خلال الأيام القليلة الماضية، ارتسمت بشكل كافٍ معالم المشهد المحلي ـ الخارجي المتعلق بالأزمة اللبنانية وآفاقها، الأمر الذي يمكن معه القول ان الوضع في لبنان هو الآن على الحدّ الفاصل بين احتمال التسوية من ناحية واحتمال عدم التوصّل إلى تسوية أي انفجار ما بصيغة ما، من ناحية ثانية.
لا أفق لتصعيد "مُجدٍ"
في المشهد المحلّي اللبناني، لم يعد سراً ان تحالف ما يسمّى "المعارضة" لم يعد يملك أي وسيلة لتصعيد "مُجدٍ"، وانه دخل في دائرة محكمة من المراوحة. فهو بعد أحداث يومَي 23 و25 الأسودَين من كانون الثاني الماضي "اختبر" حقيقة ان التصعيد في الشارع وبوسائل غير ديموقراطية هو مجازفة بالسلم الأهلي ومغامرة بفتنة أهلية. ولعلّ ذلك ما يفسّر إلى حدّ كبير، اعتبار هذا الفريق بقاء خيم "الاعتصام" في ساحتي الشهداء ورياض الصلح "الورقة" الوحيدة التي يملكها، وإعلانه التمسّك بها، بالرغم من العبء الكبير الذي يلقيه "الاعتصام" على كتفيه، الأمر الذي لم يعد يكابر كثيراً في الاعتراف به.
وفي المشهد المحلي اللبناني أيضاً، وفيما يتّضح ان أسباباً كثيرة شعبية وسياسية ودستورية لا تتيح لهذا التحالف إحداث "التغيير" الذي يتوق إليه، فإن مسيرة الوفاء للرئيس رفيق الحريري في الذكرى الثانية لاستشهاده يوم 14 شباط، بدعوة من حركة 14 آذار، أتت تضيف معطيات تعزّز الاستنتاج السابق بأن تحالف ما يسمّى "المعارضة" لا يستطيع تحقيق أي تقدم.
حركة 14 آذار بهّتت "المعارضة"
ومن هذه المعطيات الإضافية ان حركة 14 آذار لا تزال على حضورها الشعبي أولاً بالرغم من الانقلاب عليها طيلة ما يقارب ثلاثة أشهر، وان "نفوذها" المسيحي شعبياً قد زاد ثانياً لا بل استطاعت أن تحسم بدرجة كبيرة تمثيل الشارع المسيحي ما يعكس الانهيار الذي مُني به "الجناح المسيحي" للانقلاب، وان الحضور الشعبي لحركة 14 آذار في الشارع أتى ثالثاً يبهّت إلى حدّ كبير "لعبة الأرقام" التي حاول تحالف ما يسمّى "المعارضة" استخدامها بـ"إفراط".
والأهم الذي لم ينتبه إليه "المعارضون" الذين حركتهم أحقادهم ضد فريق 14 آذار أو بعضه، هو ان خطباء ساحة الحرية والضريح، لم تأخذهم "سكرة" الاحتشاد الشعبي الضخم، فركّزوا هجومهم على النظام السوري (مع ملاحظة "توفير" إيران من الهجوم)، وخفّفوا نبرة الكلام عن "قوى الداخل"، مفسحين في المجال أمام خرق في جدار العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية. وحتى خطاب الركن البارز في 14 آذار وليد جنبلاط، والذي شنّ عليه "المعارضون" حملة حاقدة، فإنه لدى مخاطبته "حزب الله"، انما تقصّد "إعلامه" بأن كل ما يملكه من سلاح لا يستطيع أن يكون له دور في المعادلة السياسية، كما لا يخيف الداخل إن سارت الأمور في منحى "فتنوي"، وتقصّد تذكيره بأن أصل الخلاف معه هو موقفه ـ أي موقف "حزب الله" ـ من النظام السوري من جهة ومن مشروع الدولة من جهة اخرى. أما كلامه عن "التبن والشعير" إذ دعا جنبلاط "حزب الله" إلى إعطائه لحلفائه، فهو إشارة منه إلى أتباع النظام السوري وأدواته.
