ثمة نقاش هذه الأيام للمواقف التي تعبّر عنها الكنيسة المارونية، تحديداً منذ اندلاع الأزمة اللبنانية في صيغة "مفتوحة" اعتباراً من الأول من كانون الأول الماضي عندما أطلقت ما يسمى "المعارضة" تحرّكها الانقلابي.
رأي أول حول الكنيسة: أعطت الحدّ الأقصى
وفي هذا النقاش، برزت ثلاثة آراء أو ثلاثة "تلاوين" إذا جاز التعبير.
الأول، يعتبر أصحابه أن الكنيسة بطريركاً ومجلس مطارنة، أعطت أقصى ما يمكنها من مواقف ضد الانقلاب قيد التنفيذ. فهيَ منذ اليوم الأول هاجمت النزول الى الشارع، وواظبت على رفض الاعتصامات المفتوحة وإغلاق الطرقات، وحذّرت من النتائج الكارثية لعملية الاحتكام الى الشارع. كذلك، فإن الكنيسة المارونية "خلعَت" رئيس التمديد إميل لحود لا بل تعمّدت الكشف عن طلبها منه التنحّي لفتح أفق الحل. ودعمت الجيش اللبناني ودوره واتّخذت من السلاح خارج الشرعية موقفاً حازماً. وإذ تمسّكت برفض التدخّلات الخارجية، لا سيما التدخّل السوري "التفجيري" تأكيداً على استقلال لبنان وسيادته وقراره الحرّ، رأت في العودة الى الحوار داخل المؤسسات الدستورية، السبيل الوحيد الى الخروج من الأزمة. وفوق كل ذلك وقبله أيدّت قيام المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الاخرى، ودعت الى إقرارها دون إبطاء.
ورأي ثانٍ: ملامح حياد "غير مفهوم"
الرأي الثاني، يعتبر أصحابه من جانبهم أن المواقف المشار إليها على أهميتها، لم تستُر نوعاً من "الحيادية" مارستها الكنيسة. تتجلّى "الحيادية" من وجهة نظر هؤلاء في أن الكنيسة كما في "المبادرة" التي أعلنت عنها خلال كانون الأول الماضي، تضع الجميع على المستوى نفسه من المسؤولية عن الأزمة، وتطرح عناوين يمكن لكل فريق أن يأخذ منها ما يريد. ويضيف أصحاب هذا الرأي أن الكلام عن تبادل اتهامات بين فرقاء الأزمة، يمثّل هروباً من تحديد المسؤولية، وأن وضع الجميع على قدم المساواة أخلاقياً هو "حياد" غير مفهوم، وأن النقد المتوازي للخطاب السياسي لدى الفرقاء هو "حياد" أيضاً، وأن التعامل من جانب الكنيسة مع الأزمة على أنها "سياسية" وليست "وطنية"، أي بوصفها أزمة توزيع للسلطة، هو في خلفيّة تلك "الحيادية".
وثالث: عودوا الى الدور التاريخي للبطريرك
أما الرأي الثالث، فيرى أصحابه أن في كل رأيٍ من الرأيَين السابقَين ما يدعمه. لكنهم يسارعون الى "اقتراح" قراءة مختلفة لمواقف الكنيسة، هي نوعٌ من القراءة "الإجمالية" التي يتبيّن من مفاصلها أن بكركي ليست محايدةً البتّة في الصراع حول لبنان وفيه.
وفي هذا المجال، لا يكتفي أصحاب هذا الرأى بالتذكير بدور بكركي "الطليعيّ" في معركة الاستقلال اللبناني الثاني والتي افتتحت في العام 2000 بالنداء الأول الشهير لمجلس المطارنة الموارنة، واستمرّت الكنيسة تتقدّم الصفوف فيها حتى تلاقي كافة روافد هذا الاستقلال بين العامين 2004 و2005، ولا يكتفون بالتذكير بتصدّي الكنيسة وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير لمتابعة معركة الاستقلال بعد الخروج السوري من لبنان، بل يعيدون الى الأذهان مواقف ـ محطات في هذا السياق.
لم تضع "هذه" الكنيسة وعلى رأسها البطريرك صفير نصب عينيها الشريحة المارونية من المجتمع اللبناني فقط، ولم تعتبر أن المسألة اللبنانية مسألة مارونية يمكن حلّها بمعزل عن حلّ المسألة اللبنانية برمّتها.. بالاستقلال. ورفضت "هذه" الكنيسة المقايضة مع النظام السوري، نظام الوصاية السابق، على حساب الشريك المسلم. وهي في تقويمها للمرحلة السابقة على اتفاق الطائف، خرجت بـ"وعي تاريخي" يقدّم نقداً لـ"التجربة" المسيحية ويؤكد على العيش المشترك. وتوّجت "هذه" الكنيسة كل ذلك بالوثيقة الصادرة في الربيع الماضي عن المجمع البطريركي، المتضمّنة "فلسفة" بكركي ونهجها في "القضية اللبنانية"، وهي "فلسفة" تتلخّص في جملة مفتاحيّة تؤكد أن الموارنة للبنان وليس لبنان للموارنة.
