يحاول النظام السوري أن يُسابق الوقت. المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تقضّ مضجعه. العزلة العربية والدولية تطوّقه. الاتصالات المفتوحة على غير صعيد إقليمي ودولي لا تستثني أحداً غيره. وإستدراج العروض الذي ما فتئ يقوم به انطلاقاً من دوره التخريبي في غير مكان من المنطقة، لم يصل الى نتيجة.
"فرصتان" فاشلتان لإسقاط المحكمة
كان نظام الأسد يأمل أن ينجح في لبنان، في دفن المحكمة الدولية، وأن ينجح على قاعدة دفن المحكمة في استعادة نفوذ أكبر ضمن المعادلة اللبنانية أولاً وفي استعادة نسبة من الحضور الإقليمي ثانياً وفي إعادة تثبيت نوع من "الشرعية" التي لم يستطع أن يجيّرها لنفسه عندما ورث بشار والده قبل سبع سنوات ثالثاً.
"فرصتان" حاول نظام بشار الأسد إيجادهما وإستثمارها في الاتجاه المذكور.
كانت حرب تموز ـ آب "الفرصة" الأولى. كان يأمل منها أن تؤدي الى تغيير في المعادلات بما يعيده "لاعباً" في لبنان وعلى مستوى أزمة المنطقة. وكان يأمل منها أن تتمخّض عن نتائج تؤدي الى إغراق المحكمة الدولية في بحر تطوّرات إقليمية جديدة. وباختصار، كان يأمل أن يجد سبيلاً الى اكتساب "شرعية" مفقودة، في مجرى "مواجهة" ما ولو غير مباشرة مع إسرائيل.
وكان الانقلاب الذي دعا إليه ورعاه في الداخل اللبناني، ووضعه موضع التنفيذ منذ نحو ثلاثة أشهر، "الفرصة" الثانية. ومن الواضح هنا أنه كان يأمل أن يعيد مصادرة القرار اللبناني، وأن يعيد تحكّمه بمفاصل هذا القرار، وأن يقضي تالياً على المحكمة الدولية أو القرار اللبناني بهذه المحكمة، وأن يستعيد "الملف اللبناني" الى أوراقه.
نظام الأسد: خطّ التخريب وخطّ الاحتماء بإيران
ضاعت "الفرصتان"، ولم تتحقّق النتائج التي كان يأمل بها. فماذا يفعل؟
في الجواب عن هذا السؤال، تفيد المعلومات الآتية حديثاً من دمشق أن نظام الأسد قرّر السير في ثلاثة خطوط متوازية.
الخط الأول هو مواصلة نهجه التخريبي، في لبنان خصوصاً. فهو يعتبر أن ليس عنده ما يخسره في هذا البلد، وهو مستمر في رهانه على أن يأتي يوم يُدعى فيه الى البحث. ويعتبر انّه إذ "أعطى" في العراق اعترافاً بحكومة نوري المالكي، وفي فلسطين غضاً للطرف عن اتفاق مكة بين حركتي "فتح" و"حماس"، يمكن أن يكون مرتاحاً في تخريبه في لبنان.
والخط الثاني هو إحكام ربط نفسه بإيران. وفي هذا المجال، لا يخفى أن النظام السوري يراهن على أحد احتمالَين: إما أن تتوصّل إيران الى مجموعة من التسويات إقليمياً ودولياً، ودولياً بشكل خاص، فـ"تمرّره" معها، وإما أن يكون "ظهيرها" في أي "مواجهة" تنشأ بينها وبين الولايات المتحدة، من نتائجها ـ "المواجهة" ـ خلط الأوراق في المنطقة.
وخط ثالث: استدراج حرب مع إسرائيل
أما الخط الثالث، فهو الذي تفيد المعلومات أنه عاد أخيراً الى الواجهة، وهو خط إستدراج حرب مع إسرائيل، يكون لها وقع كبير.
وفي هذا السياق، عادت المعلومات الى الحديث عن قيام نظام الأسد منذ مدة بحلّ فرقتين من الجيش السوري النظامي وتحويلهما الى "مقاومة" في هضبة الجولان. وتقول المعلومات أن النظام السوري قام بمساعدة إيرانية ببناء تحصينات دفاعية كبيرة على الحدود شبيهة بتلك التي بناها "حزب الله" في الجنوب في السنوات السابقة وقبل حرب تموز 2006. وتشير المعلومات أيضاً الى أنه أقام محطّات للرصد والإنذار، وإلى أنه عزّز تسليح جيشه.