في المشهد المحلي اللبناني إذاً، ان الوقائع القائمة "يمكن" أن تكون وقائع إيجابيّة، بما ان تحالف ما يسمّى "المعارضة" لا يستطيع أن يتقدّم، وبما ان فريق 14 آذار يُبدي استعداده لتسوية "فعليّة".
السعودية و"النظام العربي" المستقلّ
وبالانتقال إلى المشهد الخارجي، يتبيّن ان ثمة معطيات رئيسية آخذة في التبلور، من الضروري أخذها في الاعتبار.
في مقدّم هذه المعطيات الرئيسية ان المملكة العربية السعودية اتخذت على ما يبدو قراراً استراتيجياً كبيراً بالإمساك بزمام الوضع العربي.
وفي قرارها الاستراتيجي الكبير هذا، من الواضح ان المملكة تبني على مجموعة من الحسابات. فمن وجهة نظرها لا يمكن للوضع العربي أن يبقى بمرجعية "سائبة" أو بلا مرجعية. ومن وجهة نظرها أيضاً انه لا يمكن ولا يجوز أن يبقى الوضع العربي نهباً لمشاريع خارجة عن قضاياه الرئيسية ولتدخلات تقوده إلى اضطرابات خطيرة. ومن وجهة نظرها، ان غياب "المشروع العربي" يغذي انكشاف المنطقة ليس فقط أمام تدخلات دولية وإقليمة، بل أمام فتنة مذهبية إسلامية ـ إسلامية. كذلك، من وجهة نظر المملكة، فإن غياب "المشروع العربي" يسمح لـ"الأصوليات" الشريرة على أنواعها بـ"المبادرة". وأخيراً، فإن المملكة التي تعي تماماً موقع إيران الإقليمي، تعتبر انه يمكن للتفاوض معها أن "يقنعها" بأن التدخل في القضايا العربية خطير على المنطقة وعلى مصالحها فيها، في حين أن تسوية عربية ـ إيرانية أو تفاهماً عربياً ـ إيرانياً من شأنهما منع خطر الاحتكاك والفتنة المذهبية من ناحية وتأمين التعاون العربي ـ الإيراني لمصلحة الجانبين من ناحية أخرى.
ولأن المملكة تفكّر على هذا الأساس، فمن الطبيعي أن تجتهد باتجاه إعادة تأسيس "النظام العربي". وكي يكون النظام العربي عربياً بالفعل، فإنه يجب أن يأخذ في الاعتبار حقيقة ان "مشاريع" من نوع "الشرق الأوسط الكبير" أو "الشرق الأوسط الجديد" أو "الشرق الأوسط الإسلامي"، فشلت أو في طريقها إلى الفشل "الأخير". وهذا يعني ان "النظام العربي" محكوم بالمعادلة الآتية: "الاستقلال" عن "النظام الدولي" بغلبته الاميركية وعدم التصادم معه بل التعاون معه من جهة و"الاستقلال" عن إيران ومشروعها وعدم التصادم معها بل التعاون من جهة أخرى.
إيران ومصلحتها في "التعاون" عربياً
ولعلّ المملكة "تراهن" في هذا المجال على أمرَين. الأول هو انّ في إيران بحثاً يُفترض انه جادّ في كيفية مقاربة اللحظة الاقليمية ـ الدولية الراهنة، وانّ لديها "امكانية" لاعتماد سياسة تحديد الخسائر وللتفاوض مع المجتمع الدوليّ حول موقعها ودورها الاقليميين. والأمر الثاني، هو ان نسبة مهمّة من الاستقلال عن "النظام الدولي" من شأنها أن "تغريَ" ايران بالتعاون. أما الولايات المتحدة التي لا "تستهويها" تقاربات من هنا أو تفاهمات من هناك، فعلَيها أن تتقبّل المعطيات في نهاية المطاف، أي عليها أن تتقبّل وجود "كلمة عربية".