وتأسيساً على ما تقدّم، يلفُت أصحاب هذا الرأي الى أن لا "حيادية" في هذه الطروح على الإطلاق، لا بل هي الطروح التي رفدَت ولا تزال ترفد معركة الاستقلال الثاني على أساس الشراكة الوطنية الإسلامية ـ المسيحية. كما يلفتون الى الموقعيّة التاريخية التي ارتقت إليها "هذه" الكنيسة بالذات، والتي ذكّرت بموقعيّة الأسلاف في العشرينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وبـ"تضحيات" البطريرك صفير نفسه خلال الحرب اللبنانية بين العامين 1975 و1990.
الكنيسة وإشكالية التعاطي
مع "انقسام سياسي مسيحي"
طبعاً، إن استعراض هذه الآراء الثلاثة لا يلخّص النقاش الذي أدى الى بلورتها. وللقارئ أن يتصوّر "مخاض" هذا النقاش الذي انطلق في الأصل من اتفاق على أن موقف الكنيسة بالغ الأهمية من أجل "تمييل" التوازن العام في البلاد.
على أن هذا النقاش الذي بدأ بثلاثة آراء "تقريبيّة"، إنما انتهى الى اقتناع جماعيّ بأن لا حيادية في مواقف الكنيسة، لكنه في الوقت نفسه بلور إشكاليّتين رئيسيّتين.
الأولى، على قاعدة أن الكنيسة "توجّه" الوضع المسيحي لكن بأفق الشراكة الوطنية المسيحية ـ الإسلامية، هي إشكالية القدرة على التعاطي مع ما تعتبره الكنيسة انقساماً سياسياً مسيحياً.
.. وإشكالية القدرة على قيادة مشروع وطني
والثانية، هي إشكالية القدرة على صوغ قناعة بتجاوز ما تعتبره انقساماً سياسياً، أي القدرة على صوغ مشروع سياسي وطني وقيادته بما يهمّش "الانقسام".. أي القدرة على الاقتناع بأن الكنيسة "طرف" بما أن طروحها العامة ليست محايدة.
وبهذا المعنى، لا بد من التأكيد أن الكنيسة "طرف" بمقياس المرحلة التي يجتازُها لبنان. فلبنان واللبنانيون اليوم أمام مفصل تاريخي من حياتهم. والصراع الدائر في لبنان اليوم ليس صراعاً سياسياً عادياً، بل هو صراع يتعلّق بالخيارات الوطنية الكبرى: هل لبنان بلد مستقل سيّد وحرّ أم أنه مستتبع لمحاور خارجية؟ هل هو وطن نهائي لجميع أبنائه أم ساحة لاشتباك الخارج؟ هل نظامه ديموقراطي أم ديكتاتوري؟ هل يقوم على الوفاق أم على الغَلَبة؟ هل له دور يلعبه في المنطقة والعالم أم لا دور له سوى تلقّي ارتدادات الخارج؟ إلخ..
"وجه أول" في 14 آذار: غياب "البرنامج المتكامل"
وكي يكون النقاش منصفاً لبكركي وسيّدها، كان لا بد له أن يمرّ على سؤال جوهري: هل ثمة قناعة لدى جميع الاستقلاليين والسياديين، أي لدى قوى 14 آذار تحديداً بأن الأزمة الراهنة "وطنية" وليست "سياسية"؟ أما السؤال الجوهري الآخر المتفرّع عن سابقه فهو: هل لدى قوى 14 آذار قناعةٌ بالشراكة الوطنية وقدرة على ترجمتها عملياً ويومياً بالتالي؟
في الجواب عن هذين السؤالين، ودائماً كي يكون النقاش منصفاً للجميع، لا بد من التوقف عند وجهَين من "الصورة".
في الوجه الأول، ليس سراً أن في "بعض" أداء فريق 14 آذار جانباً يبدو منه أن ثمة تعاطياً "سياسياً" مع أزمة كبرى، أي أن هذا الفريق يبدي في أحيان كثيرة استعداده لمناقشة تسويات "سياسية" جزئية قد لا "تخدم" أكثر من فترة قصيرة وقد تكون محطّة ضمن الأزمة، لكأنّما الصراع الدائر ليس حول عناوين وجوديّة كبرى. وهكذا، يغيب عن النقاش، في الجواب على موضوع ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" مثلاً، البرنامج المفترض لهذه الحكومة.
وفي الوجه الأول من "الصورة" أيضاً، أن لدى حركة 14 آذار مجموعةً من "العناوين" المهمة، لكنها عناوين لا ترتقي حتى الآن الى مستوى برنامجي "متكامل" يطرح تصوّراً مستقبلياً، لكأنما لا تتعاطى هذه الحركة مع نفسها بوصفها نوعاً من "الجبهة الوطنية" ذات ديمومة معيّنة.