وفي هذه المعلومات أن نظام الأسد "يخطّط" لحرب تزاوج بين الطابع "النظامي" وبين "المقاومة"، ويأمل أن يحقّق فيها صموداً معيّناً أي ألاّ تنتهي بسرعة لكنه يأمل في الوقت نفسه ألاّ تتحوّل الى حرب "مفتوحة" زمنياً. كذلك تفيد المعلومات أن النظام السوري الذي حدّد الموعد في نيسان المقبل "مبدئياً"، "يتوقع" مساندة من "حزب الله" على جبهة جنوب لبنان، إن لم تكن إيران قد دخلت بنفسها في مواجهة مع أميركا.
وفي هذا السياق، تلفت المعلومات إلى انّ النظام السوري طلب من أتباعه في لبنان "الصمود" حتى نهاية آذار المقبل، ما يشير إلى انّه ينتظر "شيئاً ما" في نيسان.
وتؤكد المعلومات، التي تتكرّر أكثر من مرة بين حين وآخر عن هذا السيناريو، أن النظام في سوريا قرّر أن يلعب "الصولد". ففي تقديره أن حرباً "عربية ـ إسرائيلية" جديدة لحسابه أو إقليمية أوسع، من شأنها أن تقلب المعادلات، ومن شأنها أن يخرج منها النظام قوياً وقد أعاد الاعتبار لـ"شرعيته" وقد وأوجد "مناخاً" تسقط المحكمة الدولية معه، بقوة التطوّرات، بما أن هذه الحرب ستعيده في تقديره الى واجهة المفاوضات الإقليمية والدولية بشروط جديدة.
تقديره أن ليس لديه ما يخسره
إزاء هذه المعلومات، ثمة قراءة تحليلية يتقاطع كثيرون على تبنّيها.
في هذه القراءة أولاً أن ليس مستبعداً بالمطلق أن تكون هذه المعلومات "فعلية" وأن يكون نظام بشار الأسد في صدد خطة من هذا القبيل تالياً. ذلك أن هذا النظام يتصرّف على أنه بات في المربّع الأخير والوحيد، وأن ليس لديه ما يخسره بل ثمة ما يأمل بأن يربحه. وإذا كانت هذه الخطة تمثّل "مغامرة" بمقاييس عدة، فليس في تاريخ الأسد الإبن ما يؤشّر الى عقلانية وتعقّل، بل كل تاريخه على قِصَرِه يفيد أنه متهوّر وأنه يمكن أن يُقبل على خطة من هذا النوع على قاعدة "عليَّ وعلى أعدائي".
قراءة خاطئة لحرب "حزب الله"
غير أن في هذه القراءة ثانياً، أن المعلومات التي جرى استعراضها آنفاً، تفيد أن النظام في سوريا "ركّب" الخطة على قياس ما يريده منها وليس فيها ما يأخذ في الاعتبار "الاحتمالات" المختلفة.
منذ أيام، وفي خطابه الأخير، سجّل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حقيقة أن حرب تموز الأخيرة كانت الحرب العربية ـ الإسرائيلية الوحيدة التي لم تحظَ بتغطية عربية. وما قاله السيد كملاحظة وكاستنتاج صحيح، لكنه لم يقدّم ما يُفهم منه أنه يعرف لماذا. ذلك أن حرب تموز من ضفّتها اللبنانية، أي من ضفّة "حزب الله"، لم تُقرأ من جانب الدول العربية على أنها حرب ضد إسرائيل فقط، أو أنها تمتلك مشروعية الحجّة ومشروعيّة التوقيت. لقد قُرأت حرب تموز عربياً، أي على الصعيد العربي الرسمي، على أنها حرب على "النظام العربي" أيضاً، وعلى أنها ممرّ الى نقل الصراع مع إسرائيل من يد العرب الى يد إيران، وعلى أن فيها نسبةً من "مذهبة" الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وعلى أنها ضغطٌ على وضع الشارع العربي قبل أن يعود الشارع العربي الى قراءة "باردة" لتلك الحرب في ضوء توظيفاتها اللاحقة.
طبعاً، النقاش ليس الآن مع السيد حسن نصرالله، علماً أن إعادة قراءة الوضع العربي ضرورية في مراجعته لحرب تموز. بيدَ أن هذا الاستطراد هو برسم نظام الأسد، للقول أن تخطيطه لحرب سورية ـ إسرائيلية "ما" لن يجعل منها حرباً "عربية" ـ إسرائيلية، لأن لا علاقة لها بأهداف الصراع العربي ـ الإسرائيلي من ناحية وهي محاولة توريط لـ"النظام العربي" من ناحية ثانية، ولأنها تقع في امتداد إشاعة الفوضى الإقليمية من ناحية أخيرة.