في المشهد الخارجيّ العربيّ اذاً، ثمة جديدٌ يتمثّل في دور السعودية باتجاه استعادة ركائز "النظام العربيّ". وهذا الأمر يشكّل عاملاً وازناً في فتح آفاق التسوية في لبنان والاستقرار في المنطقة.
المحكمة الدولية والفصل السابع
أما في المشهد الخارجي الدولي، فإذا كانَ من لزوم ما لا يلزم القول انّ الدعم الدولي للحكومة اللبنانية الشرعية يتزايد، فإنّ الاشارة ضرورية في المقابل الى ان ثمّة جديداً يتمثّل في التقارب بينَ أركان المجتمع الدوليّ بشأن إنشاء المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى، تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة فيما لو استمرّ تعطيل إبرامها في المجلس النيابي اللبناني.
هذه المقدّمات جميعاً تعرض للعوامل الوازنة في فتح آفاق التسوية في لبنان. بيدَ انّ ثمّة عوامل تعاكسُها حتى الآن، لا يمكنُ إنكار وجودها.
بدايةً، وبالرغم من أجواء التفاؤل المرافقة للاتصالات السعودية ـ الايرانية، وصولاً الى الحديث عن تقارب سعودي ـ إيراني بشأن لبنان، لا يمكن القول إن إيران حسمت نهائياً وجهة تعاطيها مع الأوضاع الاقليمية. فمع انّ لها مصلحة في قيام "نظام عربي" يتعاون معها، فإن شيئاً لا يفيد الى الآن انها في صدد اعادة ترتيب علاقاتها في المنطقة على الأساس المذكور آنفاً.
في العوامل المعاكسة: الوجهة الايرانية غير محسومة
ففي موازاة تفاوضها مع المملكة العربيّة السعوديّة الناطقة باسم "النظام العربيّ"، لا شكّ انّ ثمّة تفاوضاً آخر غيرَ مباشر مع الولايات المتحدة. ولا ترى إيران ان هناك ما يضمن أن تأتي المفاوضات غير المباشرة مع أميركا بنتائج. و"لعلّها" لهذا السبب، خاصة إن لم تكن في صدد تنظيم تراجعها في المسألة النووية، لم تغادر بعدُ سياسة لعب الأوراق الاقليمية التي تملكها، لا سيما "ورقة حزب الله" في لبنان.
اذاً، انّ ايران بقدر ما يمكن ان تكون عاملاً مهماً في فتح آفاق التسوية، يمكن انّها لا تزال عاملاً في عدم فتح تلك الآفاق.
.. والنهج التفجيري لنظام الأسد
وثمّة عاملٌ ثانٍ معاكس للاستقرار هو النظام السوريّ نفسه. فإذا كان هناك من يرى انّ وجودَ النظام السوريّ أمام تشكّل جديد لـ"نظام عربيّ" جديد من جهة وأمام تقارب دوليّ يسمح بإنشاء المحكمة الدوليّة تحتَ الفصل السابع من جهة ثانية، مِن شأنه أن يدفعَ النظام في سوريا الى إعادة حساباته، فإن كثيرين يميلون الى الاعتقاد انّ نظام الأسد وبسبب المعطيات الآنفة سوف يواصِل نهجه التخريبيّ التفجيريّ لأنّه "يأمل" من خلالِه كسب الوقت وحدوث متغيّرات.
والى ذلك تضاف حقيقة انّه اذا لم "تغيّر" ايران سياستها الاقليمية، سيبقى نظام بشار الأسد مستقوياً بعلاقاته الإيرانية. ذلك ان "مفتاح" وعي مختلف لدى الأسد للوضع العربيّ والاقليميّ، هو مفتاح ايرانيّ.
