منذ عودته إلى بيروت قبل أقل من أسبوع، من جولة خارجية استغرقت أسابيع، كرّر رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري أكثر من مرّة في تصريحات ومقابلات وخُطب الدعوة إلى إقرار المحكمة الدولية ضمن الأطر الدستورية اللبنانية، أي إبرامها في المجلس النيابي "كي لا تقرّ تحت الفصل السابع" من ميثاق الأمم المتحدة كما أكّد.
وأمس، حول ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفي حضور الحشد المليوني الذي "يزدهر" كل عام في ذكرى بطل الاستقلال اللبناني الثاني، لم يكتفِ سعد الحريري وسائر أركان حركة 14 آذار باعتبار إقرار المحكمة الدولية بمثابة "ثابتة" وطنية، بل أكدوا ان إقرارها هو المدخل إلى تسوية للأزمة اللبنانية.
جديد كلام الحريري: التحذير
ماذا يعني كلام الحريري وإلامَ يرمي بالتحديد؟
غنيّ عن القول ان الزعيم الشاب لـ"تيار المستقبل" يطالب بكلامه هذا بتبني الأولوية التي طالما دعت حركة 14 آذار إلى اعتمادها. بيد انّ الجديد في هذا الكلام، هو ما يشبه "التحذير" من انّ عدم إقرار المحكمة لبنانياً يقود حتماً إلى إقرارها تحت الفصل السابع.
قد تكون لدى سعد الحريري معطيات في هذا المجال. لكن، ومهما تكن المعطيات ـ المعلومات عنده، فمن الواضح من مجرّد قراءة المواقف الدولية حيال هذا الموضوع، ان ثمة تصميماً لدى المجتمع الدولي على المضيّ قدماً في إجراءات قيام المحكمة الدولية، وما توقيع الأمم المتحدة الأسبوع الفائت على اتفاقية المحكمة إلا من باب تأكيد هذا التصميم الدولي. وعند الحديث عن حرص المجتمع الدولي على قيام المحكمة، يجب الانتباه إلى أن لا استثناء على هذا الصعيد، خصوصاً ان روسيا تشترك في هذا الحرص..وبقوة.
الجديد إذاً في كلام الحريري عن المحكمة الدولية هو ما يشبه "التحذير" من ذهاب الأمور إلى الفصل السابع. غير ان المرء عندما "يحذّر" من "شيء"، يكون يفضّل "شيئاً" آخر. وبهذا المعنى، فإن الحريري يعلن انه لا يزال يفضّل إنتاج المحكمة الدولية عبر مسارٍ لبناني، وانه بالرغم من كون إقرار المحكمة تحت الفصل السابع "أكثر من احتمال"، لا يزال يعتبر التوافق اللبناني في هذا الموضوع أفضل من أي صيغة اخرى.
كان "يمكن" لسعد الحريري أن يرتاح من كل هذا "العناء". لكن سعد كوالده الرئيس الشهيد يحب العناء من أجل الوفاق.
معاني إصراره على المسار اللبناني للمحكمة
ففي كلامه المتكرّر في الآونة الأخيرة، يرسم مجموعة من الخطوط والمعادلات. فهو مصرّ على المسار اللبناني للمحكمة لانه يريده مدخلاً إلى تسوية للأزمة السياسية. وهو مصرّ على المسار اللبناني لأن عدم اعتماده يعني الإمعان في الأزمة لا بل يعني الذهاب إلى مزيد من التوتر والانقسام. ويريد أن يفهم الجميع في لبنان ان قيام المحكمة بتوافق لبناني يحصّن لبنان والعيش المشترك فيه. وهذه المرة، يريد سعد أن يفهم الجميع حتى لو كان مطمئناً إلى ان المحكمة الدولية متاحة تحت الفصل السابع، انه لا يمارس أي ابتزاز سياسي.
وأكثر من ذلك، يمكن القول ان سعد الحريري المتأكد على ما يبدو من ان المحكمة الدولية متاحة تحت الفصل السابع، يرغب في القول لـ"الخصوم" السياسيين انه مستعدّ للسير بشجاعة في حلّ متكامل ينقذ البلاد من الأزمة إن هم وافقوا بشجاعة على إنتاج المحكمة عبر المسار اللبناني. وإذ يرغب في "إمتحان" شجاعة هؤلاء الخصوم، فإنه لا يستخدم أمراً مقدوراً عليه للاستقواء به، أي انه ليس في صدد الاستقواء بموقف دولي مصمّم على الذهاب في إنشاء المحكمة الدولية حتى الفصل السابع.
وإلى كل المعاني السابقة لجديد كلام سعد الحريري عن المحكمة الدولية، تضاف حقيقة انه يعطي فرصة اخرى لـ"لبننة" مسار المحكمة، ويعلن ان هذه الفرصة لا تزال قائمة.
خصوم 14 آذار واحتمال "الاستهتار"
على ان ما تقدّم ذكره، إذ يفسّر كلام رئيس "تيار المستقبل" يتطلب توقفاً عند الفهم "المحتمل" له من جانب "الخصوم".