.. وانقطاع في التواصل المسلم مع بكركي
وفي الوجه الأول من "الصورة" أنه، وبسهولة، يمكن ملاحظة قدر كبير من الانقطاع بين أطراف الشراكة الوطنية، لا سيما بين مسلمي 14 آذار وبكركي. لا بل يمكن، في لحظات معيّنة، ملاحظة غياب التنسيق الوثيق مع مرجعيّة بكركي حيال مفاوضات داهمة أو تطوّرات معيّنة أو مشاريع واقتراحات متداولة.
في الوجه الأول إذاً أن ثمة ما يجب الانتباه إليه جيداً، من جانب الشريك المسلم أو الشركاء المسلمين تحديداً، وأن ثمة ما يجب تطويره "بنيوياً" في حركة 14 آذار، بحسب ما يقول مسيحيّون مواكبون لحركة 14 آذار بشكل خاص.
في الأسباب "التخفيفية":
ضغط المرحلة الانتقالية إقليمياً
أما في الوجه الثاني من "الصورة"، فيدخل في الاعتبار أن الأزمة اللبنانية، بما أنها على تقاطع عوامل إقليمية وازنة، وبما أن الوضع الإقليمي نفسه في صميم مرحلة انتقالية عسيرة، قد تتطلّب ـ أي الأزمة اللبنانية ـ تسويات سياسية جزئية وانتقالية. وبهذا المعنى، فإذا بدا أن ثمة تعاطياً مع مقترحات سياسية جزئية، فذلك لا يعني عدم وعي حقيقة أن الأزمة من طبيعة "وطنية".
بكلام آخر، يجب ألاّ يغيب عن بال أحد أن المرحلة الانتقالية إقليمياً طويلة، وأن حُسن "إدارة" الوضع اللبناني في هكذا ظرف إقليمي بالغ التعقيد يتطلّب التعاطي مع صيغ مرحلية تجنباً للانفجار.
.. والحسابات العربية..
والمخاض السياسي المسيحي
وفي الوجه الثاني أيضاً، أن الظروف السياسية والأمنية التي تحيط بنضال حركة 14 آذار بالغة الحرج والخطورة، مما يعيق التواصل في أحيان كثيرة.
بيدَ أن الحديث عن ظروف سياسية هنا، يجب أن يكون واضحاً أنه يتناول في ما يتناوله، "الاضطرار" الإيجابي الى التعاطي مع حسابات عربية جدية تنطلق من اعتبار أن ما يجري في لبنان ليس فقط بسبب عوامل إقليمية بل هو مؤثّر على الوضع الإقليمي أيضاً. وليس خافياً في هذا المجال أن الدول العربية الأساسية لا سيما المملكة العربية السعودية الساعية الى إعادة تأسيس "النظام العربي" إنما تعتبر معالجة الأزمة اللبنانية أحد مفاتيح العملية التأسيسية للنظام العربي. وبكلام آخر، إن طلب المساعدة العربية، لا بد أن يأخذ في الاعتبار الحسابات العربية أيضاً التي تدخل فيها المعطيات الإقليمية والدولية.
وفي الحديث عن ظروف سياسية تحيط بنضال حركة 14 آذار، لا بد أن يحضر الحديث عن الوضع المسيحي السياسي الذي كان عليه أن يمرّ بمخاض طويل نسبياً حتى يستقرّ على توازن معيّن يستطيع معه تعزيز الشراكة الوطنية.
وأخيراً، في هذا الوجه الثاني، إن الأولويّة المطلقة لمطلب قيام المحكمة الدولية تفرض نفسها، وتجعل التفكير بتسويات ظرفية لتمريرها، مفهوماً.
الصراع طويل ويفترض صياغة متوازنة للشراكة
ما الغاية من هذه المقدّمات جميعاً؟
غنيّ عن القول أن المقصود هو إعادة تظهير الموقف اللاحياديّ للكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك صفير، وإعادة رسم الموقع الرئيسي للبطريرك في الشراكة الوطنية من جهة والتأكيد على أن بعض التعبيرات من جانب الكنيسة من حين الى آخر يجب ألاّ تشكّل "تخلّفاً" عن "فلسفة" المجمع الماروني وإن هذه "الفلسفة" تؤهّل الكنيسة وبطريركها لقيادة مشروع سياسي ـ وطني يواجه الأزمة أو للمشاركة في قيادة هكذا مشروع من جهة أخرى.
كذلك، فإن المقصود هو لفت الأنظار الى مواطن "الضعف" في حركة 14 آذار، وفي الشراكة الوطنية، على الرغم من وجود "أسباب تخفيفيّة" وذلك من أجل إعادة بناء هذه الشراكة على أساس متوازن ومتين.
وختاماً، إن المقصود هو الإشارة الى أن الصراع الذي تعيشه البلاد، مديد، حتى ولو تخلّلته "علاجات" انتقالية. فإرساء لبنان المستقلّ السيّد الحرّ، مسألة طويلة في ظلّ التشابكات التي جرى تحديدها غير مرّة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.