المغامرة بالجنوب
وفي هذه القراءة ثالثاً أن في خطة النظام في سوريا بحسب المعلومات، رهاناً على أن يقوم "حزب الله" بفتح جبهة الجنوب اللبناني مجدداً. وفي هذا المجال، لا بد من التذكير بأن القرار 1701 الذي يمثّل النتيجة السياسية التي يُعتدّ بها لحرب تموز، أدخل معطيات استراتيجية جذرية جديدة على الوضع في جنوب لبنان. وفي مقدّم المتغيّرات أن الجنوب بات في عهدة استراتيجية "دفاعية" دولية أساساً ودولية ـ لبنانية رسمية عملياً، ما يعني أن فتح جبهة الجنوب مجدداً مجازفة بصدام مع القوات الدولية والجيش اللبناني ينذرُ بنتائج كارثية.
وفي هذه القراءة رابعاً وأخيراً، أن النظام السوري يراهن على "التحكّم" بالخطة، أي أنه يراهن على أن يخرج على قيد الحياة وبطلاً، ولعلّه يؤمن بـ"تسامح" إسرائيلي ما معه، انطلاقاً من الموقف الإسرائيلي المتكرّر دفاعاً عن بقاء هذا النظام. بيدَ أن الحرب التي يريدها، بدلاً من أن تنتهي الى إغراق المحكمة الدولية وإسقاطها، يمكن أن تنتهي بسقوط النظام وانتصار المحكمة، لأن الحرب من ضفّتها الأخرى لن تكون إسرائيلية بحتة بل دولية ـ أميركية ـ إسرائيلية.
التعطيل السوري للتسوية والضرب بـ"السيف الإيراني"
على أن ما ينبغي قوله بعد هذه المقدّمات جميعاً، هو أنه على الرغم من "المنطق" الذي تقوم عليه القراءة الآنفة للمعلومات عن خطط النظام السوري، ليس مستبعداً بالمرّة أن يتابع هذا النظام سيره فيها. وذلك ما يستدعي استخلاص عدد من الاستنتاجات في ما يتعلّق بالوضع اللبناني في المباشر.
الاستنتاج الأول ثابت، وهو أن النظام السوري الذي يخوض حرباً ضد المحكمة الدولية، لا بل يخطّط لحرب أكبر من أجل إسقاطها، لا يمكن إلاّ أن يواصل مباشرةً وعبر حلفائه وأتباعه تعطيل الوساطات والمبادرات الساعية الى تسوية متوازنة للأزمة اللبنانية يشكّل إقرار المحكمة الدولية المدخل إليها. وأكثر من ذلك، يجب القول أن مشاريع التسوية تُقدّم في مرحلة حرب سورية على "النظام العربي" الراعي لمشاريع التسوية.
والاستنتاج الثاني، هو أن النظام السوري لا يزال يضرب بـ"سيف إيران". وحتى لو كانت إيران في صدد تنظيم انفتاح معيّن على "النظام العربي"، فمن الواضح أنها ليست في صدد ضغوط على نظام دمشق. ويتعزّز هذا الاعتقاد من أن الأيام القريبة المقبلة تعتبر فاصلةً بالنسبة الى طهران، خصوصاً في ضوء ما سيكون عليه الموقف في مجلس الأمن هذا الأسبوع لدى مراجعته الملفّ النووي الإيراني.
والاستنتاج الثالث، هو أن الوضع في الجنوب، الذي لا يمكن اعتبار أن إيران فكّت ارتباطها به نهائياً، والذي يحاول نظام الأسد ربطه بمغامراته، سيكون في دائرة الخطورة في الأسابيع المقبلة، علماً أن الوضع الجنوبي تحت المراقبة الدولية المكثّفة منذ مدة غير قصيرة.
أسابيع "مضنية"
أما الاستنتاج الرابع فهو أن التحالف السوري ـ الإيراني في لبنان سيذهب الى مزيد من التوتير. وهنا، من الواضح أن فشل هذا التحالف في تغيير الموازين في المرحلة السابقة لا يشكّل مانعاً للتوتير، بما أن هدفه في الحد الأدنى هو استمرار التعطيل.
في هكذا أجواء، لا بد من توقّع أسابيع "مُضنية". هكذا يقول "العقل" الذي لا يسمح لنفسه بافتراض "المعجزات" البشرية. وحيال ذلك، "يجب" أن يكون شرح فريق 14 آذار لجمهوره وافياً، و"يجب" أن يساعده العرب في توضيح من هو المعطّل ولماذا يعطّل، كي لا يُترك للتحالف السوري ـ الإيراني في لبنان المجال لتضليل الناس. و"يجب" أن يحصّن فريق 14 آذار نفسه بـ"استراتيجية" جديدة لا مكان فيها لـ"هبّة باردة" تارةً ولـ"هبّة ساخنة" تارةً أخرى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.