في خضمّ الاتّصالات الإقليميّة ـ والدوليّة ـ الدائرة هذه الأيّام بشأن الأزمة اللبنانيّة، تبرز مجموعة من المعطيات التي لا يمكن تجاهلها، والتي تلعب دوراً مؤثراً في مجرى الأحداث كما في مسار الاتّصالات نفسها.
الاتّصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة: الجانب الإيجابي
بداية، من الضروري جداً "معاينة" المعطى الايراني. وهنا، ثمّة "وجه" أول يتعلق بالاتّصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة.
وفي هذا المجال، لا شك ان هذه الاتّصالات إيجابية في حد ذاتها. كذلك فإن بعض نتائجها إيجابي أيضاً. وفي هذا السياق، ينبغي القول إن اتفاق مكة الفلسطيني ـ الفلسطيني برعاية المملكة العربية السعوديّة، بما هو في جانب مهم منه نتاج للاتصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة، إنّما هو معطى إيجابي وإن كان قيد الامتحان في الأيام المقبلة. كذلك، ينبغي القول ان ما أسفرت عنه هذه الاتّصالات من "تدخل" في لبنان لوقف إنزلاق الصراع السياسي نحو فتنة مذهبية شيعية ـ سنية، ايجابي أيضاً إذ يُفترض أنه يضع سقفاً للصراع لا بل يضع خطاً أحمر في وجهه.
إذاً، بمقياس النتائج الأوّلية للاتصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة، ثمّة ما هو إيجابي أوّلياً في فلسطين، وفي لبنان من زاوية ضبط الفتنة. وفي خانة الايجابية ايضاً، يجب تسجيل حقيقة انّ الاتّصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة أتاحت وتتيح أمام ايران فرصة "التعرّف" إلى آفاق التعاون الايراني ـ العربي، والى "إمكان" العلاقة بين إيران و"النظام العربي" قيد إعادة التأسيس.
إيران ليست بعدُ في مرحلة التسويات "الكبرى"
بيد أنّ ثمّة وجهاً ثانياً لا يمكن إنكاره. فالاتّصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة تمّت وتتم في لحظة أزمة محتدمة بين إيران والولايات المتحدة وبينها وبين المجتمع الدولي. كذلك فإن تلك الاتّصالات تتم على مسافة أيام فقط من مراجعة مجلس الأمن للملف الايراني في ضوء قرار العقوبات عليها، وهي مراجعة من المفترض أن تحصل في غضون أيام، وخلال الأسبوع الجاري بالتحديد.
تتم الاتّصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة إذاً في وقت لم يتبلور اتجاه نحو تسوية إيرانية ـ أميركية ـ دوليّة من جهة أولى، وفي وقت لا تزال المواجهة تمثّل احتمالاً قائماً من جهة ثانية، وفي غضون أيّام "قلقة" هي التي تفصل عن موعد المراجعة من جهة ثالثة، وفي وقت لا يمكن القول انّ ثمّة تقدّماً داخل ايران لمصلحة الخط البراغماتي الذي لديه مقاربة مختلفة لمسألة الموقع الاقليمي لإيران من جهة رابعة.
وعلى أيّ حال، فإنّ تدقيقاً في الخطاب الإيراني الذي استُقبل وودّع به رئيس النظام السوري بشار الأسد في طهران، يظهرُ بقاء القديم على قدمه، وتجدّداً في كلام "المقاومة" وإلزام اللبنانيين به كخيار، في موازاة الحديث عن تأييد ما يتفق عليه اللبنانيون "جميعاً".
