذي يمارسه التحالف المسمّى "معارضة"، تبرز أسئلة عن "حقيقة" الموقف الإيراني، بالرغم من الاتفاق الذي جرت الإشارة إلى مضامينه.
لا يمكن في أي حالٍ من الأحوال إسقاط إحتمال الصدق الإيراني في التعاون مع المملكة العربية السعودية على معالجة الأزمة اللبنانية، بما ان عدم حلّ هذه الأزمة يفتحها على احتمال الفتنة، وبما ان إيران "لا تحتاج" إلى هذه الفتنة "حول" مصالحها في المنطقة.
لكن، لا يمكنُ في المقابل الاسقاطُ المطلق لفرضية ان ايران تحاول ضمن الظروف الاقليمية والدولية المحيطة بها، شراء الوقت او بعضه، فتكون بذلك متقاطعة مع النظام السوري الساعي الدائم الى شراء الوقت.
في الحالة الاولى، أي حالة الصدق في التعاون مع المملكة، يكون ثمة ما هو مطلوبٌ من ايران تجاه نظام بشار الأسد. ذلك انه لا يمكن تخيّل أنّ يكون في وسع الأسد "التجرّؤ" على السياسة الايرانية ومصالحها.
اما في الحالة الثانية، أي في حالة المناورة بالوقت، يكون ثمة تنسيق وتوزيع للأدوار بين طهران ودمشق، وهو أمرٌ لن يتأخر إتضاحه، وهو رهنُ أيام قليلة.
المهمّ ان "رسالة" التعطيل السوري وصلت ولابد من تقويم "جديد" للحسابات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.