ليس مستبعداً أن يسيء هؤلاء الفهم، فيذهبوا إلى اعتبار التحذير تهويلاً، أي انه ليس مستبعداً أن يسيئوا تقدير تصميم المجتمع الدولي على السير بالمحكمة الدولية حتى النهاية، أو أن يعتبروا انّ سعد الحريري "موهوم" بالموقف الدولي، أو انه يهدّد بموقف دولي "غير فعليّ".
ليس مستبعداً كلّ ذلك، وقد سبق لبعض هؤلاء الخصوم أن "إستهتر" بتحذيرات سابقة أطلقها الحريري عشيّة حرب تموز الماضية، حين لفت مسبقاً "أصحاب الشأن" إلى ان أي عمل داخل الخط الأزرق أو خارجه سيؤدي إلى "جنون إسرائيلي" وإلى موقف دولي غير مسبوق.
وليس مستبعَداً أن يعتبر هؤلاء انّ في ما يعلنه الحريري ضعفاً يدفعه الى الاستقواء بموقف دوليّ لا يرونه فعلياً، فيقرّروا المضيّ في تعطيل المحكمة الدولية وفرض أمر واقع في هذا المجال.
.. وكلمة السرّ السوريّة
وفي جميع الأحوال، فإنّهم حتّى لو فهموا ما يقوله الحريري، على حقيقته، سيجدون أنفسهم أمام كلمة سرّ من النظام السوريّ بتعطيل المحكمة. فبالنسبة الى نظام بشّار الأسد، المحكمة هي شيء واحد، سواء أقرّت عبر مسار لبنانيّ أو أُقرّت تحت الفصل السابع، لأنّه سيواجه مصيره في الحالتين. وبهذا المعنى، وعلى افتراض أن النظام في سوريّا يعرف انّ المحكمة تحت الفصل السابع باتت متاحة، فليس متوقعاً منه أن يتراجع الى "الخطّ الثاني" أي الى المحكمة المقرّة لبنانياً، وذلك لأنّه يأمل دائماً في كسب الوقت. ويراهن على قدرته على افتعال الفوضى واستثمارها.
والحال انّ الاستنتاج هذا ليس من نسج الخيال. ففي المعلومات المتوافرة، انّ الامين العام للجامعة العربيّة عمرو موسى تبلّغ في دمشق قبل ثلاثة أيام موقفاً سورياً من شقّين: الأوّل وفيه انّ "سوريّا غير معنيّة" بالمحكمة الدوليّة، ما فهمَ موسى منه انّ نظام الأسد ليس في وارد "السماع عن هذه المحكمة"، والثاني فيه انّ نظام الأسد يعتبر "حكومة الوحدة الوطنية" مرادفة للحكومة التي يتحكّم حلفاؤه بقرارها.
ماذا لو أقرَّت المحكمة تحت الفصل السابع؟
إذاً، بالتأسيس على المقدّمات الآنفة، ليس مستبعداً أن يُفهم كلام سعد الحريري من جانب الخصوم على غير معناه الحقيقيّ.
وفي هذه الحالة، تكون النتيجة المنطقيّة تفويت الفرصة على حلّ متكامل للأزمة السياسيّة. ومن المفيد التذكير هنا بأن الحريري وحلفاءَه في 14 آذار رفضوا مقايضة المحكمة بأيّ شيء آخر، لكنّهم إذ اعتبروا إقرارها، أي الانتهاء من هذا الموضوع، مدخلاً الى الحلّ، أبدوا الاستعداد لدراسة بنود الحلّ أو التسوية بانفتاح.
لكن ماذا سيفعل هؤلاء الخصوم، اذا حصل ما يحذّر منه الحريري، أي فيما لو أصبح إقرار المحكمة الدوليّة تحت الفصل السابع أمراً محتماً وواقعاً؟
قبلَ الإجابة عن هذا السؤال، مِن الضروريّ جداً لفتُ الأنظار الى تطورات إقليمية دوليّة رئيسيّة حصلت في الأيّام القليلة الماضية.
"التطوّر الكوريّ"
ففي "لمحة بصر"، أعلن النظام التوتاليتاريّ في كوريا الشماليّة إنهاء برنامجه النوويّ العسكريّ. وإذا كانت هذه الخطوة تعني انّ هذا النظام إكتشف انّ المعاندة غير مجدية في هذا الموضوع أو إكتشف انّه لا يمكنه المضيّ في تمويل برنامجه، فإنها تعني انّ ثمّة وفاقاً دولياً فرض نفسه على نظام بيونغ يانغ. وهذه مناسبة للقول انّ النظام الدوليّ، على الرغم من بعض التحوّلات التي يشهدها ومن بينها التنافس الروسيّ الأوروبيّ الأميركيّ على الأدوار، ليسَ ذاهباً الى صراعات بين أركانه، بل انّ ثمّة توازنات جزئيّة جديدة تفرضُ أخذها في الاعتبار.