في مثل هذه "الأجواء" من غير المنطقي الاعتقاد أن الاتّصالات على خط الرياض ـ طهران أفضت إلى اتفاقات "شاملة"، في ما يتجاوز الاتفاق على ضبط الإيقاع في لبنان مثلاً و"ما دون" الحرب الأهليّة. ذلك أنه ليس منطقياً الاعتقاد ان ايران سوف "تشلَح" ما تملكه من "أوراق" في الحوار الاقليمي فيما لا تزال تراقب الموقف الأميركي منها وفيما لا تزال تحت الرقابة الأميركية والدوليّة، أي أن الموقف الإيراني محكوم في تعاطيه مع الملفات الإقليمية بأحد حدّين: إما المواجهة وإما تسوية كبيرة. وهذا ما يضع الاتّصالات بالمملكة تحت سقف "غموض" الوجهة الأخيرة، وإن كان يجب أخذُ بقاء الحال على ما هي عليه في الخطاب والأداء الايرانيَين، في الاعتبار.
النظام السوري: تجاهل عربي ودولي
هذا من ناحية المعطى الايراني وما يمكن قوله بشأنه في "اللحظة" الراهنة.
والآن ماذا عن "المعطى السوري"؟
"يجب" في الحسابات السياسيّة "الدقيقة" اعتبار ان النظام السوري في حال من التوتّر الشديد. فهو خلال الفترة السابقة، كان يأمل تأسيساً على دوره التخريبي في عدد من المدارات الاقليميّة لا سيما في لبنان، أن يستدرج مفاوضات معه. فلا المجتمع الدولي تقرّب منه، ولا الدول العربية الأساسية تعاطت معه، لا بل اعتبرته مستتبعاً للموقع الايراني، وذهبت إلى التفاوض المباشر مع "الأصل" الايراني.
التجاهل العربي والدولي له، سبب أول رئيسي لتوتّره. وفي هذا السياق بالذات، من الواضع تماماً أن نظام الأسد في دمشق والذي كان يأمل سقوط المحكمة الدوليّة في إطار الفوضى الإقليمية، انما خسر "قضيته" هذه. وأبرز الأدلة على ذلك، ان ثمة تقارباً دوليّاً واضحاً في شأن إنشاء المحكمة الدوليّة تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فيما لو استمرّ التعطيل السوري لإبرامها من ضمن المسار الدستوري اللبناني.
وخسر معركتَي حرب تموز وإسقاط الحكومة
وإلى التجاهل العربي والدولي تُضاف حقيقة انّ النظام السوري خسر في لبنان معركتين "كبيرتين".
المعركة الأولى هي بدون شك "معركة حرب تموز". ذلك أنه لا يخفى انّ هذه الحرب من "ضفّتها اللبنانيّة" كانت حرباً تتقاطع فيها المصالح الإيرانيّة والسورية. فمن جهة، كانت ايران تريد أن تنتهي هذه الحرب بنتيجة تكرّس الحدود الإيرانيّة ـ الإسرائيلية (عبر "حزب الله")، ومن جهة ثانية، كان النظام السوري يأمل بنتيجة تؤدي إلى "إغراق" موضوع المحكمة الدوليّة، أي نتيجة تعيد له الاعتبار كلاعب إقليمي لا "قضية" عليه.
أما المعركة الثانية، فهي التي مهّد لها خطاب الأسد في 15 آب الماضي، والتي استهدفت إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بـ"الضربة القاضية" واستُخدِمت فيها كل الوسائل بما في ذلك الفوضى عند حدود الفتنة الأهلية.
ومن الواضح انه إذا كانت "معركة حرب تموز" انتهت، بالقرار 1701، إلى نتيجة مغايرة، فلا الحدود الإيرانيّة ـ الإسرائيلية تكرّست ولا المحكمة الدوليّة سقطت، فإن معركة إسقاط الحكومة فشلت أيضاً ولم تعد لدى قوى هذه المعركة، أي أدواتها، أي إمكانيّة "فعليّة".
إذاً، بالإضافة إلى السبب الأول لتوتّر النظام السوري المتعلّق بالتجاهل العربي والدولي له، فإنّ السبب الثاني هو فشله في معركتَي حرب تموز وإسقاط الحكومة.