نصرالله والإشارات "المتوتّرة"
على أيّ حال، وفي سياق الحديث عن العوامل المعاكسة للتسوية، يجدر التوقّف عند خطاب الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله أمس، باعتباره مؤشراً ضمن الوضع اللبناني.
لا شكّ ان خطاب نصرالله "متوتّر". ومصدرُ "التوتّر" انّه يعرف تمامَ المعرفة انّ تحرّك ما يسمّى "المعارضة" لم يعد يمتلك أفقَ أي تصعيد "مجدٍ"، وانّه لم ينجح في تغيير موازين القوى السياسيّة الداخليّة. وصحيحٌ ان نصرالله حاول خلافاً للوقائع الفعلية اللعب على تناقضات موهومة في صفوف حركة 14 آذار، لكنّ الصحيح أيضاً انّه قطع الطريقَ على أيّ "تفاؤل".
أكّد انّ العودة الى طاولة الحوار لا مبرّر لها الآن وانّها غير مجدية. وأعلن انّه غير مستعد بنفسه لحوارات ثنائية. وردّ على دعوة زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري الى مواقف شُجاعة مِن "الطرفين" بأنه هو المعروف بالقرارات الشجاعة في حين انّه مشهودٌ للآخرين بعدم الالتزام بما يُتفق عليه(!). وأعلن ان فريق 14 آذار يواصل الحرب الاسرائيلية على "حزب الله" إمعاناً منه في التخوين. وقال انّه يمضي في التسلّح تحت عنوان "جهوزيّة المقاومة".
لذلك، واذا أُخذ في الاعتبار انّ "حزب الله" يقيمُ على التقاطع الايراني ـ السوريّ، فإنّ خطاب نصرالله أمس يمثّل اشارةً الى انّ التسوية لا تزال بعيدة وانّ التفاؤل ليس في محلّه حتّى الآن. وعلى الأقلّ، انّ هذا الخطاب يشيرُ إما الى انّ الموقف الايرانيّ لم يتغيّر في "عمقه"، وإمّا انّ ثمّة انتظاراً لزيارة الأسد الى طهران اليوم، وإما الى انّ نصرالله لا يزال "يُطلق النار" كي لا يوحيَ بشيء الى أن تحسم الأمور بشكل نهائيّ بما انّ المفاوضات السعودية ـ الايرانية والايرانية ـ السوريّة لا تزال قائمة.
"اليقظة" والحذر من التفاؤل
بناء على ما تقدّم، يمكن التسرّع في استنتاج انّ إحتمال التسوية متساوٍ مع احتمال عدمها. غير ان الأدق هو انّ إحتمال التسوية "يصارع" كي يتقدّم.
بيد ان ما تقدّم لم يكن معنياً فقط باستعراض الاحتمالات. كان الهدف توضيح التطوّرات والمستجدات التي تفيد ان مزيداً من إنسداد الأفق السياسي محلياً وخارجياً يواجه تحرك ما يسمّى "المعارضة"، تماماً لأن هذا التحرّك لم ينجح في فتح أي ثغرة أو في تعديل أي من العوامل التي يتشكّل منها ميزان القوى السياسي، لا بل ليس في وسعه إلا أن يفتح أبواب الفتنة والتفجير إذا استمر، ولا يكون في هذه الحالة حقّق سياسياً أي شيء.
على ان ما ينبغي الإشارة إليه، هو ان القرار الدائم لنظام الأسد هو التخريب والتفجير في لبنان. وهذا يعني ان لبنان المقيم "نظرياً" على الحدّ الفاصل بين التسوية وعدمها، مقيم فعلياً أي عملياً في دائرة خطر التفجير السوري، الأمر الذي يجعل "النظام العربي" قيد إعادة التأسيس، أمام تحدّي مواجهة نظام لا يملك سوى قدرة التخريب.
ولذلك فمزيد من "اليقظة" مطلوب، ومزيد من الحذر في "التفاؤل" أيضاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.