مساء الخميس الماضي، تابع اللبنانيون باهتمام كبير مراسم توقيع قيادتي حركتَي "فتح" و"حماس" اتفاق مكة المكرمة برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وقد خالجهم شعوران: شعور بالفرح من جهة وآخر بالقلق من جهة ثانية.
الفرح والقلق
أما الشعور بالفرح، فلأن الاتفاق يطوي صفحة دامية من العلاقة بين الفصيلين الفلسطينيين الرئيسيين، ويضع الشعب الفلسطيني على طريق إستعادة وحدته ويعيد تظهير الأولويات الفلسطينية التي غيبها الصراع الداخلي الذي استمر شهوراً طويلة. كذلك، كان الشعور بالفرح لأن الاتفاق الذي لم يتم التوصل اليه في وقت سابق، داخل فلسطين، أمكن التوصل اليه وإعلانه في المملكة العربية السعودية التي لا مبالغة في القول أنها تلعب أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة دور المرجعية عن الوضع العربي، لمصلحة دوله وشعوبه، ولمصلحة "الوطنيات" داخل كل بلد عربي.
أما الشعور بالقلق فحرّكه العديد من التساؤلات: هل اتفاق مكة الفلسطيني فأل خير للبنان؟ ما هي العوامل التي جعلت هذا الاتفاق ممكناً في وقت كان معروفاً ان ثمة تداخلاً إقليمياً على "مسرح" القضية الفلسطينية أدى الى إغراقها في مسار كارثي دام؟ هل يمكن أن يكون لبنان "فشة خلق" لمتضرر ما من الفرج الفلسطيني الذي يعِد به اتفاق مكة؟
العامل الفلسطيني الذاتي
هذه الأسئلة وغيرها، كانت في اليومين الماضيين موضع تداول في الوسط السياسي، لا سيما المنتمي منه إلى حركة 14 آذار.
وفي قراءة أولية، لا تزال بحاجة الى "معلومات" تسندها، أي في قراءة "تحليلية"، تبرز العناصر والمعطيات الآتية:
بداية، لا شك ان الأزمة الفلسطينية وقد انفجرت في "صيغة" تقاتل داخلي، أي في "شبه" حرب أهلية داخلية، وضعت الأطراف الفلسطينية كافة أمام مسؤولية "الانحراف" الأول من نوعه في تاريخ القضية الفلسطينية التي ظلت مفخرتها على الدوام ان أياً من المضطلعين الفعليين والحقيقيين بمسؤوليتها لم يعرّض القضية وشعبها لـ"اختبار" من هذا القبيل. ولا شك أيضاً، أن الفصيلَين، بصرف النظر عن قسط كل منهما في المسؤولية عن دفع الشعب الفلسطيني الى المأساة، كانا ـ عشية الاتفاق ـ أمام تحدي "البقاء" في دائرة تمثيل الفلسطينيين كيفما دارت عجلة الأحداث في فلسطين.
الحاضنة السعودية ـ العربية
في البداية إذاً، انّ ثمة عاملاً فلسطينياً "ذاتياً" في اتفاق مكة، على الأرجح انه كان بحاجة الى "حاضنة" كي يرى النور.
ولا شك ثانياً ان "الحاضنة العربية"، أساسية في الاتفاق. وقد تمثلت بالدور المصري السياسي و"الميداني" في مرحلة غير قصيرة، وتوّجت بالمبادرة السعودية في المرحلة الأخيرة، وهي المبادرة التي ظهّرت ليس فقط التفاهم السعودي ـ المصري، بل عكست موقف "النظام العربي" الذي يجب القول ان المملكة تبذل جهداً إستثنائياً لإعادة إرسائه ضمن الإطار الاقليمي القائم ومعطياته وتطوراته.
إيران "الإيجابيّة"
ولا شك ثالثاً، أن ايران لعبت في الاتصالات الممهدة للاتفاق الفلسطيني دوراً إيجابياً. فليس سراً أن ايران دخلت منذ مدة على خط المسألة الفلسطينية، ومارست تأثيراً سياسياً فيها بوسائل عدة.
كذلك، ليس سراً أن ثمة اتصالات سعودية ـ إيرانية قائمة منذ أسابيع. ويتبين تباعاً ان هذه الاتصالات ليست محصورة في ملف "الأزمة اللبنانية". وبهذا المعنى، يمكن القول ان اتفاق مكة هو ثمرة من ثمرات هذه الاتصالات.