وثمّة مَن يُبدي في الأيام الأخيرة اعتقاده انّ نظام الأسد متوتّر من النتيجة "الظاهرة" للاتصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة، أي بضبط الصراع السياسي في لبنان "ما دون" الفتنة الشيعيّة ـ السنّية، على اعتبار انّ من شأن ذلك أن يختزل من قدراته التخريبية، فضلاً عن انّ "مشروعه" في لبنان لا سقف له، وانّ إدخال البلد في حرب أهلية ليس من المحرّمات لديه.
هكذا إذاً، ينبغي الانتباه إلى انّ الاتّصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة حول لبنان، بالرغم من أهمّية تسجيل إيجابيّة "ضبط الفتنة"، علماً ان لا قدرة ايرانيّة على إدخال لبنان في حرب أهليّة "كاملة" أصلاً، انّما تقع حتى الآن على حدّين: الأول هو انّ المعطى الإيراني لا يزال غير قادر على السير في تسويات راسخة إقليمياً ودولياً للاعتبارات المشروحة آنفاً وخطابُه يؤشّر الى تشدّد، والثاني هو ان المعطى السوري معطى تخريبي دائم.
ولذلك، بالرغم من "التمايز" الإيراني المستدلّ عليه من الاتّصالات مع المملكة ومن حساب إيران لـ"مصلحتها" في حسن الجوار مع "النظام العربي" وبالرّغم من "إمكانية التمايز" في أيّ وقت من الأوقات إذا اعتبرت إيران انها في وضع يسمح لها بفتح أبواب التسويات والاتفاقات "الكبرى"، فإن النظام السوري لا يزال في الظروف الراهنة للمعطى الإيراني قادراً على ربط نفسه بـ"إشكاليات" الموقع الإيراني والتأسيس عليها لمواصلة نهجه التخريبي.. ولعلّه أخذ "جرعة" معينة من زيارة رئيسه الى إيران في اليومين الماضيين.
"حزب الله" وخطابه في "المقاومة" و"السلاح"
وكي تكتمل الصورة، لا مفرّ من مقاربة موقع "حزب الله" بين المعطيَين الإيراني والسوري.
في هذا المجال، أعطى "حزب الله" في الفترة الأخيرة عدداً من الإشارات "المعبّرة".
على الصعيد الداخلي، صحيح ان الحزب لم يبادر إلى نعي الاتّصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة، لكنه حاول دقّ إسفين بين المملكة وفريق 14 آذار من ناحية وداخل هذا الفريق من ناحية ثانية.
ومع انّه من الواضح ان الحزب "يشعر" بانسداد الأفق السياسي أمام التحرّك الذي يقود، وبانسداد الأفق أمام أي "تصعيد ما دون الفتنة"، فإنه صعّد موقفه "السياسي" ضدّ "التلازم" بين إقرار المحكمة الدوليّة و"حكومة الوحدة الوطنيّة"، فاستمر حديثه عن الاتفاق "المبدئي" على المحكمة تمهيداً لإقرارها في "حكومة الوحدة" على أساس الثلث المعطّل.
فمن جهة يبدو انّ "حزب الله" يحاول "استرضاء" الاتّصالات السعوديّة ـ الإيرانيّة بتأكيده انّ الفتنة خطّ أحمر، لكنه من جهة أخرى، لا يزال أي تخريب أو تفجير سوري قابلاً للتستّر به.
على أن أهم الإشارات التي أعطاها "حزب الله" في الآونة الأخيرة، هي تلك المتعلقة بالجنوب.
فمنذ مدة غير قصيرة يصعّد الحزب مظاهر "العداء" لقوات "اليونيفيل". وأثار مسألة ترسيم جديد للخط الأزرق بشكل مفتعل. وبين الحين والآخر تحصل "احتكاكات" في مناطق متفرّقة. واستعاد الحزب التجمّعات على الحدود. وها هو ينظم من جديد المسيرات باتجاه الحدود.