حدود العراق مع سوريا وإيران
في موازاة "التطوّر الكوريّ" على الصعيد الدوليّ، برز التطوّر الإقليميّ المتمثل بإعلان الحكومة العراقية إغلاق حدود العراق مع كلّ من سوريا وإيران، بعدَ الاتهام العراقيّ والأميركيّ لنظام الأسد بالمسؤولية عن معظم عمليات الارهاب في هذا البلد، وبعدَ بداية صراع أميركي ايرانيّ ميداني على الأرض العراقية.
كذلك، شكّلت زيارة الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين الى المملكة العربيّة السعودية قبلَ أيّام، حدثاً اقليمياً بكلّ معنى الكلمة، لا بل مؤشراً الى انّ ثمّة وضعاً عربياً جديداً في طريقه الى الظهور بالتوازي مع المخاضَين الاقليمي والدوليّ.
"الاستطلاع الايراني"
في ظلّ هذه التطورات الثلاثة، الكوريّ والعراقي والعربيّ، وجدت إيران نفسها بحاجة الى "استطلاع" المستجدات. فإذا كانت كوريا الشمالية القاطعة لأشواط في المجال النوويّ العسكريّ "اضطرت" الى تحكيم "الوقائع" على ما عداها، فإنّ ذلك يدعو ايران الى التبصّر. وإذا كان العراق الذي تلعبُ ايران فيه دوراً مؤثراً، اضطرّ الى اقفال حدوده معها، فذلك مدعاةٌ للتفكّر أيضاً.. وإذا كانَ ثمّة ولادة جديدة لـ"نظام عربيّ جديد"، فتلك مسألةٌ تعني إيران في المباشر.
لذلك، لا يمكن فهم التحرّك الايراني "المستعجل" في اليومَين الماضيَين باتجاه السعودية إلا بالعلاقة مع هذه التطورات، عشيّة المراجعة التي يجريها مجلس الأمن للعقوبات على طهران. ولا يمكن فهمُه إلا بصلته بالحسابات السياسية التي تجريها إيران في هذه الأوقات، حيثُ "تفهم" أكثر من سواها كيفيّة ملاءمة وضعها مع هذه التطورات، خصوصاً انّ لديها ما "تبيعه" من أجل أن "تشتريَ" في مقابله.. هذا إن هي أخذت بـ"الواقعيّة".
الأسد والتقديرات الخاطئة
وحدُه نظام بشّار الأسد يسيء كالعادة فهمَ التطورات، ويقدّر معانيها بشكل خاطئ.
ولعلّه، وهو يمارس عادة الفهم الخاطئ، وفيما لم يتبلّغ مِن مكانٍ ما في هذا العالم بمعاني هذه التطورات، حاول في لبنان أوّل من أمس توجيه رسالة بأنّه "موجود هنا"، فكانت الجريمة الارهابية في المتن الشماليّ، التي "يأمل" في القيام بـ "شبيهاتها".
بيدَ انّ نظام الأسد سيدرك سريعاً انّه لن يقبض إلا على الريح، وانّ ما يجري من حوله يطوّقه، وانّ "الحامولة" الاقليمية الدولية أقوى منه.. وانّه لن يستطيع الهروب من المحكمة الدولية.
من هنا، وبعدَ هذه الاستطرادات، فإنّ الجواب عن سؤال: ماذا سيفعل "خصوم" 14 آذار لو أصبح إقرار المحكمة الدوليّة تحت الفصل السابع أمراً محتّماً وواقعاً، هوَ دعوة هؤلاء الى قراءة التطورات جيداً، وإلى الإسراع في فهم انّهم لن يستطيعوا شيئاً إن هم فوّتوا فرصة الحلّ الذي يعرضه زعيم "المستقبل"، والذي سمّاه "حلّ الشجعان"، بإقرار متزامن للمحكمة الدولية وللبنود الأخرى من التسوية السياسية.
14 آذار وأفق التسوية
لم يعتمد الشهيد رفيق الحريري في تاريخ حياته السياسيّة "البهوَرة". ووريثه سعد يسير على الطريق نفسها. وعندما يقول تعالوا الى إقرار المحكمة لبنانياً كي لا تقرّ تحت الفصل السابع، فإنّه يعني ما يقول، ويقدّم فرصة.. ويوجّه ما يشبه "النداء الأخير"، منبّهاً خصوم 14 آذار الى أن ليس من مهمّتهم الدفاع عن نظام الأسد حتى "النهاية". وهذا ما عنَته حركة 14 آذار في بيانها أوّل من أمس عندما دعَت الأطراف ذات التمثيل الحقيقيّ في 8 آذار الى الحوار.
وهذا ما عنَاه أركان 14 آذار في خطبهم أمس أمام ضريح الرئيس الشهيد. كانوا جميعاً كلمةً واحدة وموقفاً واحداً، ضدّ التدخّل السوريّ، ومع الحوار الداخليّ. وهذا دليل قوّة في أي حال.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.