صحيح ان المملكة، كما في الرسالة التي وجهتها الى مرشد الجمهورية الإسلامية الايرانية علي خامنئي، دعت ايران الى وقف "تشابكها" مع القضايا العربية وطالبتها بعلاقات "سوية" مع الوضع العربي. بيد أن ايران لا يمكن أن تستجيب للدعوة السعودية لو لم ترَ مصلحة لها، وفي الموضوع الفلسطيني إنطلاقاً. فما هي إعتبارات المصلحة الايرانية في حصول الاتفاق الفلسطيني؟
غني عن القول ان لطهران مصلحة في بقاء علاقة لها بالموضوع الفلسطيني، ولها مصلحة في التأسيس لعلاقة إيجابية بـ"النظام العربي" من المدخل الفلسطيني.. أي ان لها مصلحة في استبقاء دور سياسي معين في هذا الموضوع، وفي استخدام هذا الدور إيجاباً في الوقت نفسه. غير أنه يبدو، بالاضافة الى ذلك، أن ايران التي تواجه تصعيداً أميركياً، تريد توجيه رسالة بأنها تستطيع المساهمة ايجاباً في قضايا المنطقة وبالعلاقة مع منظومة الاعتدال العربي. وبهذا المعنى، يمكن الاعتقاد ان ايران "تلعب" إحدى "أوراقها" الإقليمية... باتجاه المجتمع الدولي عبر "النظام العربي".
على أساس ما تقدم، يمكن قراءة اتفاق مكة على أنه محصلة إلتقاء ثلاثة عوامل معاً: العامل الفلسطيني الذاتي والعامل العربي.. والعامل الإيراني.
النظام السوري
لكن "الصورة" لا تتوضح تماماً ما لم يجرِ تقويم المعطى أو العامل السوري.
ثمّة من يعتقد أن النظام السوري لم يكن بعيداً عن "الصورة". ويستند هذا الاعتقاد إلى عدّة أمور أهمها أنه "لا يمكن" ألاّ تكون حصلت اتصالات عربية ما مع النظام في دمشق لهذه الغاية، كما أنه "لا يعقل" ألا تكون طهران وضعت دمشق في أجواء "نيّتها". كذلك، يستند أصحاب هذا الاعتقاد إلى ان رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل توجّه إلى مكّة "مِن" العاصمة السورية، وان في ذلك دلالات كثيرة. ويقولون إنه حتى لو كان صحيحاً أن مشعل لا ينفّذ تعليمات نظام الأسد، فالصحيح أيضاً أنه يأخذ في الحسبان اعتبارات الإقامة و"الجغرافيا"، حيث لم تكن إقامته في دمشق مسألة ثانوية.
ويرى من يعتقدون ذلك ان نظام الأسد أعطى موافقته على اتفاق مكّة، من جهة لأنه لا يستطيع وقفه طالما انّه لا يستطيع التغيير في عوامله، ومن جهة أخرى لأنه ولو مضطراً، يوجه رسالة ايجابية أيضاً.
غير ان ثمة رأياً معاكساً للرأي السابق، يعتبر أصحابه ان الاتفاق "مفروض" على النظام السوري وأنه متضرّر منه. ويرون أن اتفاق مكّة يسلب منه "ورقة" أساسية في إطار خطته التخريبية إقليمياً التي يستدرج من خلالها عروض التفاوض، لا بل يذهبون إلى الاعتقاد ان ثمة "فكّاً" إيرانياً عن سوريا إبتداء من الموضوع الفلسطيني. وإذ يلفتون إلى أن أي موقف سوري رسمي ايجابي من الاتفاق لم يصدر، فإنهم لا يعطون لسفر مشعل إلى مكّة من دمشق الدلالة السابقة نفسها، ويقدّرون ان المسؤول الحمساوي غلّب الحسابات الفلسطينية على اعتبارات الإقامة والجغرافيا.
وبناء على ما تقدّم، يصحّ القول ان اتفاق مكّة قابل للحياة، لا سيما أن قدرة النظام السوري على تعطيله لو أراد، غير متوفرة في ظل العوامل التي أدّت إليه أصلاً.
في لبنان تفاؤل
والآن، ماذا عن لبنان في ضوء معطيات اتفاق مكّة الفلسطيني؟
لا شكّ ان هناك رأياً متفائلاً. ومصادر التفاؤل هنا متعدّدة. المصدر الأول للتفاؤل هو انه كان هناك على الدوام قدر كبير من التداخل بين الأزمتين في لبنان وفلسطين وقدر كبير من التشابه في "بنيتيهما"، وان حلّ الأولى يؤدي إلى حل الثانية. والمصدر الثاني هو ان اتفاق مكّة بما انه في جانب منه محصّلة التقاء إرادتين عربية وإيرانية، لا بدّ أن يشكّل "نموذجاً" لاتفاق ما لبناني. والمصدر الثالث هو ان تظهير اتفاق مكّة الفلسطيني بنتيجة الاتصالات السعودية ـ الإيرانية، لا بدّ أنه خطوة أولى و"جسّ نبض" بالنسبة إلى الموضوع اللبناني، وهو ان اتفاق مكّة لا بدّ أن يكون مقدّمة لاتفاق في الموضوع اللبناني.