غير انّ ما "يجب" الانتباه إليه، هو الخطاب السياسي لحزب الله عن "السلاح". فهو أعلن جهاراً ملكيّته للشاحنة التي صادرها الجيش اللبناني على مداخل بيروت قبل أيام. وأعلن انها تحمل سلاحاً لـ"المقاومة" في الجنوب. ورفض مصادرة أي طلقة، وعاد في خطابه إلى الكلام عن "جهوزية المقاومة" وعن دورها الذي لم ينتهِ وعن "الوظيفة" المستمرة لهذا السلاح. ولم يكلّف "حزب الله" نفسه شرح معطيات موافقته على القرار 1701 وإعلانه الالتزام به ولا شرح مدى التلاؤم بين الالتزام بالقرار 1701 والتسلّح جنوباً.
هذا "الخطاب المقاوم" المتجدّد هو ما ينبغي الانتباه إليه جيداً. ومع انّ ثمّة مَن يعتقدون انّ هذا الخطاب ذو وظيفة "تعويضيّة" عن الأفق المسدود داخلياً، فإن الكثيرين يعتبرون انه خطاب ينطوي على تهديد بجهوزيّة للانقلاب على القرار 1701 في وقت "ما". وحتى لو كان في الأمر "هروب" من الداخل، فإن هذا الخطاب ينطوي على مفردات إعادة الجنوب إلى "ساحة" إقليمية.
لذلك، وبالصلة مع المقدّمات السابقة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: هل لا تزال إيران، في ظلّ الظروف الراهنة لموقعها تعتبر انّ الجنوب يمكن أن يكون إحدى ساحات المواجهة مع الولايات المتحدة وتغطّي أعمالاً من قبل "حزب الله" في هذا الاتجاه؟
لا جدال في ان للنظام السوري مصلحة في فوضى معمّمة في الداخل اللبناني وفي الجنوب. بيد انّ السؤال عن إيران، يتعلّق بما إذا كانت الترجمة لموافقتها على ضبط الصراع السياسي في الداخل اللبناني "ما دون" الفتنة المذهبية، هي إجازة "البديل الجنوبي"، في وقت تؤكد ايران، كما بالأمس أمام الأسد، استمرار المقاومة في لبنان وتطالب بـ"حكومة تليق باللبنانيين" (!).
"التفاؤل" و"الحذر"
عدد من المراقبين استدلّ على تبديد "حزب الله" لأجواء التفاؤل النسبي قبل أيام بتجاهل الأمين العام السيد حسن نصرالله لموضوع المحكمة الدوليّة كلياً. بيد انّ عدداً آخر استدلّ على الأمر من الخطاب في "المقاومة" و"السلاح". والحال انّ لا فصل عملياً بين المسألتين. ذلك انه "يمكن" أن يأخذ النظام السوري التخريب في الداخل على عاتقه، إذا كان "حزب الله" جازماً في الهروب من الفتنة، في مقابل أن يأخذ "حزب الله" الجنوب على عاتقه هو.
قبل مدّة، جرى في هذه الزاوية لفت الانتباه إلى انّ إقتران المكوّنين الإيراني واللبناني لدى "حزب الله" سيتيح "إخراجه" نحو التسوية، أي انّ شرط انخراطه في التسوية هو اقتران هذين المكوّنين "ضدّ" المكوّن السوري. لكن من الواضح الآن، ان "المعطى الإيراني" لا يزال قادراً على أن يتيح لـ"المعطى السوري" الاستمرار في التخريب.
وعلى هذا الأساس، تُقرأ التطوّرات الإقليمية الأخيرة حول لبنان وبشأنه. الحدّ الأقصى من التفاؤل هو أن تكون إيران نجحت في رسم حدود الفتنة المذهبية أمام النظام السوري، مع انه "سيختار" وسائل التخريب الأخرى. لكن في جميع الأحوال، لا يزال الحذر مطلوباً، ولا تزال "المراقبة" أكثر من ضرورية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.