..وحذر
في المقابل، ثمة رأي "أقل" تفاؤلاً.
يبني أصحاب هذا الرأي تفاؤلهم "الأقل" على الحسابات الرئيسية الآتية:
يعتبرون أولاً ان أحد طرفَي الصراع في لبنان، أي من يسمّي نفسه "المعارضة" لم يتوصل حتى الآن إلى قناعة بأن ما يقوم به بات خطيراً وانه استُنفد.
وإذ يؤكدون ان الدور الإيراني بالنسبة إلى الاتفاق الفلسطيني كان ايجابياً، يلفتون ثانياً إلى أن علاقة إيران بالوضع اللبناني غير علاقتها بالوضع الفلسطيني، أي ان علاقتها بـ"حزب الله" غير علاقتها بـ"حماس" أو أي فصيل فلسطيني آخر، ويشيرون إلى ان التعاطي الإيراني "استراتيجياً" مع لبنان غيره مع المسألة الفلسطينية.
ومع انهم يميلون إلى الاعتقاد ان النظام السوري وُضع باتفاق مكّة أمام نوع من "الأمر الواقع"، فإنهم لا يذهبون ثالثاً إلى "تبسيط" الأمور إلى حدّ اعتبار ان ثمة "فكّاً" إيرانياً عن نظام دمشق، في ما يتّصل بالموضوع اللبناني.
ويضيفون رابعاً ان قدرة نظام الأسد على التخريب في لبنان غير قدرته التخريبية في فلسطين. ففي لبنان "يلعب" نظام الأسد مصيره ووجوده، فكيف إذا أضيف إلى ذلك انه يعتبر نفسه متضرّراً من اتفاق مكّة الفلسطيني؟
على انهم يسارعون إلى القول خامساً انه على افتراض ان كل العوامل المُفضية إلى حلّ "الأزمة اللبنانية" قد نضجت بالفعل، فإن التخريب السوري في لبنان مستمرّ. بمعنى آخر، يقول أصحاب هذا الرأي "الأقل تفاؤلاً" انه يجب الاعتراف بأن قدرة نظام الأسد على التعويق في لبنان، ستكون أقل بكثير فيما لو كانت إيران على "مسافة" منه وفيما لو كانت على خطّ استخدام أوراقها الإقليمية ايجاباً، أي ان الأفق السياسي أمام نظام الأسد يكون مغلقاً في مثل هذه الحالة، لكن يجب الاعتراف في الوقت نفسه بأن هذا النظام لن يتوانى عن التخريب.
بارقة أمل
على هذه الخلفية، ينظر شطر رئيسي من اللبنانيين إلى اتفاق مكّة بوصفه إنجازاً فلسطينياً من ناحية، وبوصفه بارقة أمل في الوضع العربي من ناحية ثانية، لكن يسود تفكيرهم نوع من الحذر حيال احتمالات الوضع اللبناني من ناحية ثالثة.
ثقة اللبنانيين بالمملكة وبخادم الحرمين الشريفين كبيرة جداً، وثقتهم بإرادة السعودية وملكها بمساعدتهم على الخروج من الأزمة كبيرة جداً أيضاً.
بيد انّ اللبنانيين لا يُلامون على حذرهم من التفاؤل بعد ما مرّ بهم من عواصف.
ان مقتضيات الحل اللبناني كثيرة، أهمها تفكيك الصاعق السوري الدائم. فهل يستطيع اللبنانيون أن يأملوا؟
ليس الأمر بهذه البساطة. ومع ذلك، كم كان اتصال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس برئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة أمس معبّراً. فقد أهدى أبو مازن الأمل الفلسطيني بالفرج إلى اللبنانيين، وأكد "الرابط" بين القضيتين الفلسطينية واللبنانية.. وأكد تآخي "الوطنيتين" الفلسطينية واللبنانية.
وفي جميع الأحوال، وبالرغم من التعقيدات الكثيرة المحيطة بالحل اللبناني، فإن "صعود" المملكة إلى مرتبة المرجعية في الوضع العربي، يُحيي الأمل بالمستقبل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.